ذكريات حزينة

إبراهيم رمزي
2020 / 12 / 1

الصدمة الأولى:
بالأمس (11 أكتوبر 2019) زرت حي الزيتون بمدينة مكناس. تغيرت معالمه، وصارت البنايات تزاحم بعضها البعض، وكان في الماضي عبارة عن جنان وبساتين وخضرة يانعة، ومياه جارية متدفقة عبر السواقي.
قيل لي وأنا أسأل عن مدرستي الابتدائية "مدرسة الفتح": لقد أغلقت أبوابها منذ أزيد من ست عشرة سنة.
وعثرث على مدرستي. عوّض بابها الضخم ـ ذو الخوخة ـ بباب حديدي. مربعات زليج أخضر تعلو الباب، تشكل اسمها، وسنة تأسيسها: 1946. أي حينما كان الوطنيون يبادرون إلى إنشاء المدارس الإسلامية المعربة، لمواجهة المد الاستعماري ومدارسه التي تعتمد لغة المستعمر بالدرجة الأولى.
تجتاحني الذكريات، فأتذكر المدير والمعلمين: أحمد اليوسفي (الأب) أحمد اليوسفي (الابن)، التهامي الخلطي منيب، بن الطاهر، الغرباوي، الديغوسي، ..
كان من أنشطة المؤسسة ـ التي تحظى باهتمام كبير ـ الاحتفال بالأيام المجيدة الثلاث: عيد الانبعاث، عيد الاستقلال، عيد العرش.
وكانت المؤسسة تقيم حفلها الخاص. ثم تشارك ـ بعدد من الفقرات ـ في منصات خارجية، تشرف عليها هيئة حزبية، أو بعض الخواص.
هناك الأناشيد الوطنية، والخطب، والتمثيليات، والحركات الرياضية، ...
وتشاء الصدف أن يَكتب لي أحد المعلمين خطبة، ألقيتُها بحماس وصوت جهوري. وكانت والدتي ـ رحمها الله ـ ضمن الجمهور المتتبع لفقرات الحفل، فتمنتْ أن يكون ابنها مثل هذا "الطفل الخطيب" الذي تحجبه إحدى السواري عن رؤيتها له. ولما علمت أن الخطيب ابنها، لم تسعها الدنيا فرحة واغتباطا.
كانت مدرسة الفتح مؤسسة للتعليم وللوطنية. درست بها بين سنوات: 1954 ـ 1959 أي قيل استقلال المغرب بسنتين، وكنا آنذاك نرى باستمرار كوكبة من جنود الاحتلال (حوالي العشرة) يمشطون أزقة أحيائنا الشعبية، مدججين برشاشاتهم. أما الطائرات الحربية فكانت تصم الآذان. وبقيت قوات الاحتلال تستغل المطار العسكري لمكناس إلى ما بعد 1962.
كان مولاي أحمد اليوسفي (الابن) هو منسق الدائرة الخامسة لحزب الاستقلال (كان مقرها بالديور الجداد، ببني امْحمد)، وربطت بينه وبين عمي: السي امْحمد بنعلي، علاقات نضالية، قبل الاستقلال، وبعده.
أدين بالكثير لمعلمي السيد: التهامي الخلطي منيب. كان رجل تعليم وتربية يتمتع بخصال عالية، وطيبوبة لا مثيل لها. حبّب إلينا القراءة، وفتح لي ـ بمعية بعض الزملاء ـ خزانة كتبه نغرف منها زادا معرفيا وثقافيا. وكان سروره كبيرا بنجاحنا في الشهادة الابتدائية بنسبة مائة في المائة، فأقام لنا حفلا على نفقته.

الصدمة الثانية:
مررت قرب مدرسة النهضة الإسلامية. وهي الثانوية التي درست بها شهرا، ثم انقطعت عنها، وانتقلت إلى مؤسسة أخرى. ثم عدت إليها بعد ثلاث سنوات، لأدْرس بها سنة واحدة.
أذكر مديرها السيد: السحاقي، وحارسها العام: السنتيسي، والحارس العام لفرعية حمرية، السيد: الصافي.
أما الأساتذة، فقد غابت عني أسماء كثيرة، غير أني أذكر من المغاربة: العلوي. ومن المشارقة: صبري. نادية الرقا. فاروق.
لم يبق من الثانوية إلا اسمها المنقوش في الزليج فوق الباب. وبجانبه لافتة تشعر بتحول المؤسسة إلى مقر للاتحاد النسائي.
أي مصير محزن لهذه المؤسسة التي نبغ فيها أجيال من المتخرجين، صار عدد منهم مسؤولا بدواليب الدولة. وعدد كبير تقلدوا مهمة التعليم، فقامت على أكتافهم نهضة تربوية في سنوات السبعينيات وما بعدها.
كانت مدينة مكناس تعج بالأنشطة الثقافية (سينمائية، بالمركز الثقافي الفرنسي)(مسرحية، محاضرات، ندوات، مسابقات ثقافية .. بدور الشباب، وفضاءات أخرى) (رياضية، وخاصة السباحة: المسبح البلدي، ومسبح النادي المكناسي)
وكانت مكتبة الجامع الكبير مصدر ما نقرأ من كتب.
أما دور السينما (مونديال، أبولو، كاميرا، أ ب س، ...) فكنا نرتادها من حين لحين .. وبعضها يشكو الآن من "البيات الأبدي" الذي دخلت فيه / فرض عليها. القاعات ما تزال قائمة، والقانون يمنع تحويلها لأي نشاط غير العرض السينمائي. (وقد ساهمت أشرطة الفيديو، ثم الانترنيت .. في خنق العروض السينمائية).
سأتعرف على "السينما" حينما دخلت لأول مرة قاعة سينما "أبولو"، في غفلة من أهلي الذين كانوا يعتبرون ـ أنذاك ـ السينما من "نواقص" الشخصية، وترفا مدمّرا. أما سينما "كاميرا" فلها ذكريات "كبيرة" خاصة، تفيض بكل مشاعر الرقة والود.

صدمة قديمة نسبيا:
في إحدى زياراتي لمدينة الرباط منذ بضع سنين، مررت قرب معهد المغرب الكبير، الذي درست فيه حتى الباكالوريا، فوجدت الجرافات تهده هدا، وتمحو معالمه وآثاره على الأرض. وشعرت بحزن عميق لهذا المصير الكارثي لمعلمة تربوية وعمرانية كانت منارة علم وعرفان.
كانت المؤسسة تعرف ـ أصلا ـ بالمعهد المصري، وانتقلت إلى وزارة التربية الوطنية بعد حرب 1963 على الحدود الشرقية، مع الجزائر. والتي تم خلالها اعتقال الطيار حسني مبارك الذي سيصبح لاحقا رئيسا لمصر، ونتج عن الحرب طرد المصريين من المغرب لانحياز مصر للجزائر.
كان بهذا المعهد مسرح غير كامل البناء، فتم تجهيزه وتحويله إلى مدرج تابع لكلية الحقوق. وهناك قاعات متخصصة للمواد التجريبية العلمية، وللاجتماعيات، وعرض الأشرطة الوثائقية. أما المكتبة فحافلة بالكتب المتنوعة.
ومن الصدمات الخفيفة، اطلاعي ـ بالشبكة العنكبوتية ـ على خبر هدم الحي الجامعي ـ ظهر المهراز، نظرا "للشيخوخة" التي أصابته. وكنت من قاطنيه أيام الدراسة. بل كنت الساكن الوحيد به خلال أسبوع، عند بداية موسم دراسي، نتيجة هفوة من المكلف بالتقييد.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت