نحو قانون أفضل للمجتمع المدني في مصر

حسن الشامي
2020 / 11 / 27

ليس الحديث عن إصدار قانون جديد للجمعيات الأهلية جديدا، فمنذ ثمانينات القرن الماضي لم يتوقف الحديث عن ضرورة إصدار قانون للعمل الأهلي يأخذ في اعتباره المتغيرات السياسية والثقافية التي طرأت على المجتمع ويساعد على إعطاء مساحة من الحرية للمجتمع المدني كي يؤدي دوره في عملية التنمية.
بعد انتخابات مجلس الشعب الجديد – الذي صدر قرار بحله استنادا على ح...كم صدر من المحكمة الدستورية العليا – بدء حديث جاد عن أن تعديل قانون الجميعات الأهلية أصبح واجبا ملحا.
من وجهة نظر الحكومة فإن القانون القائم يمنح الجمعيات الأهلية حرية واسعة ولابد من تعديله ليضمن سيطرة أكبر لجهة الإدارة على عمل الجمعيات الأهلية والتي تراه الحكومة وثيق الصلة بالأمن القومي خاصة فيما يتعلق بالتمويل الخارجي.
ومن وجهة نظر الجمعيات الأهلية فإن القانون القائم يمنح جهة الإدارة سلطات استبدادية على الجمعيات الأهلية ويتعين أن يتحرر القطاع الأهلي من رقابة الحكومة ليقوم بدوره في التنمية.
وما بين هذه النظرة وتلك تقف وجهة نظر ثالثة تدعو إلى تحرير المجتمع المدني من استعباد السلطة التنفيذية شريطة أن يقوم المجتمع المدني بتطبيق مبادئ الحكم الرشيد وسياساته.
اليوم في مصر يبدو أن تعديل قانون الجمعيات الأهلية قد أصبح أقرب من أي وقت مضى ومن المفترض أن يكون القانون الجديد للجمعيات الأهلية أمام أول برلمان سيجري انتخابه بعد إقرار الدستور الجديد والذي من المنتظر أن يكون في نهايات عام ٢---٠---١---٢---.
توصيات من أجل مجتمع مدني أكثر ديمقراطية وتحررا:
يتطلب إصدار قانون جديد للمجتمع المدني في مصر العمل مع العديد من الأطراف خاصة السلطة التشريعية المسئولة عن إصدار القوانين وكذلك منظمات المجتمع المدني التي يجب أن تدافع من أجل الوصول إلى قانون أكثر ديمقراطية يمكنها من القيام بدورها دون تقييد، وعلى ذلك نقدم عددا من التوصيات على النحو التالي:
أولاً: التوصيات إلى البرلمان القادم:
• إلغاء المواد التي تدعم تحكم جهة الإدارة في النشاط الأهلي: إن تسجيل الجمعيات يتعين أن يكون بالإخطار وحلها لابد وأن يكون بحكم قضائي نهائي وبات. وعلى ذلك فإن المادة السادسة من القانون لابد وأن تُعدل فتكتسب الجمعية الشخصية الاعتبارية بمجرد إخطارها جهة الإدارة بقيامها.
كما أن المادة ٤---٢--- من القانون والتي تجيز لوزير التضامن الاجتماعي حل مجلس الإدارة أو حل الجمعية بكاملها يتعين أن تُلغى، فتكون هذه وتلك من سلطات القضاء فقط يلجأ إليها الوزير ويعرض أسبابه ويسمع القاضي دفاع الجمعية ومجلس إدارتها ثم يحكم بما يراه فضلا عن عدم جواز الاستيلاء على أملاك الجمعيات أو مصادرتها أو إلزام الجمعيات بتوجيه أموالها إلى وجهة معينة عند الحل كما أوصى بها أيضاً تقرير المجلس القومى للخدمات والتنمية الاجتماعية عام 1998 خلال دورته الثامنة عشرة بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة فى مصر.
كما أن المواد التي تجعل من حق جهة الإدارة أن تدعو إلى اجتماع الجمعية العمومية للجمعية كالمادة ٢---٥--- أو أن يكون من حقها الحصول على محضر اجتماعات الجمعية كالمادة ٢---٦--- أو الاعتراض على أسماء المرشحين لمجلس الإدارة كالمادة ٣---٤--- أو الحصول على محضر اجتماعات مجلس الإدارة كالمادة ٣---٨---، هذه المواد كلها يتعين إلغائها. كما أن المواد التي تجعل جهة الإدارة هي المتحكمة في حصول الجمعيات على التمويل مثل الماده ١---٧--- أو في انضمامها إلى شبكات أو اتحادات مثل الماده ١---٦--- لابد من إلغائها.
• أهمية أن يراعي القانون الجديد التناسب بين حجم مؤسسي الجمعية وبين الهدف والنطاق الجغرافي الذي تقوم عليه الجمعية: إن المادة الأولى من القانون والتي تضع حدا أدنى للمؤسسين للجمعية بعشرة أفراد رغم أنها تساعد الراغبين على تكوين الجمعيات فإنها في الحقيقة لا تساعد على بناء مؤسسة عضوية حقيقية تعمل في إطار المجتمع ؛ ومن هنا قد يكون من المهم أن يرتبط حجم مؤسسي الجمعية بالنطاق الجغرافي الذي تعمل فيه وبهدفها؛ فالجمعية التي تهدف الي العمل في نطاق أسره معينة أو قبيلة محددة أو حتى أبناء قرية مسماه "مثل أبناء قرية الدير مثلا" قد يكون حجم ونوع العضوية المطلوب لتأسيسها مختلفا عن حجم ونوعية المؤسسين لجمعيه تنوي العمل في نطاق محافظه كاملة أو حتى على مستوي الجمهورية.
ويرتبط بما سبق ضرورة إلزام الجمعية عند التأسيس بأن تحدد في نظامها الاساسي المنطقة الجغرافية التي تنوي العمل فيها، واهدافها بالتحديد من العمل باعتبار ان ذلك سوف يحدد كما ذكرنا حجم العضويه المطلوب لتأسيسها.
• إلغاء المواد التي تُقيد تكوين الاتحادات بين الجمعيات على مستوى الجمهورية والمحافظات وأن يُشكل مجلس إدارة الإتحاد العام للجمعيات بالإنتخاب من بين أعضاء الإتحادات الإقليمية والإتحادات النوعية والجمعيات المركزية: حيث لا بد من جعل الحق في تكوين الاتحادات بين الجمعيات أمرا اختياريا وتعدديا، ومن هنا فإن الغاء الماده ٦---٦--- والتي لا تجيز إنشاء أكثر من اتحاد إقليمي واحد في كل محافظة والمادة ٦---٩--- والتي تنشئ اتحادا عاما واحدا للجمعيات على مستوى الجمهورية وتعطي لرئيس الجمهورية سلطة تعيين رئيسه وثلث أعضائه، يصير أمرا محتما.
• أهمية الفصل بين الأطراف القائمة على عمل الجمعيات: علي الرغم من أن القانون الحالي للجمعيات والمؤسسات الخاصة قد منع بشكل كامل في المادة ٣---٦--- الجمع بين عضوية مجلس الإدارة وبين العمل للجمعية بأجر، إلا أنه فتح بابا للتحايل في المادة ٣---٩--- عندما أورد أنه " يجوز لمجلس الإدارة أن يعين مديراً للجمعية من أعضائه أو من غيرهم، ويحدد قرار التعيين أعمال الإدارة التي يختص بها والمقابل الذي يستحقه”، وهو أمر نجد أنه ينافي بشكل كامل مبادئ الحكم الرشيد التي تلزم الفصل الكامل بين واضعي السياسات ومنفذيها من ناحية وبين المتطوعين من أعضاء مجلس الإدارة والتنفذيين من ناحية أخرى. كما أن المادة ٣---٥--- وإن حظرت الجمع بين عضوية مجلس إدارة الجمعية وبين العمل في الجهة الإدارية أو غيرها من الجهات العامة التي تتولى الإشراف أو التوجيه أو الرقابة على الجمعية أو تمويلها، إلا أنها اعطت لرئيس مجلس الوزراء أو من يفوضه أن يرخص لمن يشاء بهذا الجمع لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة، وهو ما يفتح بابا واسعا يؤدي إلى تضارب المصالح.
ولاشك أن بعضا من تلك التوصيات لو جري تقنينها سيكون له أبلغ الأثر على المجتمع المدني ودوره.
ثانياً: التوصيات إلى منظمات المجتمع المدني:
• ضرورة قيام المنظمات بالتحالف والتشبيك للضغط من أجل قانون أفضل ينظم عمل المجتمع المدني: وهنا يجب أن تستمر أعمال المنظمات في المدافعة لإصدار قانون جديد يقلل من سيطرة الحكومة على عمل المنظمات وكذلك يمنح مزيد من الحرية للمنظمات للقيام بأنشطتها وهنا يجب أن تتصدى المنظمات لأي مشروع قانون من شأنه أن يقيد عمل المنظمات أو يسمح للدولة بتدخلات غير مبررة في أمورها.
• العمل من أجل أن يتضمن دستور مصر القادم نصا دستوريا يكفل حرية عمل المجتمع المدني ويحفظ استقلاله في القيام بدوره: وهنا يجب أن يقدم المجتمع المدني مقترحا موحدا إلى الجمعية التأسيسية للدستور متفق عليه من قبل المنظمات من خلال التحالفات والتشبيك حتى نتجنب تقديم أكثر من نص، الأمر الذي من الممكن أن يقلل من فرص الأخذ بها.
• أهمية أن تقوم المنظمات بتقديم مقترحاتها البديلة لنصوص مواد قانون الجمعيات الأهلية إلى البرلمان القادم فور انعقاده: حتى لا تستأثر السلطة التنفيذية بتقديم مقترحات لمشروع قانون الجمعيات الأهلية والذي عادة ما يجعل المنظمات تحت قبضة الحكومة، فالمجتمع المدني لابد من أن يوسع دائرة نقاشاته حول القانون من أجل الخروج بمقترح شامل يتم عرضه على الحكومة وكذلك تقديمه إلى البرلمان من أجل لفت أنظارهم إلى المقترحات التي يقدمها المجتمع المدني مع الضغط من أجل كتابة قانون ينهض بوضع الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني في مصر.
رئيس الجمعية المصرية للتنمية العلمية والتكنولوجية

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار