الإستعانة بمالك بن نبي لقراءة تصريحات ماكرون الأخيرة

رابح لونيسي
2020 / 11 / 27

أثارت تصريحات فرنسية الكثير من الجدل واللغط، ومنها تصريحات رئيسها ماكرون الأخيرة حول الإسلام والجزائر وتركيا وغيرها، وقد كانت لهذه التصريحات تأثيرات كبيرة على المشهد الإعلامي والسياسي للكثير من الدول، ومنها الجزائر، وهو ما يذكرنا مرة أخرى بأهمية الخطاب في صنع السياسات، ولماذا ركزت أغلب الكتب الدينية على أهمية الكلمة وتأثيرها، فهناك مقولة أنجيلية شهيرة تقول "في البدء كانت الكلمة"، وينسب لسيدنا محمد (ص) حديث شهير حول دور الكلمة التي تكب بصاحبها في النار أو الجنة- حسب الحديث-، فما دفعني إلى هذه الإشارة هي الدور السلبي في غالب الأحيان الذي لعبته هذه التصريحات الفرنسية على الجزائر ومستقبلها، ومنها تصريحات ماكرون الأخيرة حول الجزائر في حوار له مع أسبوعية جون أفريك المعروفة بعدائها للجزائر ولمصالحها، لكن من المؤكد أن القاريء سيتساءل عن علاقة كل هذه التصريحات بالمفكر مالك بن نبي الذي توفي منذ 48 سنة.
فقبل تفكيك هذه التصريحات، وما يختفي وراءها، فبودي أن أنبه هذا القاريء، وأنصحه بقراءة عميقة لكتاب شهير للمفكر مالك بن نبي عنوانه "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" أين يحلل فيه بإسهاب كيف تتم عملية تشويه الأفكار والمشاريع المهددة للتواجد الإستعماري، والتي تشكل خطرا عليه، وذلك بربطها بعناصر تشوهها، فأعطى الكثير من الأمثلة، والتي عانى هو نفسه منها، ولا يمكن لنا فهم خبايا التصريحات الفرنسية الأخيرة إلا في هذا الإطار.
أن النظام الفرنسي يعلم جيدا مدى حساسية الشعب الجزائري تجاه كل ما يأتيه من فرنسا بحكم الثقل التاريخي للإستعمار وجرائمه ضد هذا الشعب لدرجة قول البعض إن رضيت عليك فرنسا، فغير الطريق، فكلنا يتذكر كيف تحدث وزير خارجيتها جون إيف لودريان في بدايات الحراك عن تأييده لمرحلة إنتقالية ديمقراطية، فساعد بتصريحه المشبوه آنذاك الذين كانوا يرفضون إحداث أي تغيير أو تطوير إيجابي في آليات عمل النظام التي كانت ولازالت الجزائر في أمس الحاجة إلى تغييرها بحكم التطورات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية وغيرها للمجتمع الجزائري، مما يجعلها في حاجة إلى آليات جديدة تتماشى مع هذه التطورات التي يجب أن تبادر بها السلطة القائمة ذاتها بتدرج وبذكاء وبشكل منظم ومدروس بدقة كي لا تنفلت الأمور إلى ما لا يحمد عقباها بغض النظر عن التسمية التي نعطيها لمرحلة القيام بهذه العملية التغييرية.
نعتقد أن الرئيس تبون شرع في القيام بذلك ليس فقط تلبية منه لمطالب الحراك الشعبي أو لإكتساب شرعية شعبية له بتحقيقها، بل أيضا لأنه رأى ضرورة ذلك بحكم تطور المجتمع كما سبق أن شرحنا ذلك آنفا، لكن أصطدم بعراقيل من لوبيات وذوي مصالح ومحافظين لازالوا يعيشون في عصر غير عصرهم وغير مدركين لمدى ضرورة تغيير آليات عمل النظام، لكن للأسف الشديد الكثير من الحراكيين لم يتمكنوا من قراءة وفهم خطوات تبون، فهم يعتقدون أن أي عملية تغييرية يجب أن تتم بين ليلة وضحاها، وبشكل غير مدروس، كما لايعلمون أن أي عملية تغيير يجب أن تتم بخطوات مدروسة، وتدوم لسنوات، فالبناء الديمقراطي هي عملية دائمة وتراكمية يمكن أن تستمر لسنوات عديدة، وليس شهر أو إيام كما يعتقد هؤلاء، كما غاب عن الكثير من الحراكيين كل العراقيل الموضوعة في وجه تبون، وكل الألغام الموضوعة بإحكام من معرقلي أي عملية تغيير، والتي يجب تفكيكها بذكاء، وإلا ستنفجر في وجهنا جميعا.
فلنتذكر جميعا أنه عندما صرح لودريان في بدايات الحراك الشعبي حول الدعم الفرنسي لمرحلة إنتقالية أصبح إستخدام هذا المصطلح من أي كان يؤدي إلى شبهة وتهمة العمالة لفرنسا، فلم يكن ذلك التصريح بريء آنذاك، بل أستهدف إيقاف أي عملية تغيير إيجابية لتلك الآليات، فدعم بتصريحه أطرافا قوية جدا آنذاك في السلطة معروفة برفضها أي تغيير، بل لم تتوان هذه الأطراف حتى من التوصل إلى إتفاق في فال دوغراس تحت رعاية فرنسية تنص على دعم تام لعبدالعزيز بوتفليقة وتحضير آخيه السعيد لخلافته مع الحفاظ على مصالح فرنسا في الجزائر التي توسعت بشكل رهيب أثناء حكم بوتفيلقة، وقد دفع رجال يعتبرون أقوياء داخل السلطة آنذاك ثمنا باهظا بعد1914 بسبب رفضهم لتلك الصفقة في حينها.
وقد قام لودريان بنفس الشيء أثناء الإستفتتاء على دستور أول نوفمبر2020 بهدف التشويش عليه، مما أُثر سلبا على نسبة المشاركة في الإستفتاء، فكان ذلك التصريح عاملا رئيسيا لمنع الرئيس تبون من تحسين شرعيته بذلك الإستفتاء كي يبقى مكبل الأيدي وتضييق هامش المناورة لديه لصالح أطراف ترفض التغيير، وتخدم مصالح فرنسية، فهذه نماذج بسيطة فقط لعرقلة فرنسية لكل من يسعى لتطوير الجزائر بمعزل وإستقلالية عنها، ولا تدخل تصريحات ماكرون الأخيرة إلا في هذا الإطار، وقد نجح في ذلك إلى حد ما للأسف الشديد، ولهذا أنصح الكثير مرة أخرى بقراءة كتاب مالك بن نبي حول تشويه الأفكار والطروحات والأشخاص والمشاريع، والتي لفرنسا اليوم وبالأمس باع طويل في ذلك وخبرة كبيرة فيها، ففرنسا تعلم جيدا أن بذهاب بوتفليقة، فقدت الكثير من مصالحها في الجزائر، ومنها الأسواق وإعادة بعث الحياة في مؤسساتها الإقتصادية المتجهة نحو الإفلاس التي كان بوتفليقة دائما يعطيها الحياة من جديد على حساب الجزائر وإقتصادها ومصالحها، كما تعلم فرنسا أن الجزائر قد قرأت قراءة صحيحة لمختلف التحولات العالمية، فنوعت علاقاتها بصمت وهدوء ودون أي ضجيج، خاصة مع الصين الشعبية في المجال الإقتصادي، بل حتى مع الولايات المتحدة الأمريكية في المجال الإقتصادي والعسكري، وهو ما يخيف فرنسا اليوم لأنها تطرد من أفريقيا تدريجيا بعد التدخل العسكري الأمريكي فيها عن طريق الأفريكوم منذ سنوات، والتي حضي مسؤولها بإستقبال حار في الجزائر مؤخرا قبل إستقبال كاتب الدولة الأمريكية لشؤون الدفاع فيما بعد.
فلنعلم أن الصراخ الفرنسي في الشهور الأخيرة ومحاولتها إثبات حضورها في كل مكان هو دليل شعورها بإنهيار وضعف قد دب فيها بشكل كبير، فهي تحاول تعويض ذلك بالصراخ والعويل والإيهام بأن لازال لها كلمة مسموعة وتأثير، لكن في العمق هو مجرد تمويه وتغطية عن ضعف كبير، شأنها في ذلك شأن كل الإتحاد الأوروبي الذي سيدفع ثمنا باهظا نتيجة وباء كوفيد19 الذي سيحدث تحولات كبيرة في العلاقات الدولية مستقبلا، ولنشر أن فرنسا تعاني إقتصاديا وإجتماعيا، ولم تجد بوتفليقة آخر في الجزائر لمساعدتها على تجاوز ازمتها، ولهذا تجدها تشوش اليوم بمختلف هذه التصريحات التي تعرقل أي محاولات تغيير لآليات عمل النظام في الجزائر بسبب تأثر الكثير بذلك ، خاصة من الحراكيين الذين يتصرفون بردود فعل عاطفيةن ولا يعرفون القيام بقراءة صحيحة وسليمة للمشهد السياسي، وممكن أن يكونوا مدفوعين لذلك من خصومهم بشكل غير مباشر، فيساعدون بذلك دون وعي منهم ألد خصومهم وخصوم التغيير داخل منظومة الحكم الجزائرية.
أن فرنسا تريد الضغط على الجزائر اليوم من خلال عدة ممارسات، ومنها الإرهاب، وإلا فكيف نفسر دفعها فدية كبيرة للإرهابيين في شمال المالي مقابل إطلاق سراح رهائنها؟، وكيف نفسر ضغطها على حكومة باماكو لإطلاق سراح عدد معتبر جدا من القيادات الإرهابية؟، وهو ما يعني أنها تدعم الإرهاب بشكل غير مباشر، فحتى إساءة ماكرون للإسلام ولسيدنا محمد(ص) تدخل في إطار تضخيم وتقوية العمل الإرهابي عن طريق إحداث ردود فعل عاطفية تقوي الإرهاب بعناصر غاضبة، كما تعطيه بتلك الممارسات نوع من الشرعية، ففرنسا في أمس الحاجة اليوم إلى الإرهاب في منطقتنا، خاصة الساحل بهدف إيجاد ذريعة لإبقاء وتطوير تدخلها العسكري فيها وإقلاق الجزائر عبر حدودها وبالداخل، طبعا نحن لانذهب إلى القول بوجود رغبة فرنسية لضرب الإستقرار في الجزائر، لأن ذلك ليس في صالحها، وسيؤدي إلى هجرات غير شرعية وأعمال إرهابية عندها، وهو ما لاتريده، لكنها تحاول الضغط من خلال ذلك على الجزائر، خاصة أنها تعلم أن للجزائر مصالح لها في فرنسا عليها رعايتها، والتي يمكن أن تضغط بها عليها، ومنها رعاية مصالح العدد الكبير للمهاجرين الجزائريين في فرنسا الذين يخفضون البعض من الضغط الإقتصادي والإجتماعي على الجزائر بحكم مساعدة عائلاتهم وضمان العمل الذي لايمكن ضمانه لهم في الجزائر، إضافة إلى إمكانية خدمة هؤلاء المهاجرين المصالح الجزائرية مستقبلا لو عرفوا كيف يشكلون لوبيات، ويعملون بذكاء، خاصة أن هؤلاء المهاجرين اليوم الكثير منهم متعلمون على عكس السابقين، فهذا ما يخشاه أيضا حتى الكيان الصهيوني الذي يدعم النفوذ الصهيوني في فرنسا، ويحرض بشكل غير مباشر ضد المهاجرين المسلمين خوفا من أن يكون لهم تأثير مستقبلا على المواقف والسياسات الخارجية الفرنسية، خاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية.
لكن للجزائر أيضا أدوات ضغط على فرنسا، ومنها سوقها الواسع وحاجة فرنسا لطاقتها، بل بعد سنوات ستتحول الجزائر معبرا لخط أنابيب الطاقة التي ستأتي من نيجيريا إلى أوروبا، ومنها فرنسا، وذلك في إطار مشروع كبير يتعرض لمحاولات عرقلة اليوم من عدة دول، ومنها المغرب الأقصى التي تعمل من أجل أن تمر هذه الأنابيب عبرها بدل الجزائر، وكذلك هناك مسالة المهاجرين غير الشرعيين الذين ينتقلون من أفريقيا جنوب الصحراء إلى فرنسا ودول أخرى في شمال المتوسط عبر الجزائر، ولهذا تضغط فرنسا على الجزائر كي تبقيهم عندها بأي ثمن، فبذلك تحول هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين على ورقة تفاوض وضغط لدى الجزائر مع فرنسا التي تتحدث عن حدود لها في الصحراء الكبرى أين يجب إيقاف المهاجرين هناك، فالجزائر ليست ضد ذلك، لكن شريطة إلتزام فرنسا والإتحاد الأوروبي بعدم التدخل السياسي في أفريقيا جنوب الصحراء وإثارة النزاعات والقلاقل والصراعات فيها التي تعد عاملا من عوامل الهجرات غير الشرعية، إضافة إلى البؤس الإجتماعي والتغيرات المناخية بكل تأثيراتها الكارثية على الطبيعة والموارد الحياتية، ومنها المياه والآراضي الزراعية الخصبة، مما يتطلب أيضا من الإتحاد الأوروبي، ومنها فرنسا القيام بدعم إقتصادي لهذه الدول كي لاتتم الهجرات إلى أوروبا التي اصبحت مهددة اليوم بشكل كبير من هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين.
يبدو ان أهم ما جاء في تصريح ماكرون الأخير هو الطمأنة أن تبون يتعافي شيئا فشيئا من مرضه بحكم المعلومات التي يمتلكها عبر شريكتها ألمانيا، ولهذا يريد التشويش على مشروعه التغييري التدريجي الذي سيواصله بعد عودته، فماكرون بتصريحه عن تبون يريد إضعافه وتشويهه لصالح أطراف أخرى موالية لفرنسا، ومنها بعض مدعمي جماعة بوتفليقة الذي أعطى لفرنسا ما لم يعطه أي رئيس جزائري من قبل.
كما كرر ماكرون في تصريحه تقريبا نفس كلام الكاتب الجزائري كمال داود حول المدن المؤيدة للحراك وعمق الجزائر وأريافها المؤيدة للسلطة، فبغض النظر عن صحة او عدم صحة طرح كمال داود، لكن ليس معناه أن ماكرون نقل ذلك عن كمال داود كما يعتقد البعض، لأن كمال داود روائي، وليس عالم إجتماع كي يأخذ صناع القرار في فرنسا كلامه محمل الجد، فماكرون قال هذا الكلام عن الجزائر كإسقاط منه للتجربة التاريخية الفرنسية، حيث كان للأرياف والفلاحين تأثيرا سلبيا على كل الثورات في فرنسا، خاصة ثورة1848 وكومونة باريس في1871، فقد أوصل مثلا الفلاحون الفرنسيون في الأرياف لوي نابليون إلى السلطة الذي سيسمي نفسه بنابليون الثالث فيما بعد، ودعموه في تحريف ثورة1848 من ثورة من أجل جمهورية ديمقراطية وإجتماعية إلى نظام أمبرطوري إستبدادي، فقد حمل ماركس وغيره من المفكرين الفلاحين والريفيين مسؤولية فشل ثورات 1848 وكومونة باريس1871، ويبرز ماركس ذلك بجلاء في كتابيه "18برومير للوي بونابرت" في1851’ وكذلك كتاب "الحرب الأهلية في فرنسا" في 1872 أين حلل أيضا سبب فشل كومونة باريس. ونشير بأننا قد تناولنا هذا الموضوع بإسهاب في مقالتنا التي نشرناها منذ حوالي عام والمعنونة ب"علاقة الثورات المضادة بجدلية الريف والمدينة" أين حللنا هذه العلاقة، بل ذهبنا فيها إلى حد تفسير أسباب فشل عملية بناء الجزائربعد1962 إلى الإعتماد على طرح فرانز فانون الذي يستند على الفلاحين والريفيين بدل طرح عبان رمضان المستند على المدينيين والمثقفين، وقد استندت في ذلك على الطرح الخلدوني الذي لازال صالحا إلى حد اليوم في تفسير وفهم حركيات المجتمع المغاربي، ويمكن للقاري العودة إلى هذه المقالة في الحوار المتمدن (عدد6457 بتاريخ 06جانفي2020).
لكن تبين لنا هذه المقولة لماكرون مدى الإهتمام الذي توليه فرنسا لكل صغيرة وكبيرة في الجزائر، كما هو إيحاء منه بأن المجتمع الجزائري منقسم بشكل كبير، وكأنه يريد أن ينزع عن الحراك ترديده أنه ممثل لكل الشعب الجزائري. لكن ما أثار الإنتباه هو حديث ماكرون الغريب الذي ظهر لأول مرة حول الذاكرة، وهو إستخدامه مصطلح تصالح الذاكرتين، فقد سألتني يومية الخبر الجزائرية عن ذلك في عددها ليوم (الثلاثاء 24نوفمبر2020)، فأجبتها بالقول " اعتقد أن هناك تراجع لدى ماكرون في ملف الذاكرة، وهو ما يظهر بجلاء من خلال توظيفه لمصطلح جديد، وهو مصالحة الذاكرتين الذي يحمل دلالات أخرى تماما، وعندما نتحدث عن تصالح بين ذاكرتي دولتين مثل الجزأئر وفرنسا الذي يتحكم في كلتا ذاكرتهما الماضي الاستعماري الفرنسي باعتدائها وجرائمها في الجزائر، فالمصطلح الجديد المستخدم من ماكرون يوحي كأن هناك ليست فرنسا الاستعمارية هي فقط التي أعتدت، وأرتكبت جرائم، بل كأن هناك ظلم وجرائم من كلا الطرفين، فهذا أمر خطير في هذا الكلام، فماكرون الذي ندد بالاستعمار معتبرا أياه جريمة قبل وصوله الي السلطة، والذي كرر مرارا انه من جيل الشباب ولاعلاقة لجيله لا بالثورة ولا بالإستعمار، فحتى ولو تراجع نوعا ما عن تصريحاته فيما بعد تحت ضغط اليمين المتطرف ولوبيات الأقدام السوداء، الا انه رغم ذلك بقى دائما يوحي كأنه على إستعداد لتجاوز ملف الذاكرة، بل حتى التضحية به من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية، ولهذا يمكن أن يعتبر التصريح والمصطلح الجديد لماكرون تطور مفاجيء للذين كانوا ينتظرون منه الاعتراف رسميا بجرائم الاستعمار، خاصة بعد لعبه دور ايجابي في قضية الجماجم منذ أشهر، فما الذي حدث مع ماكرون، فهل يريد إحراج تبون الذي عول كثيرا على تحقيق مكسب إعتراف فرنسي بجرائمها لاكتساب نوع من شرعية؟، فهل لاحظ ماكرون ضعف لدى الجزائر، فتراجع؟، فإن كانت هذه الأسئلة مشروعة إلا أنني اعتقد أن ماكرون مايهمه هو الانتخابات الرئاسية والسعي لمغازلة اليمين المتطرف من خلال هذا التصريح، وقد سبق ذلك بحملته ضد الإسلام والاساءة الي سيدنا مخمد(ص) تحت غطاءات شتى كحرية التعبير وحماية العلمانية التي ناقضها ماكرون بمواقفه تلك، لأن من أهم مباديء العلمانية التي يتغنى بها هي حماية كل الأديان والمقدسات وإحترامها ووقوف الدولة نفس المسافة تجاهها"، وختمت تصريحي ليومية الخبر بالقول"أن الهدف من تصريح ماكرون الجديد عن الذاكرة وتهجمه على الإسلام من قبل هو مغازلة لليمين المتطرف الذي يتصاعد، ويدخل في إطار حملة انتخابية بحتة في نظرنا".
ولهذا نقول أن مغازلة ماكرون لليمين المتطرف في فرنسا هو أمر خطير جدا ولعب بالنار، ويمكن أن يضرب الإستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط، ويدفع إلى صدام حضاري في المنطقة، فماعليه إلا العودة لقراءة الأزمة الإقتصادية 1929 التي كانت أحد الأسباب الرئيسية لتقوية النازية والفاشية ووصولهما إلى السلطة، وأن وباء كوفيد19 بكل إنعكاساته الإقتصادية والإجتماعية يمكن أن يوصل أيضا اليمين المتطرف إلى السلطة في دول أوروبية، ومنها فرنسا، كما يمكن أن يوصل المتطرفين الدينيين إلى السلطة في دول في جنوب المتوسط، ومنها الجزائر، مما سيؤي إلى حروب دموية بين ضفتي المتوسط، وقد تطرقنا إلى ذلك بإسهاب في مقالتنا "هل سيتكرر عالم ثلاثينيات القرن20؟" المنشورة في الحوار المتمدن (عدد6535 بتاريخ12أبريل2020).