التحولات الجديدة في النظام الامبريالي العالمي

عبد السلام أديب
2020 / 11 / 27

1 – منذ ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي في القرن الثالث عشر ما فتئ يعرف سيرورة متصاعدة تجعله يحقق تحولات هائلة في قوى الإنتاج وفي علاقات الإنتاج، وقد أكد كارل ماركس على هذا التحول الذي عرفه نمط الإنتاج وأيضا التحول الذي عرفته الطبقة البرجوازية المعنية بهذا النمط في بيانه الشيوعي لسنة 1848:

"البرجوازية العصرية، نتاج مسار تطور طويل، وسلسلة تحولات في نمط الإنتاج والمواصلات. فكل مرحلة، من مراحل تطور البرجوازية تلك، كانت مشفوعة بتقدم سياسي متطابق. فالبرجوازية: فئة مقهورة تحت سيطرة الإقطاعيين، وعُصبة مسلحة تسوس نفسها بنفسها في – الكمونة – جمهورية مدينية مستقلة هنا، وطبقة عوامٍ مُـلزمة بدفع الضرائب للنظام الملكي هناك – وقوة موازنة للنبالة زمن المانيفاتورة في النظام الملكي المقيَّد أو المطلَق، وحجر الزاوية للأنظمة الملكية الكبيرة بوجه عام، (هذه البرجوازية) انتَزعت أخيرا، بقيام الصناعة الكبيرة والسوق العالمية، السلطة السياسية كاملة في الدولة التمثيلية العصرية. وسلطة الدولة الحديثة ليست سوى هيئة تدير المصالح المشتركة للطبقة البرجوازية بأسرها".(كارل ماركس، البيان الشيوعي)

2 – وتؤسس النظرة الماركسية لسيرورة تطور النظام الرأسمالي في الزمن عبر شرح دقيق لقوانين تركيز وتمركز رأس المال الذي انبثقت عنه لاحقا الامبريالية وهيمنة رأس المال المالي على العمل وعلى العالم، حيث يشير في هذا الصدد في الصفحة 770 من المجلد الأول من رأس المال الى ما يلي:

" فبمضي التراكم، ينمو عدد الرأسماليين، بهذا القدر أو ذاك. وهناك صفتان تمیزان هذا النوع من التركز، الذي يقوم مباشرة على التراكم، أو هو بالأحرى، مطابق له. أولا - إن تزايد تركز وسائل الإنتاج الاجتماعية بين أيدي رأسماليين أفراد تحدده درجة ازدياد الثروة الاجتماعية، إذا بقيت الشروط الأخرى على حالها . ثانيا - إن ذلك الجزء من رأس المال الاجتماعي الموظف في كل فرع خاص من فروع الإنتاج موزع على كثرة من الرأسماليين الذين يواجهون بعضهم بعضا ويتنافسون كمنتجي سلع مستقلين. وعليه فإن التراكم، والتركز المرافق له، لا يتبعثران على مراكز عديدة فحسب، بل كذلك بتقاطع ازدياد كل رأسمال ناشط مع تكون رؤوس أموال جديدة، وانشطار رؤوس الأموال القديمة. ولذا يظهر التراكم في صورة نمو في تركز وسائل الإنتاج والسيطرة على العمل، من جهة، وفي صورة تنافر وتباعد بين رؤوس أموال فردية كثيرة، من جهة أخرى".
"إن تجزؤ رأس المال الاجتماعي الكلي إلى كثرة من رؤوس الأموال الفردية، أي تنافر هذه الأجزاء بعيدة عن بعضها بعضا، يقابله فعل تجاذبها المعاكس. ولا نقصد بهذا التجاذب، التركز البسيط لوسائل الإنتاج والسيطرة على العمل، اللذين يطابقان التراكم. بل نقصد تركز رؤوس الأموال الموجودة في الأصل، والقضاء على استقلالها الفردي، ومصادرة الرأسمالي للرأسمالي، وتحويل كثرة من رؤوس الأموال الصغيرة إلى حفنة من رؤوس الأموال الكبيرة. وتختلف هذه العملية عن سابقتها في أنها تفترض فقط تغيرا في توزيع رؤوس الأموال العاملة، الموجودة أصلا، ولهذا لا يتقيد نطاق فعلها بالنمو المطلق للثروة الاجتماعية، وبالحدود المطلقة للتراكم. إن رأس المال ينمو إلى كتل هائلة في موضع واحد، وفي يد واحدة، لأن آخرين كثيرين قد فقدوه في موضع آخر، هذا هو التمرکز بالمعنى الدقيق للكلمة، بوصفه شيئا متميزا عن التراكم والتركز".

3 – في سنة 1916 توصل توصل لينين من خلال كتاباته إلى أن مرحلة جديدة من تطور النظام الرأسمالي قد بدأت ألا وهي الانتقال من رأسمالية المنافسة الحرة إلى مرحلة الامبريالية الرأسمالية الاحتكارية. ففي الصفحة 226 من كتابه الإمبريالية والانشقاق في الاشتراكية يشير لينين الى أنه في "الثلث الأخير من القرن التاسع عشر بدأت عملية نشوء سلسلة من الدول الإمبريالية مثل إنجلترا وفرنسا. في إنجلترا وجدت خلال منتصف القرن التاسع عشر " ميزتان أساسيتان على الأقل من ميزات الإمبريالية" . لكن لينين سيخلص في كتابه "الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي" الى أن الإمبريالية الرأسمالية "لم تبلغ حد النضوج إلا في القرن العشرين".

4 - وعندما حلل لينين الإمبريالية عام 1916 انتبه الى ظهور إمبريالية جديدة في ألمانيا. فألمانيا امتلكت القليل من المستعمرات. انطلاقا من هنا أصبحت الصفة الإمبريالية الجديدة بارزة: سيادة رأس المال المالي كأساس اقتصادي سياسي حاسم.

5 - كما لاحظ لينين قي الصفحة 412 من كتابه الحرب والثورة أن إنجلترا اكتسبت "ثروتها ... أقل بفضل عمل عمالها، مقارنة مع استغلال مستعمراتها التي لا تعد ولا تحصى، من خلال القوة الهائلة لمصارفها". وبالمقابل لاحظ تطور ألمانيا منذ عام 1871 بسرعة ودينامية أكثر من إنجلترا، لتشكل قوة عظمى رأسمالية جديدة. بالموازتة مع ذلك تصاعد الإنتاج الصناعي بقفزات كبيرة وأُنشئت شركات كبيرة ضمت الآلاف من العمال وزاد السعي إلى الحصول على مصادر المواد الأولية وعلى أسواق تصريف المنتجات بشكل كبير عبر المستعمرات.

6 - بجانب ألمانيا انتمت أيضا الولايات المتحدة الأمريكية واليابان إلى مجموعة البلدان الإمبريالية الجديدة. واستند تفوقهما على مجموعة الدول الإمبريالية القديمة، على نمط إنتاج رأسمالي متقدم. لقد أدخلا حسب المرجع السابق في التنافس "أساليب جديدة لتطوير الإنتاج الرأسمالي، بتكنولوجيات متفوقة، وتنظيم انتاجي لا يقارن". لكنهما كانا محرومين من المستعمرات التي كانت ضرورية كمصادر للمواد الخام وكمنافذ لتصريف المنتجات والتي سبق توزيعها بين الإمبرياليات القديمة. مما دفعهما نحو التطلع الى إعادة تقسيم جديدة للعالم، الشيء الذي أبرز عدوانيتهما بشكل حاد لتحقيق هذا الهدف.

7 - صاغ لينين في كتابه "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" تعريفا موجزا للإمبريالية في الصفحة 524: "ولئن كانت هنالك ضرورة لتعريف الإمبريالية تعريفا غاية في الإيجاز، ينبغي أن يقال، الإمبريالية هي الرأسمالية في مرحلة الاحتكار".

8 - ويقصد لينين بمصطلح الاحتكار في المرجع السابق في نفس الوقت الرأسمال المالي كنتيجة "لاندماج بضعة من البنوك الاحتكارية الكبرى في رأسمال اتحادات الصناعيين الاحتكارية" وأيضا "تقاسم العالم … (باعتباره) سياسة استعمارية تقوم على احتكار حيازة بقاع من العالم مقتسمة بأكملها".

9 – إذن فالدول الإمبريالية هي تلك الكيانات التي تهيمن على اقتصادها الاحتكارات وتصبح فيها الدولة تابعة أكثر فأكثر للاحتكارات وتسعى للهيمنة على أقاليم وبلدان أخرى.

10 – إن الميزة الجوهرية لهذه الرأسمالية المستجدة حسب لينين هي تصدير رأس المال. فهذا هو الأساس الاقتصادي الحاسم الذي تستغل بواسطته الإمبريالية دولا أخرى وتقمعها. أما في رأسمالية المنافسة الحرة فكان الأمر يقتصر بشكل أساسي على تصدير البضائع.

11 - يشهد تاريخ الإمبريالية في ظل شروط معينة نشوء دول إمبريالية جديدة دائما انطلاقا من المستعمرات السابقة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا. لذلك سيكون من الدغمائية اعتبار انقسام دول العالم الى بلدان امبريالية قمعية وأخرى مستعمرة مضطهدة امرا نهائيا.

12 - في زمن لينين كان هناك حوالي 20 دولة رأسمالية. أما اليوم فإن نمط الإنتاج الرأسمالي انتشر في كافة دول العالم. وقد كان ذلك نتيجة طبيعية لانتصار النظام الرأسمالي على النظام الإقطاعي، وعقب انهيار المعسكر الاشتراكي السابق، وهي في نفس الوقت مرحلة سيادة الهيمنة الفعلية لرأس المال على العمل التي توقعها كارل ماركس في الفصل السادس غير المنشور من رأس المال.

13 - ارتبطت السياسة الاستعمارية الرأسمالية الإمبريالية بتضخم جهاز السلطة وبالتزايد الهائل في إنتاج الأسلحة. كما تزايدت أهمية الدولة أكثر فأكثر. وتغير دورها من ممثلة لمصالح كامل رأس المال إلى ممثلة لمصالح حفنة من الرأسماليين الاحتكاريين.

14 - وعلى ضوء اقتصاد الحرب الإمبريالي خلال الحرب العالمية الأولى كشف لينين عام 1917 في خطاب لصالح قرار حول الوضعية الراهنة الصفحة 309 بداية التحول من الرأسمالية الاحتكارية إلى رأسمالية الدولة الاحتكارية: "الرأسمالية الاحتكارية تتحول إلى رأسمالية احتكارية للدولة؛ يفرض ضغط الأحداث تنظيمًا اجتماعيًا للإنتاج والتوزيع في مختلف البلدان، وبعضها يفرض الالزام بالعمل العام. قبل الحرب كان هناك احتكار الترستات والنقابات الصناعية؛ وأدت الحرب الى ظهور احتكار الدولة". وسيتكرس انتقال الرأسمالية الاحتكارية في كل الدول الامبريالية نحو رأسمالية الدولة الاحتكارية التي اعلن عنها لينين انطلاقا من الحرب العالمية الثانية.

15 - والمقصود بالرأسمالية الاحتكارية للدولة، الخضوع الكامل للدولة تحت سيطرة الاحتكارات، وإقامة سلطة اقتصادية وسياسية للاحتكارات على كامل المجتمع، من خلال الدولة طبعا. كما شكلت هذه القاعدة الأساس الجوهري للتدويل المتسارع الذي حدث بعد ذلك، وهو ما يعني الدخول في مرحلة جديدة من تطور النظام الامبريالي العالمي. وحيث لم تعد الحسابات القومية بكافية لاعطائنا صورة حقيقية عن القوة الاقتصادية للبلدان الامبريالية اذا ما تجاهلنا شبكة الاحتكارات الدولية وعددها واشكال تداخلها، وهو ما سنراه في مقال لاحق.

16 – لقد حطمت النضالات التحررية الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية النظام الاستعماري القديم. وعلى ذلك الأساس أصبح تصدير رأس المال المنهج السائد للسياسة الاستعمارية الإمبريالية. وخلال ذلك بقيت دول الممستعمرات السابقة خاضعة للاحتكار العالمي على الرغم من أنها حصلت على الاستقلالها شكليا. وهكذا ولدت البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد الذي أخضع البلدان النامية لوضع مناطق الاستثمار لصالح رأس المال الزائد للبلدان الإمبريالية.

17 - قبل سنة 1945 كان هناك بضع مئات من الاحتكارات العالمية. وفي عام 1969 أمكننا تعداد 7.300 من الاحتكارات العالمية، بالإضافة الى 27.300 شركة تابعة. حيث أصبح تقسيم العالم المتسارع من قبل الاحتكارات العالمية الصفة الأساسية للاقتصاد العالمي وهي العملية التي عرفت بدايتها خلال حياة لينين.

18 - إن تصدير رأس المال في الدول الإمبريالية له جاذبية كبيرة للاحتكارات العالمية بسبب الحاجة الملحة إلى المزيد من استثمار رؤوس الأموال المتراكمة نتيجة تدويل الإنتاج. مما أدى إلى تداخل وتراتب رأس المال الإمبريالي الى أن أصبح محرك التدويل المتسارع للإنتاج الرأسمالي.

19 - بالمقابل ركز تصدير رأس المال نحو المستعمرات على المشاريع الأكثر ربحية بمعنى تحقيق أقصى الأرباح. مستهدفة مصادر المواد الأولية وأسواق تصريف المنتجات والتوظيفات المالية. وتلجأ الامبريالية من أجل تحقيق ذلك الى جميع الوسائل لإزالة العراقيل من أمامها. عبر المؤامرات الدبلوماسية والرشوة والمساهمة في الربح والابتزاز والتهديد والاغتيالات وتعديل الحكومات عبر الافساد والانقلاب العسكري، بمساعدة ضباط مرتشين والاعتداء العسكري من الخارج من خلال مرتزقة أجانب أو من خلال الجيش الإمبريالي ذاته...إلخ. ولعل انقلاب بينوشي على اليندي في الشيلي ومبوتو على باتريس لمومبا في الكونغو لخير امثلة عن المؤامرات الدنيئة للامبرياليات.

20 - مع انتشار نمط الإنتاج الرأسمالي تطورت باستمرار في البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد طبقة برجوازية وطنية وطبقة عمّالية صناعية. وبمساعدة قروض دول الإمبريالية أو قروض صندوق النقد الدولي أو قروض البنك الدولي، أنشأت البرجوازية المحلية العديد من المركبات الصناعية.

21 - وبمجرد ما تدخل الصناعة الرأسمالية، فإنها تدفع رأس المال بموجب قانونه الداخلي الذي أشار اليه كارل ماركس الى تركيز وتمركز رأس المال. فتعمل البرجوازية الوطنية – انطلاقا من مصالحها الخاصة – على تطوير الاحتكارات الوطنية الخاصة أو شبه الحكومية أو الحكومية وذلك من خلال علاقات تراتبية تابعة للاحتكارات العالمية. بينما يصبح الرأسماليين الكبار أداة لسيادة رأس المال الاحتكاري العالمي على المجتمع في بلدانهم المضطهدة.

22 - من بين الشروط الأساسية لنشوء الاحتكارات المحلية في البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد هناك اندماج كبار ملاكي العقارات الرأسماليين مع رأس المال الصناعي والبنكي والتجاري. كانت هذه البلدان في المقام الأول قد جذبت اهتماماً خاصاً من قبل رأس المال الاحتكاري العالمي لتصدير رأس المال على أساس الظروف الاقتصادية والاجتماعية القائمة فيها. وتتميز هذه البلدان في الغالب بمساحة واسعة ووفرة المواد الأولية والكثير من السكان وعلاقات الإنتاج الرأسمالية المتطورة نسبياً، كما تمتلك بنية تحتية واسعة نسبياً وقوى عاملة كبيرة أو توفر ظروف جيدة لنمو سوق تصريف المنتجات. حيث ينشأ سوق تصريف المنتجات في المقام الأول من تحويل الاقتصاد الزراعي الصغير المتخلف إلى الإنتاج الصناعي الزراعي الرأسمالي.

23 - شكلت نشأة الاحتكارات المحلية نقطة الانطلاق الاقتصادية الأساسية لتشكل الدول الإمبريالية الجديدة. ففي عام 1980 كان يوجد في البرازيل والمكسيك والأرجنتين والهند وجنوب أفريقيا وتركيا وكوريا الجنوبية 21 احتكارا عالميا. وفي عام 1990 بلغ عدد هذه الاحتكارات 28.(أنظر لوائح موقع fortune.com/global500/) لكنها كانت تعتمد بشكل أساسي على الامبرياليات حيث يتم تفضيل مصالحها في اتخاذ قرارات الدولة.

24 - وجب على الدول الخاضعة للاستعمار الجديد أن تنتج للاحتكارات العالمية منتجات شبه نهائية اعتمادا على عمالة متدنية الاجر وأن تبيع موادها الأولية للاحتكارات بأسعار رخيصة أو تُجبر على شراء بضائع معينة من الاحتكارات. حتى عسكرياً قامت القوى الإمبريالية بتقييدها حيث تجبرها على شراء الأسلحة باهظة التكلفة وتهيمن على قراراتها من خلال تقديم الاستشارة العسكرية أو إشراكها في عمليات عسكرية أو تشكيل "تحالفات عسكرية".

25 - إن معظم القيم المضافة الناجمة عن استغلال العمال والفلاحين في هذه البلدان يذهب نحو صناديق الاحتكارات الدولية. وبسبب النقص في رأس المال في الدول الخاضعة للاستعمار الجديد كان من الضروري بالنسبة لها أن تطلب قروضا ضخمة من البنوك الكبيرة الاحتكارية، على الرغم من أنها غير قادرة على سداد تلك القروض. وكانت النتيجة حدوث أزمة مديونية ضخمة، تحولت إلى أزمة عميقة في البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد. ارتفعت نسبة السكان في الدول الخاضعة للاستعمار الجديد ما بين عام 1980 إلى عام 1989 من 74% إلى 76%، وفي نفس الوقت انخفضت حصة هذه الدول من إجمال الناتج العالمي من 23% إلى 17% .(حول هذه النسب راجع المقع التالي: https://www.ifo.de/en/node/22596)

26 - منذ بداية الثمانينات، انتهجت الدول الإمبريالية سياسات ليبرالية جديدة، هدفها احتواء انعكاسات أزمة المديونية، وتحفيز نمو جديد لأسواق البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد، خاصة عبر سياسات التقويم الهيكلي والخصخصة، مما أدى إلى سيطرة الاحتكارات والدول الإمبريالية على الاقتصادات المحلية وخصخصة قطاعاتها العمومية بالكامل لتسهيل تصريف إنتاج وإعادة انتاج البلدان الامبريالية والاحتكارات الدولية. في هذا الاطار تشكلت أسواق وفرص استثمار جديدة لتوظيف فائض رأس المال العائد للاحتكارات العالمية.

27 - كانت الوسيلة الأساسية التي اعتمدت عليها السياسة الليبرالية الجديدة منذ منتصف الثمانينات هي خصخصة القطاع الحكومي. حيث تم بيع أكثر من 1000 شركة حكومية بعائد بلغ قرابة 150 مليار دولار أمريكي من عام 1992 حتى عام 2001 في أمريكا اللاتينية وحدها.
(https://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/fre/2003/09/pdf/ortiz.pdf)

28 - تتشكل ملامح الاقتصاد العالمي اليوم من خلال 114 ألف احتكار دولي وما يقرب من 900 ألف شركة تابعة لها، كما يشكل نحو 500 منها احتكارًا دوليًا، الطبقة السائدة لرأس المال المالي الدولي المهيمن بدون شريك(www.unctad.org/wir). ذلك ما أدى الى تزايد احتكاري هائل في الإنتاج الرأسمالي.
https://www.forbes.com/global2000/#6758d7e4335d

29 - سرع التنظيم الجديد للإنتاج الدولي منذ التسعينيات بشكل كبير من عملية تشكيل الاحتكارات الوطنية في البلدان الخاضعة للاستعماري الجديد.

30 - بين عامي 1980 و 2015 ارتفعت حصة الإنتاج الصناعي من الناتج المحلي الإجمالي. فقد ارتفعت في الهند من 24,3 % إلى 29,6 % وفي تركيا من 23,8 % إلى 26,5 %. بالمقابل انخفضت في الصين من 48,1 % إلى 40,9 %. ولكن لا تعني هذه الأرقام تراجعا في الإنتاج الصناعي على الإطلاق وإنما لا يظهر الكثير من العمال الصناعيين في الإحصائيات للسبب التالي : هناك ارتفاع في عدد العمال الذين يُجبرون على العمل في شركات المناولة أو شركات التشغيل المؤقت أو مصنع تابع لشركة تابعة أو كعامل موسمي إلخ. وهكذا يُعدون في العديد من الإحصائيات المضللة ك"مقدمي خدمة" وليس كعمال. ولكن أغلبية مجموعات العمل في "قطاع الخدمات" ينتمون إلى الطبقة العاملة سواء بالمعنى الضيق أو الواسع. في الصين ارتفعت حصة قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي بشكل جنوني من 22,3 % إلى 50,2 %، في الهند ازدادت من 40,3 % إلى 50,3 % وفي تركيا من 49,7 % إلى 65,0 % وفي روسيا من 33,0 % إلى 62,7 % .

31 - تراجعت خلال هذا التطور حصة الإنتاج الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير. بين عامي 1980 و 2015 تراجعت هذه الحصة في الصين من 29,6 % إلى 8,8 % وفي الهند من 35,4 % إلى 17,5 % وفي تركيا من 26,5 % إلى 8,5 % وفي روسيا من 16,8 إلى 4,6 %.( البنك الدولي، مؤشرات التطور العالمي)

32 - وبذلك فرضت الاحتكارات العالمية مستوى جديد في تركيز رأس المال وللنظام العالمي للإنتاج الزراعي. اشتمل هذا المستوى الجديد من الزراعة الدولية على قطاعات الكيمياء الزراعية وصناعة الآلات الزراعية وصناعة الأغذية والفضاء التجاري لبيع المواد الغذائية مما أدى إلى أن الزراعة الصناعية أصبحت الشكل السائد للإنتاج الزراعي. بين الاحتكارات المحلية التي نشأت في هذا التطور بدأت منافسة بينها على التوريد للأسواق المحلية الكبيرة.

33 - تتضح التغيرات في البنية الاجتماعية الاقتصادية بشكل خاص في نسبة السكان في المدن التي ارتفعت بقفزة كبيرة. في أهم البلدان الإمبريالية الجديدة ال14 ارتفعت هذه النسبة من30,3 % عام 1980 إلى 52,0 % عام 2014. (البنك الدولي، مؤشرات التطور العالمي)

34 - وأثر تشكيل الاحتكارات في الاقتصاد الرأسمالي العالمي بشكل متزايد على الإنتاج والتجارة والنقل والاتصالات وكل قطاعات الاقتصاد وعلى العلوم والثقافة. وترتكز هذه العملية على التدويل المالي الذي أخذ بعدا عالميا نتيجة التركيز الهائل لرأس المال ومركزته.

35 - حددت التغيرات العميقة في الإنتاج العالمي منذ بداية التسعينات نفس المعايير في تدريب القوى العاملة في قطاع الإنتاج الصناعي الحديث حول العالم مما خلق سوق عمل دولية. كما أن التغيرات في الإنتاج امتدت أكثر فأكثر أيضا إلى أجزاء من إنتاج وإعادة إنتاج الحياة البشرية مثل أنظمة الصحة والتربية والتعليم، التي تبنت أسلوب الإنتاج الصناعي، وذلك من خلال الخصخصة لصالح الاحتكارات العالمية.

36 - معظم البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد أفلست. وأدى ذلك إلى تدمير قاعدتها الصناعية المستقلة وتفكك عدة دول وطنية. ولكن جزء آخر من البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد تطور نحو بلدان إمبريالية جديدة. فكيف كان ذلك ممكنا؟ اكتشف لينين القانون العام لأسلوب الإنتاج الرأسمالي وقال: "في ظل الرأسمالية يستحيل تطور مختلف الاستثمارات ومختلف الدول اقتصاديا بالوتيرة نفسها". واستنتج من ذلك : أن "القوة تتغير مع التقدم الاقتصادي".( لينين، "حول شعار الولايات المتحدة الأوروبية)

37 - تم ادماج كلي لعدد متزايد من البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد بشكل كامل في إنتاج وإعادة الإنتاج العالمي للاحتكارات الدولية. الشيء الذي عزز التداخل بين الاحتكارات الوطنية والدولية.

38 - كان هذا واضحا بشكل خاص في عمليات دمج الشركات والاستحواذ على شركات أخرى على المستوى العالمي. بين عامي 1999 و 2007 قامت احتكارات الدول، التي بدأ طابعها الإمبريالي الجديد يتشكل، ب 66 عملية استحواذ على رأسمال شركات أجنبية. وبمبالغ تزيد عن مليار دولار أمريكي في كل مرة على الأقل، قامت الدول الإمبريالية الجديدة بشراء احتكارات عالمية في جميع أنحاء العالم. في هذا الاطار أتمت الاحتكارات الصينية، 12 عملية استحواذ، وأتمت الإمارات العربية المتحدة 11 عملية، بينما أتمت المكسيك والبرازيل 7 عمليات لكل منهما، وفي جنوب أفريقيا 6 عمليات، وفي السعودية و روسيا 4 عمليات لكل الاثنتين، وفي الهند واندونيسيا وكوريا الجنوبية 3 عمليات لكل منها، وفي تركيا والأرجنتين 2 عمليات لكل الاثنتين، و في إيران وقطر واحد لكل منهما. (World Investment Report).

39 – وتم الاعتماد على القوانين واللوائح لصالح الاحتكارات فيما يتعلق بإجراءات براءات الاختراع، والضرائب، والبنية التحتية الحديثة، والقوى العاملة المدربة جيدًا، والظروف المواتية للاستغلال السلمي للجماهير. والموارد الطبيعية على الصعيد الدولي.

40 - منذ قيام التنظيم الجديد للإنتاج الدولي، أتمت الاحتكارات العالمية إنتاجها في معظم الأحوال في الخارج. لذلك اعتمدت على تشريعات وقواعد ملائمة لاحتكاراتها خاصة في مجال براءة الاختراع وفرض الضرائب والبنية التحتية الحديثة والقوى العاملة المدربة جيدا وشروط مفيدة لها لاستغلال العمال والمواد الطبيعية على المستوى العالمي. وقد مهد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي(IWF) ومنظمة التجارة العالمية (WTO) ومنظمة العمل العالمية (ILO) الطريق أمام الاحتكارات العالمية في الدول المختلفة.

41 - من خلال هذه العملية تقاربت أنماط الإنتاج والتبادل الملموسة نسبيا في هذه البلدان مع كامل النظام الامبريالي العالمي أكثر فأكثر. وقد شجع هذا المنافسة الدولية، لكنه شكل أيضا عاملا اجتماعيا أساسيا لتوحيد الحركة الثورية العالمية، عمالا وجماهير شعبية.

42 - طالما أن الاحتكارات الوطنية في البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد لم تكن قوية بما فيه الكفاية بعد من الناحية الاقتصادية والسياسية، للخروج من التبعية للاحتكارات الدولية للبلدان الإمبريالية، لا يمكن الحديث عن استقلال سياسي حقيقي لهذه البلدان. على الرغم من ذلك استغلت الاحتكارات المحلية الإمكانيات الموجودة ضمن إطار الاستقلالية السياسية على الورق، فأصبح بعضها أقوى من الأخرى وبدأت تنفصل تدريجيا عن الاحتكارات العالمية والشروع في تصدير رأس المال، وبذلك عملت أكثر فأكثر على إخضاع الدولة الوطنية لمصالحها.

43 - كان الشرط الحاسم في التحول إلى دولة إمبريالية جديدة، وجود هياكل اقتصادية وسياسية تابعة لرأسمالية الدولة الاحتكارية. بينما عرفت هذه الأخيرة تطورا أفضل في ظل هياكل الديكتاتوريات العسكرية أو البلدان الرأسمالية البيروقراطية.

44 – وقد لعبت خلال هذه العملية المنظمات الإمبريالية العالمية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي دورا خاصا في ولادة البنيات الاحتكارية للدولة. ففي مواجهة أزمة المديونية المروعة فرضت برامج التقويم الهيكلي الصارمة بهدف نقل أعباء الأزمة على كاهل العمال والجماهير الواسعة. ارتبطت هذه البرامج بقروض ومنح أو اعانات ضخمة لفائدة دول معينة من أجل بناء إدارت خاصة بها وجهاز عسكري وبوليسي بهدف الاحتواء عن طريق القمع للطبقة العاملة والقوى الثورية.

45 - هذه الهياكل الاحتكارية للدولة تمتلك خصوصية خلال الانتقال من دول الاستعمار الجديد إلى بلدان إمبريالية جديدة: فهي تخضع الدولة لمصالح الاحتكارات الوطنية وأيضا لمصالح رأس المال المالي الدولي. فانطلاقا من هذه الخاصية يحدث في نفس الوقت عدم استقرار الدول المعنية وحكوماتها.

46 - لم تعالج الليبرالية الجديدة الا مؤقتا فقط أزمات موازنة الدولة والمديونية في بلدان الاستعمار الجديد. فقد اندلعت من جديد، وحتى قبل مطلع الألفية، أدت إلى أزمة جديدة لدى الاستعمار الجديد - أعمق وأوسع نطاقا من أزمة بداية الثمانينيات. وقد تطورت على أساس التنظيم الجديد للإنتاج الدولي كما شكلت مقدمة للأزمة الاقتصادية العالمية لسنوات 2001-2003.

47 - في سنة 2000 شكلت الدول التالية الأكثر مديونية اتجاه الرأسمال المالي العالمي : البرازيل ب 238 مليار دولار أمريكي، المكسيك ب 150,3 مليار دولار أمريكي، الأرجنتين ب 146,2 مليار دولار أمريكي، إندونيسيا ب 141,8 مليار دولار أمريكي، كوريا الجنوبية ب 134,4 مليار دولار أمريكي، تركيا ب 116,2 مليار دولار أمريكي، الهند ب 99,1 مليار دولار أمريكي.( البنك الدولي، مؤشرات النمو العالمي)

48 - لفترة طويلة، حرصت الإمبرياليات على أن تقتصر البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد على انتاج وتصدير، بشكل أساسي، منتجات نصف منتهية الصنع، ومواد أولية، إلخ. لكن من أجل خلق فرص استثمارية جديدة لرأس المال الفائض أصبح ضروريا للاحتكارات العالمية أن تبني الإنتاج الصناعي أيضا في البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد - على الأقل في مراكز الإنتاج العالمي. وذلك بنفس مستوى الدول الإمبريالية للاستفادة أيضا من المزايا المقارنة خاصة رخص اليد العاملة. وعن طريق تحقق إنتاج على مستوى عال، حدثت قفزة نوعية في فتح أسواق جديدة. لتحقيق ذلك، اقتضى الأمر شبكة من الشركات الموردة للإنتاج وبناء بنية تحتية جديدة، وقوى عاملة مدربة جيدًا، وفرت لهم الإسكان والإمدادات الغذائية. كما تعززت القدرة التمويلية للاحتكارات الوطنية. التي ساهمت أكثر فأكثر في بيع الشركات الحكومية السابقة وفي تشكيل شركات المحاصة (Joint Venture) والمشاركة في عمليات الدمج والاستحواذ على الشركات.

49 - تحملت الطبقة العاملة والجماهير الشعبية على الخصوص، تكاليف أزمة المديونية. فقد أدى الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة في بعض البلدان الى تدهور مأساوي في ظروف معيشية الطبقة العاملة ودفعها إلى مقاومة نشطة. ومع بداية الألفية الجديدة، واجهت الدول الإمبريالية طفرة من الصراع الطبقي الجماهيري، أولاً في أمريكا اللاتينية ثم في بعض الدول في آسيا. تم توجيه هذه الصراعات بشكل متزايد ضد رأس المال المالي الدولي.

50 - ومنذ الانتفاضة الشعبية في الارجنتين في دجنبر 2001، تطور الانفعال الثوري وانتشر في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. فقد أصبح واضحا أن السياسات الليبرالية الجديدة والاستعمار الجديد لم تعد قابلة للتطبيق. وأن الجماهير في هذه البلدان لم تعد مستعدة لقبول النهب والقمع كما كان سائدا من قبل.

51 - لذلك اتفقت القوى المهيمنة مؤقتاً مع الحكومات اليسارية في فنزويلا والإكوادور والبرازيل وبوليفيا لوضع حد لهذا الانفعال الثوري عن طريق البرلمانية البرجوازية، فقد تم خلق هوامش للمناورة من أجل انتخاب مرشحين جدد حاملين لوعود الأمل في مستقبل أفضل على شكل حكومات "يسارية". موضوعيا ساهم أيضا هوغو تشافيز ونظريته الانتهازية حول "الاشتراكية في القرن 21" في فنزويلا في وضع حد للانفعال الثوري السائد. لفترة معينة مؤقتة، حصلت نظريته على نفوذ واسع بين الجماهير في أمريكا اللاتينية.

52 - وفي عام 2003 تولى لولا دا سيلفا القائد السابق للإضرابات شد شركات السيارات منصبه كرئيس للبرازيل. وقد تمنى الكثيرون بأنه سيدافع عن نظام عالمي عادل تشارك دول الجنوب في صياغته. لكن حكومته دفعت نحو اقامة تكتل اقتصادي لبلدان أمريكا اللاتينية ميركوسور (البرازيل والأرجنتين وباراغواي والأوروغواي وبوليفيا وفنزويلا ). وحيث أصبحت تهيمن عليه الاحتكارات البرازيلية. بين عامي 2002 و 2011 استطاع التكتل الاقتصادي لأمريكا اللاتينية ميركوسور من مضاعفة حصته من الناتج المحلي الاجمالي على المستوى العالمي أكثر من الضعف، من 1,8 % إلى 4,4 %. أكثر من 80 % تُعزى إلى البرازيل. في عام 2010 قامت حكومة لولا دا سيلفا بإنجاز أكبر صفقة رأسمالية حتى ذلك الوقت. نفذتها شركة بتروبراس بقيمة تساوي 79 مليار دولار أمريكي. هكذا أصبحت الشركة أقوى شركة في السوق العالمي في استخراج النفط والغاز من البحر.
(https://petrobras.com.br/en/).

53 - في جنوب إفريقيا قامت الطبقة العاملة والجماهير الشعبية على مدى عدة عقود بكفاح بطولي ضد نظام الفصل العنصري. وقد أصبح شكل الحكم الفاشي هذا عقبة أمام الاحتكارات العالمية بشكل متزايد. خلال عقود من المحادثات والمشاورات مع الحزب الشيوعي الأفريقي الجنوبي الإصلاحي ، وزعيم المؤتمر الوطني لجنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، حضّر الإمبرياليون تحول شكل الحكم إلى الديمقراطية البرجوازية. استهدف ذلك إيقاف التثوير المتصاعد الحاصل بين الجماهير وفتح البلد للاستغلال من قبل الاحتكارات.

54 - أصبحت دولة جنوب أفريقيا الإمبريالية الجديدة مركزاً للإنتاج العالمي والاستثمارات العالمية. في عام 2010 كان هناك 231 شركة أم و675 شركة تابعة، مقرها في جنوب أفريقيا(أنظر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية). بمساعدة شبكة معقدة من العلاقات المتشابكة لحكومة المؤتمر الوطني لجنوب أفريقيا مع الرأسمال المالي العالمي المسيطر المتفرد وشركات المحاصة وعمليات الدمج والاستحواذ وما إلى ذلك تكوّنت هياكل تابعة لرأسمالية الدولة الاحتكارية واحتكارات جنوب أفريقيا لقطاعات التعدين والمناجم والبنوك كعمل عالمي.

55 - أعطى المؤتمر الوطني للاحتكارات الكبرى العالمية فرص كبيرة لاستغلال الطبقة العاملة السوداء في جنوب أفريقيا. حيث ارتبط إشراك البعض من القادة النقابيين في الحكومة بميثاق التعاون بين الطبقتين: 1 - يجب على النقابات الامتناع عن الإضرابات الجديدة 2 - ووأد الإضرابات في المهد 3 - والعمل سوياً على قمعها. ولكن تدهور ظروف العمل وأوضاع المعيشة للطبقة العاملة بين عموم الشعب الأفريقي الأسود في التجمعات السكنية المزرية أدى منذ عام 2013 إلى سلسلة من الإضرابات والمظاهرات المهمة والمستقلة عن النقابات. على هذا الطريق انتهى "السلام الاجتماعي" الذي أمرت به الحكومة. وليس من قبيل المصادفة أن التحول إلى الإمبريالية الجديدة حدث في ظل الحكومات الإصلاحية تدعي باليسارية. توحيد قوة رأس المال الاحتكاري المحلي مع قوة الدولة الاحتكارية للدولة القومية كان الشرط الحاسم الداخلي لهذا الأمر.

56 – تتمثل الدول الامبريالية الجديدة المتحدث عنها حصرا في مجموعو دول البريكس BRICS(البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنول افريقيا) ومجموهة دول الميست MIST(الميكسيك، اندنوسيا، كوريا الجنوبية، تركيا) بالإضافة الى الأرجنتين والعربية السعودية وقطر والامارات العربية المتحدة وايران. وتتداخل رؤوس أموالها الى جانب رأس المال المالي الدولي في السيطرة على العديد من الاحتكارات الدولية العظمى التي تدخل ضمن الخمسمائة شركة الأكبر عالميا.

57 - وتعود بدايات تحول البلدان التي كانت في السابق خاضعة للاستعمار الجديد أو البلدان التي كانت اشتراكية في السابق، والتي تحولت إلى دول تحريفية، وإلى دول إمبريالية جديدة، إلى عقد الثمانينيات من القرن الماضي. فقد حدثت بالنسبة لأغلبيتها، قفزة نوعية منذ مطلع الألفية. حيث تزايدت حصتها من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي بشكل طفيف فقط بين 1980 (13,3 في المائة) و 1990 (13,4 في المائة) و2000 (15,8 في المائة). لكن في عام 2007، قفزت حصة الدول الإمبريالية الجديدة بالفعل الى 21,8 في المائة.

58 - هذا التراكم الحاصل بقفزة كبيرة لرأس المال في الدول الإمبريالية الجديدة كان عاملا مهما وهيأ للانهيار الكارثي خلال الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الأعمق والأطول حتى اليوم في تاريخ الرأسمالية 2008-2014. وتدمير هائل لرأس المال لمعالجة أزمة فائض الإنتاج وحيث كان ذلك الخطوة الوحيدة للتعامل مع رأس المال الإمبريالي الزائد.

59 - خلال الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية ارتفعت حصة الدول الإمبريالية الجديدة من الناتج المحلي الاجمالي على المستوى العالمي بشكل هائل إلى 31,1% حتى عام 2014. في عام 2010 تفوقت هذه الدول على الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي. حصة الولايات المتحدة عام 2014 على المستوى العالمي بلغت 22,1% من الناتج الداخلي الإجمالي على المستوى العالمي مع خسارة بلغت 3,0 نقطة مئوية.


60 - كما أثر تعمق الأزمة عام 2008/2009 بشكل كبير أيضا على الاحتكارات العظمى ال500 العالمية المهيمنة بدون شريك. حيث انهارت أرباحها بنسبة 48,4% عامي 2007 و2008، يعني من 1,6 بليون دولار أمريكي إلى0,8 بليون دولار أمريكي (https://fortune.com/global500/). نشأت ضرورية ملحة لاستثمار رأس المال الفائض خارج المراكز الإمبريالية القديمة لتحقيق الربح الأعظم. أدت هذه التغيرات في موازين القوى الإمبريالية إلى إشراك مجموعة قمة العشرين(الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، الصين، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، البرازيل، كندا، الهند، روسيا، أستراليا، المكسيك، كوريا الجنوبية، تركيا، إندونيسيا، المملكة العربية السعودية، الأرجنتين، أفريقيا الجنوبية) في إدارة الأزمات العالمية الشاملة، أي بمشاركة أهم الدول الإمبريالية الجديدة.

61 - وقد لعب اعتماد استثمارات جديدة وبناء منشآت إنتاج جديدة في البلدان الإمبريالية الجديدة دور المنقذ - من أجل تخفيف حدة أزمة الإنتاج الزائد في البلدان الامبريالية القديمة. فقد تضاعفت الاستثمارات الخارجية المباشرة في هذه الدول بين عامي 2008 و 2014، من 2,6 إلى 5,4 بليون دولار أمريكي (تصدير واستيراد رأس المال وفق تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية). مما أدى إلى إخراج الاحتكارات العظمى العالمية الخمسمائة الرائدة من الأزمة. فارتفعت أرباحها بالفعل عام 2010 مرة أخرى بنسبة 59 %. وسرّع تدفق رأس المال إلى الدول الإمبريالية الجديدة.

62 - تضاعفت حصة الدول الإمبريالية الجديدة من قيمة المنتجات الصناعية العالمية: من 19,7% في عام 2000 إلى 40,2% عام 2014. وفي نفس الفترة الزمنية تراجعت حصة الاتحاد الأوروبي بقيمة 5,5 نقطة مئوية إلى 18,6 % وحصة الولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 9,1 نقطة مئوية إلى 16 % وحصة اليابان بقيمة 10,3 نقطة مئوية لتصل إلى 5,6 % (البنك الدولي، مؤشرات النمو العالمي، القيم الصناعية).

63 - في خضم الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية نما اقتصاد بعض الدول الإمبريالية الجديدة نمواً ديناميكياً. في الصين والهند وكوريا الجنوبية وتركيا وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية والأرجنتين نمت في بعض الأحيان بنسبة 120 نقطة مئوية مقارنة مع المستوى ما قبل الأزمة. حتى في الربع الأول من عام 2017 ظلت الدول الإمبريالية القديمة أقل بكثير من المستوى ما قبل الأزمة: اليابان بنسبة 85,7% وبريطانيا بنسبة 90,5% وفرنسا بنسبة 88,3% وإيطاليا بنسبة 78,8% واسبانيا بنسبة 76,5%. وصل الإنتاج الصناعي في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية عام 2014 مرة أخرى إلى المستوى ما قبل الأزمة (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية).

64 - من عام 2007 حتى عام 2014 تضاعفت حصة الدول الإمبريالية من تصدير رأس المال العالمي ثلاث مرات من نسبة 10,2% إلى 30,9%. (نفس المرجع) في نفس الوقت وسّعت الدول الإمبريالية الجديدة حصتها من الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 10,8 % إلى 15,2 %: حصة الاتحاد الأوروبي تقلصت من 42,2 % إلى 36,6 %، وحصة الولايات المتحدة الأمريكية من 28,5 % إلى25,3 %. في حين أن الصين وجنوب أفريقيا والمملكة العربية السعودية تضاعفت حصتها بين عام 2007 و 2014، أما تركيا وكوريا الجنوبية والهند فقد تضاعفت حصصها ثلاث مرات وتضاعفت حصة قطر ب 6 مرات وفي إندونيسيا ب 8 مرات (نفس المرجع).

65 - ساهمت عمليات الاندماج والاستحواذ عبر الحدود للاحتكارات العظمى للبلدان الإمبريالية الجديدة في تكثيف أنشطتها أيضًا وفي تطوير قاعدة قوتها الاقتصادية. وبين عامي 2008 و 2014، ضاعفت هذه الاحتكارات العظمى حصتها العالمية كمشترين في عمليات الاندماج عبر الحدود من 15,1 إلى 29,1 في المائة؛ وبالتالي قامت بتوسيع نفوذها الإمبريالي الدولي. وشهد عدد من هذه البلدان زيادة عالية بشكل خاص في حصصها في المتوسط السنوي بين عامي 2008 و2014 مقارنة بالمتوسط السنوي للأعوام من 2001 إلى 2007: الصين بنسبة 690 في المائة، وكوريا الجنوبية بنسبة 326 في المائة، وقطر بنسبة 310 لعام في المئة، تركيا بنسبة 255 في المئة، اندونيسيا بنسبة 158 في المئة.

66 - التغيرات في موازين القوى بين الدول الإمبريالية الجديدة تنعكس في تطور تصدير رأس المال. هذه التغيرات أصبحت واضحة في صعود الاحتكارات من الدول الإمبريالية الجديدة لتصبح إحدى الاحتكارات العظمى الخمسمائة العالمية التابعة للرأسمال المالي المهيمن بدون شريك. تضاعفت أعداد الاحتكارات العظمى لمجموعة دول البريكس ودول ميست من 32 احتكار عظيم في عام 2000 إلى 141 احتكار عظيم في عام 2015، أي أكثر بأربعة أضعاف. وكان هذا على حساب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان.

67 - أسست مجموعة دول بريكس "بنك التنمية الجديد"، بشكل واضح كمنافس لصندوق النقد الدولي (. بهدف إضعاف الدولار الأمريكي باعتباره العملة الأقوى عالمياً. (www.ndb.int/about-us/essence/history)

68 - في ظل الصراع من أجل السيطرة على السوق العالمية نشأت تغيرات هائلة في موازين القوى. حيث زحزحت الصين الولايات المتحدة الأمريكية في بعض المجالات لتنافسها في مجالات الصناعة النفطية والبناء والبنوك. كما أصبحت الاحتكارات العظمى في كوريا الجنوبية أهم احتكارات في مجال بناء السفن والصناعة الالكترونية والكهربائية، حيث نافست كل من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا. (Fortune Global 500)

69 -أنشأت الدول الإمبريالية الجديدة هيمنة إقليمية إمبريالية ضد مناطق النفوذ السابقة للقوى الإمبريالية القديمة. فالبرازيل هي خامس أكبر دولة في العالم وسابع أكبر اقتصاد قومي لعام 2014 وفي المرتبة الحادية عشر عالمياً في الميزانية العسكرية وبالإضافة لحوالي 200 مليون نسمة. وقد استخدمت البرازيل التكتل الاقتصادي لميركوسور لتصعد كقوة إمبريالية جديدة في أمريكا الجنوبية. وسّعت دولة جنوب أفريقيا هيمنتها في القارة الأفريقية واحتكارات التعدين الجنوب أفريقي واستغلت دول أخرى والعمال في جنوب القارة الأفريقية. كما تتمركز دولة جنوب أفريقيا عسكريا ً في هذه البلدان. كما أبرمت جنوب أفريقيا اتفاقا مع الاتحاد الأفريقي، بحيث تتدخل قواتها بسرعة في حال وقوع أعمال شغب. الهند وسّعت قوتها الإمبريالية في شبه القارة الهندية وبذلك فاقمت التنافس مع الصين. إسرائيل وتركيا وإيران والسعودية والمشايخ العرب يتصارعون فيما بينهم ومع الإمبرياليات القديمة على الهيمنة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، كما في شمال أفريقيا أيضاً.

70 - وفي اطار الصراع على التقسيم الجديد للعالم، سرعت الدول الإمبريالية الجديدة تطوير جهاز جهازها العسكري الحكومي. حيث تضاعفت جيوشها لتبلغ عام 2015، 8 مليون جندي، في حين أن الناتو يملك 3.3 مليون جندي. (معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام)

71 - وما بين عام 2000 وعام 2014 ضاعفت الدول الإمبريالية الجديدة نفقاتها العسكرية أربعة أضعاف: من 125 إلى 561 مليار دولار أمريكي. كما زادت دول الناتو في هذه الفترة الزمنية من النفقات العسكرية، إنما بسرعة أقل من 479 إلى 921 مليار دولار أمريكي. (نفس المرجع)

72 - لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الإمبريالية العظمى الوحيدة. هذا الدور الخاص يظهر واضحاً في المجال العسكري. ففي عام 2016 فقط، بلغت نفقاتها العسكرية 611 مليار دولار أمريكي، أي أكثر من ثلث الإنفاق العسكري العالمي. وفي عام 2015 أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية، مع ترسانتها النووية التي تحتوي 7000 رأس حربي، تمتلك 45% من المخزون العالمي.(نفس المرجع) ومنذ تنصيب حكومة دونالد ترامب، تنتهج الولايات المتحدة الأمريكية سياسة تسليح أكثر عدوانية. فهي تستهدف رفع النفقات العسكرية في أفق عام 2027 لتبلغ سنوياً 722 مليار دولار أمريكي.

73 - تطورت الدول الإمبريالية الجديدة لتصبح المستورِد الأكبر للأسلحة الثقيلة حول العالم. من عام 2011 حتى 2015 احتلت الهند صدارة استيراد الأسلحة الثقيلة ب14% من حصة السوق العالمية ـ قبل السعودية بنسبة 7% والصين بنسبة 4,7 % والإمارات العربية المتحدة بنسبة 4,6 %.
بغية بناء أجهزة الدولة العسكرية بشكل مستقل امتلكت الدول الإمبريالية الجديدة عام 2014 أكثر من 26 من أكبر الاحتكارات المائة العالمية للتسليح. (نفس المرجع)

74 - الدول الإمبريالية الجديدة لديها فرق شرطة ضخمة ومجموعات شبه عسكرية. حجمها يتجاوز بكثير الوحدات المماثلة لدى الدول الإمبريالية الأخرى. تضم الشرطة الصينية المسلحة الشعبية 1,5 مليون شخص، وفي القوات العسكرية الهندية "لمكافحة الشغب" 1,3 مليون شخص. تستخدم هذه القوات في المقام الأول في قمع الجماهير في الداخل ـ في الإضرابات والانتفاضات ضد الحكومة وصولاً إلى المقاومة والحركات الثورية.

75 - تستخدم الدول الإمبريالية الجديدة وسائل الإعلام الجماهيري كمراكز قوة أيديولوجية سياسية للتلاعب بالرأي العام على نطاق عالمي. فمن خلال قناة الجزيرة الفضائية، تمارس قطر تأثيرا على ما يقدر بنحو مليار شخص يتحدثون باللغة العربية. من خلال وسائل الإعلام متعددة اللغات
الاحتكارية جزئيًا، تستخدم روسيا والصين وتركيا السكان المهاجرين كمنصة لسياستها الإمبريالية الجديدة في بلدان أخرى.

76 – كخلاصة فإن تعدد القوى الامبريالية، الكلاسيكية منها والجديدة، الى جانب تفاقم تناقضات نمط الإنتاج الرأسمالي وتوالي الأزمات الكارثية بسبب الإنتاج الزائد وعدم قدرة الأسواق على استيعاب هذا الإنتاج، وذلك في ظل التنافس الحاد بينها من اجل بسط النفوذ الاقتصادي البلدان أو على بعضها البعض الشيئ الذي قد يصل الى درجة التهديد بحرب عالمية ثالثة؛ كل هذا يشكل مظهرا من مظاهر الازمة الختامية لنمط الإنتاج الرأسمالي بكافة ابعادها الفوضوية المتوحشة، مما يفرض على الغالبية العظمى من الكادحين والبروليتاريا العالمية الدفع بإسقاط هذا النمط من الإنتاج من اجل مجتمع اشتراكي انساني متضامن.

77 – سأحاول في مقال لاحق ان اتطرق الى مقارنة بين الولايات المتحدة الامريكية كقوة امبريالية عظمى في مواجهة الصين كقوة امبريالية جديدة صاعدة على المستوى الاقتصادي على الخصوص.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير