عراق بلا -وطنيه- واكذوبة الغرب؟/8

عبدالامير الركابي
2020 / 11 / 25

عراق بلا و"طنيه"واكذوبة الغرب؟/8
عبدالاميرالركابي
قامت الحداثة الغربية على تكريس اكذوبة كبرى، امكن لها ان تسري وتصير مقبولة لاسباب مصدرها مستوى الطاقة العقلية الانسايوانيه الأحادية المتاحة، تمثلت في السعي لتكريس "وحدة"، و "وحدانيه" المجتمعات البشرية من ناحية، وإخراج وسائل الإنتاج وصيغتها الأخيرة الاليه من جضورالبيئية وفعلها المجتمعي الانماطي. ولان اوربا الحديثة كانت مثلها مثل بني الانسايوان ككل، ماتزال خارج الادراك الضروري للظاهرة المجتمعية، ولأنها هي أحادية بنية وتكوينا، فلقد كان من المنطقي ان تذهب الى تعبد الالة، واسباغ الصفة السحرية عليهاعلى اعتبارها قوة مخترقه للبنى الاجتماعية بعد توحيدها كمجال تحقق، جعله الغرب متماثلا، ولايجب ان ننسى هنا كمثال دعوى ماركس بخصوص "مدفعية السلعة " التي تهدم اسوار الهمجية.
هذا ولم يكن لماعرف ب "علم الاجتماع " الأوربي الحديث بصيغته البدائية كما هو موجود الى الان، ان يرى العلاقة بين البيئة والمجتمعات وانماطها، الامر الذي كان يميزهذه الاخيرة تحت طائلة الإنتاجية اليدوية، ونمط آلتها الأدنى البدائي، وهل كانت متماثلة بنيه وكينونة، وتعبيرا وتفاعلا صدوعا لنوع وسيلة الإنتاج، الامر الذي يترتب عليه سؤال ظل ومايزال الى اليوم غير مطروح هو: "هل ان الالة قابلة للانبثاق في كل المجتمعات، بنفس الطريقة التي انبثقت فيها في المجتمعات الاوربيه" وهل يمكن التفكير باحتماليه ان تكون هنالك مجتمعات لا آليه، او ان علاقتها بالاله يمكن ان تكون خاصة بها وببنبتها، من دون اسقاط احتمال ان تتمكن البنيه من اخضاع الالة ومفعولها لاشتراطاتها؟
لاشك اننا نعرض تساؤلامن نوع انقلابي، مترتباته تذهب الى عمق فكرة الغرب وحضوره ومكانه، على رسوخها وقوة غلبتها، مايفترض العودة لبعض الأساسيات اللازمه لجعل الموضوعه الرئيسية أعلاه قابلة للنقاش، قبل الاخذ على محمل الحقيقة، أولى القضايا الأساسية الجديرة بالعرض هي كون المجتمعات البشرية بحسب الاسباغات البيئية على بناها، قد وجدت موزعه على أنماط رئيسية ثلاثة: الازدواجي، ومجتمع احادي دولة، ومجتمع احادي لادولة ، مع اشكال مختلطة، وان هذا التعدد النمطي موزع بحسب خارطة بيئية مجتمعية على كوكب الأرض،( تمتاز منطقة شرق المتوسط باحتوائها على الأنماط الذكورة مجتمعة متجاورة ومتفاعله بصفتها وحدة كيانيه يمكن ان نطلق عليها كيانيه الأنماط المتعددة) بما يضمن التفاعليه الصعودية التصيرية نحو"التحول"، الغرض المطوي من وجود الظاهرة المجتمعية، بما في ذلك انبثاق الاله داخل اوربا، المجتمعية الأعلى ديناميه والارقى بنية داخل النمط احادي الدولة.. ذلك يعني:
ـ ان المجتمعات ليست غاية بل وسيله وجدت لتادية غرض، وانها خاضعه لقانون انتهاء الصلاحية، مقصدها ومآلها، استقلال العقل عن الجسد، تمهيدا لمغادرتة عالم الارضوية الجسدية الى الاكوان العليا.
ـ ان المجتمعات مصاغة، مصممه وموزعه بما يتلائم مع الصيروة التحولية عبر التفاعليه المجتمعية بين الأنماط المختلفة.
ـ ان الالية الإنتاجية كطور، هي عتبه ولزوم ضمن المسار التحولي، في اخر محطاته الأحادية، تضطلع به نمطية بعينها انشطارية طبقية هي الأكثر ديناميه وفعاليه ضمن نمطها.
ـ ان هذا الانقلاب في وسائل الإنتاج، يعقبة الانتقال المستهدف والمقصود مابعد الالي، هو التكنولوجي، الوسيلة المادية المطابقة للانقلاب التحولي الذي يظل مؤجلا من بداية ظهور المجتمعات بصيغتها التحولية البنيوية في ارض الرافدين، لافتقاره للوسيلة المادية الضرورية للتحول، مع توفره على الأسباب والمقومات التحولية البنيويه التكوينيه في مجتمع الازدواج الرافديني، الفريد نمطا على مستوى المعمورة.
هذا يعني ان الاله وجدت كوسية اعلى، في مجتمع ادنى قياسا بمنطوياتها والغاية المقدرة لها، وبالأخص لمايعقبها من انبثاق تكنولوجي، يترافق مع انتقال مركز الفعاليه الى القارة الجديدة المفقسه خارج رحم التاريخ، وارض اللادولة الامريكيه، التي تسجق بقوة الراسمال المرتحل من الغرب الافل، مترافقة مع اشكل توهيمه من الابراهيميه الرافدينيه، تعبيرا عن، ودلالة على التقاء تعبير مبتدأ التحوليه الرافدينية الابراهيمي، باخر ممكنات الأحادية ومنتهاها المجتمعي المتشكل خارج التفاعليه الاجتماعية التصيرية، وكنتيجه لها.
توجد "الوطنيه العراقية" الغائبة غير المنظورة والحاضرة كاليه حياتيه حدثية وكممكنات " تحوّل" وارتقاء عقلي أخير، هو الغاية والهدف المودع في الظاهرة المجتمعية، وفي المجتمعية التحولية الرافدينيه، وهي تصبح تحت وطاة حال غير مسبوق على الاطلاق ابان الاحتدام الناشيء عن غلبة وسيادة مفهوم الراسمالية، والثورة البرجوازية والوطنيه والقومية، ونموذجها ( الدولة / الامه)، ومايعرف من نمطها المدني "الديمقراطي"، ومقابله "الاشتراكي"، وبالاساس فرضية غلبه الاله على البنية المجتمعية، وتمايزاتها البيئية الاصلية التكوينيه، وتعميم الوحدة والواحدية عليها تحت طائلة التحول الراسمالي "الحتمي"، كل هذا إضافة للنقص الأكبر المتمثل في قصور العقل التاريخي إزاء الظاهرة المجتمعية، وتاخره في استيعابها وادراك منطوياتها، مع شيوع اوليات مايعرف ب "علم الاجتماع" البدائي الغربي على انه مصدر صالح لفك رموز المجتمعية، جعل البشرية تعيش تحت طائلة الكذبه الأحادية الأخيرة الكبرى، زاد في تكريسها ومنحها المصداقية، إضافة لماتقدم ذكره من الأسباب، علو قامة المنجز الأوربي الحداثي الالي الراسمالي، ماقد تجلى وبالأخص وبالذات، في موضع التحولية والاصطراع الازدواجي التحولي، بصورة تناقض واصطراع غير مسبوق، ولم يالفه التاريخ.
فالوطنية او مايعود الى ادراك الذات والذاتيه، صارت في ارض الرافدين اليوم اقرب الى الامتحان تحت طائلة الزوال،مع مترتبات احتمالية من هذا القبيل على الوحود البشري ومآلاته، وعلى اتساق حركة التاريخ الضامنه للوجود الحي واستمراره المتوافق مع طبيعته، فاحتمالية محو الخاصيات البنيوية العراقية، ليس مجرد حدث، او حالة بالإمكان حصولها من دون الاخذ بالاعتبار، كونها بؤرة ابتداء وانتهاء مجتمعي تاريخي على مستوى المعمورة، وعلى صعيد سلامة الظاهرة الوجودية المجتمعية، من دون توفرها على ألاسباب الضامنه لعمل الياتها بحسب ماهي متحققة أصلا وبنيويا وابتداء، لاتعود الظاهرة المجتمعية ككل متفقة مع الغرض الأعلى والاسمى من وجودها، التحولي الانتقالي الأعظم، وهو مايسبغ على الظاهرة الغربيه الحديثة كاعلى التجليات الأحادية التوهمية، والمتعاظمة قوة حضور، ويضفي على حضورها في جانب أساس من صفاتها، خاصية التجلي الأخطر في التاريخ الإنساني المخالف للطبيعة الحياتيه والتكوينيه البشرية.
في العراق نفسه تكون الأسباب الموحية باحتمالات الكارثة مرعبه، من جهة بفعل نوع التشكل الحديث الثالث، وكونه يجري اليوم تحت طائلة انغلاق المدى الضروري للامتداد الامبراطوري، بعكس الدورتين الأولى والثانيه، مايجعل الصراعية التشكلية الصاعدة محدودة من حيث التجلي لما دون منظورات مطابقة، بالاخص على مستوى الأفق الامبراطوري، الامر الذي يعزز تدنيها الابتدائي، بالاخص وانها تمر بمظهرين: قبلي، وانتظاري محدث، لاعلاقة لهما بالحاضر او احتمالات تجليه المفترضة كطور اعلى مقارنه بالطورين السالفين، مايضعف من قوة فعالية قانون "الاستبدال"، وهو مايستمر مدة ثلاثة قرون من التجليات "الذاتية / الوطنية"، ابانه لاتكون برغم حضورها المنتفكي ومن ثم النجفي، مقاربة او من نوع تجليات الكينونه الكيانيه الإمبراطورية التاريخيه، مع ان القوى الحاضرة والساعية لاحتلال العراق وقتها، وبالأخص العثمانية، لاتكون ذات قدرات نموذجية على مستوى التفكر والكيانيه، بحكم كونها من بقايا الدورة الثانيه، واخر تجلياتها شرقا خارج مجال تحققها الشرق متوسطي والرافديني الامبراطوري.
وقتها تظهر مفاعيل البنيه الأعلى الرافدينية والأكثر فعالية وديناميه بصفتها كذات غير متبلورة بعد، ولامكتملة، ارفع حضورا وفعاليه إزاء محتليها (1)، الامر الذي تطرا عليه متغيرات جذرية مع حضور الغرب ومشروعه، ومايمثله نموذجا ومفاهيم لتدخل بنية الازدواج التحولي الامبراطوري وقتها، حقبة مختلفة، الطرف المتغلب والمحتل فيها لا يملك مايحتاجه من عناصر الغلبه المتضمنه عناصر المحو والافناء، فلا تجد ارض الرافدين وقتها من الأسباب المساعدة على خوض معركتها الحاسمه الجديدة، سوى الارتكاز الى ماسبق ان عبرته من حقب تاريخ تشكلها السابقة خلال الحقبتين الاوليين، ولو كان الغرب جاء على سبيل المثال الى العراق في القرن السادس عشر، يوم كانت مفاعيل الانقطاع التاريخي غالبه غلبه مطلقة، لكانت اثاره والنتائج المترتبه على حضوره قد اختلفت كليا وتماما، مقارنة بحضور العثمانيين، وسعيهم لاحتلال البلاد بحسب قدراتهم، ومامتوفر لهم من ممكنات هي بالمقارنه ادنى واضعف فعاليه قياسا الى الاليات التشكلية الرافدينيه، وماتنم عنه، وترتكز اليه من مقومات بنيوية ودفع آليات، فما كان على سبيل المثال من الممكن تخيل حدث مثل ثورة العشرين، تقوم في حينه معلنه عن الحدث الثوري لمجتمع التشكل في حقبتيه الأولى والثانيه، القبلية والانتظارية المحدثة، بكل خلفيتها وممكنات تعبيرها المتاح حتى حينه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم يكن للحضور العثماني، والذي سبقه منذ سقوط بغداد 1258 ان يمنع عملية التشكل الوطني العراقي الحديث، أي انبعاثه الثالث في القرن السادس عشر، وسيرورتها القبلية الانتظارية، المطردة صعودا، لدرجة شمول ارض السواد برمتهاخلال ثلاثة قرون، فلم يظهر منه ـ الحضور العثماني ـ مايدل على امتلاكه مثل هذه القدرة، او النية باي حد كان، الامر الذي سينقلب كليا ابان الحقبة الايديلوجية، ومارافقها من الفبركة الغربيه، مع بداية القرن العشرين.