قانون مكافحة الجرائم الالكترونية والقلق المشروع

سالم روضان الموسوي
2020 / 11 / 24

بين الحين والآخر يتصدى الرأي العام عبر وسائله المتاحة إلى موضوع معين بذاته، وهذه الأيام نسمع ضجيج وحراك شعبي وحقوقي تجاه مشروع قانون مكافحة الجرائم الالكترونية، وهذه الضجة لها مبرراتها لأنها تمثل قلق مشروع ينتاب المواطن والرأي العام، وما تسرب إلى وسائل الإعلام حول المشروع عبارة عن مسودات متعددة لمشاريع قوانين تضمنت في محتواها ما يراه البعض بأنه قيد على حرية التعبير، حيث تضمنت نصوص تجريم لأفعال تدخل في مفهوم حرية التعبير والنقد المباح وفرضت لها عقوبات جسيمة جداً، مما دعا الجميع إلى الاعتراض، لكن ذكره احد الأفاضل في مجلس النواب من المشاركين في المناقشات الجارية بان ما موجود في مشروع القانون الذي تجري مناقشته في مجلس النواب هو نسخة أخرى تراعى فيها حقوق الإنسان وحرية التعبير وضمان حق النقد، كما أفاد بان مجلس النواب عقد عشرات الورش واستضاف واستعان بالمختصين في القانون والإعلام ومواقع التواصل وكل من له صلة بهذا الموضوع، وبرر عدم نشر هذه النقاشات لأنها ما زالت في طور التحضير وإنها أفكار لم يتم تقنينها بعد، وأنا،شخصياً، اقدر عالياً هذا الاهتمام من أعضاء مجلس النواب، كما أرى ويرى العديد من المختصين بان وجود قانون لتلك الجرائم المستحدثة يشكل ركيزة أساسية لإيجاد بنية قانونية والتي تسهم مع البنية التحتية التقنية في تعزيز الثقة والأمان في المجتمع، لكن ما يثير الريبة إن عنوان القانون هو "مكافحة الجرائم الالكترونية" بينما تضمن أحكام تتعلق بجرائم ليست الكترونية ومنها جرائم التهديد، كما إنها جرمت أفعال قد تكون من حقوق المواطن في الحصول على المعلومة أو الجرائم المتعلقة بالنظام العام والآداب، على وفق ما ورد ذكرها في مشروع القانون محل الجدل، وهذه الجرائم لا يمكن أن تكون من الجرائم الالكترونية، والسبب في ذلك واضح جداً لان الجريمة الالكترونية هي الجريمة التي يكون لتقنية المعلومات محلاً لها، وغير مجرمة في القوانين النافذة وقد حددتها بعض الاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية بودابست لعام 2001 حول جرائم المعلومات او الجرائم الالكترونية ، وصنفت تلك الجرائم إلى عدة أنواع وعلى وفق الآتي (الدخول غير المشروع في نُظُم وقواعد معالجة البيانات، والاعتداء على المواقع الإلكترونية سواء كان ذلك بمسح أو تعديل بيانات أو التلاعب فيها، أو إعاقة تشغيل النظام. وانتهاك السرية والخصوصية للبيانات الشخصية، والإضرار بصاحبها، والإطّلاع على المراسلات الإلكترونية، والإدلاء بالبيانات الكاذبة في إطار المعاملات والعمليات الإلكترونية، والاعتداء على الأموال الإلكترونية، وهي الأموال المتداولة إلكترونياً مثل (عملة البتكوين)، والتعدي على أموال غيره بالوسائل الإلكترونية مثل:الدخول لمواقع البنوك والدخول لحسابات العملاء وإدخال بيانات أو مسح بيانات بغرض اختلاس الأموال أو تحويلها من حساب لآخر.) والمشترك بين هذه الجرائم بان محل ارتكاب الجريمة هو المعلومات الالكترونية وأجهزة الحاسوب، بينما في مشروع القانون تضمن مجموعة من الأفعال التي لا تعد من الجرائم الالكترونية المشار إليها في التصنيف الدولي، لأنها في الأصل تقع على الأشخاص لكن بوسائل الكترونية مثل مواقع التواصل الاجتماعي ومن الممكن أن تقع أيضاً بدون الوسائل والتقنيات الالكترونية، وهذه في الأصل تم تجريمها في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، واعتبر القانون أعلاه بان فعل القذف والسب عبر مواقع التواصل الاجتماعي ظرف مشدد للعقوبة وعلى وفق أحكام المواد (433،و 434) من قانون العقوبات، بمعنى آخر إنها أصلا معالجة تشريعياً والقضاء يطبقها، ولا يوجد أي نقص تشريعي تجاهها، وإنها مغطاة بنص يوفر الحماية لحق المواطن في حرية التعبير والنقد المباح ولو نسبياً وعلى وفق أحكام المادة (433/2) من قانون العقوبات التي جاء فيها الآتي (ولا يقبل من القاذف إقامة الدليل على ما أسنده إلا إذا كان القذف موجها إلى موظف أو مكلف بخدمة عامة أو إلى شخص ذي صفة نيابية عامة أو كان يتولى عملا يتعلق بمصالح الجمهور وكان ما أسنده القاذف متصلا بوظيفة المقذوف أو عمله فإذا أقام الدليل على كل ما أسنده انتفت الجريمة) وهذا النص يتوافق مع أحكام المادة (36) من دستور عام 2005 التي جاء فيها الآتي (المادة (36/أولا) من دستور العراق لعام 2005 التي جاء فيها الآتي ( تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب:أولا :ـ حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل) ومن هذه الوسائل تقنية المعلومات الحديثة مثل مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من مواقع الانترنيت التي تتم بواسطة أجهزة المعلوماتية (الالكترونية)، وفي مشروع قانون الجرائم الالكترونية محل الجدل نجد إن المشرع يسعى لسحب هذا الفعل من وعائه التشريعي في قانون العقوبات النافذ إلى وعاء التجريم الالكتروني لمنع المواطن من الانتفاع بفسحة الحرية في التعبير النسبية على وفق ما جاء في حكم الفقرة (2) من المادة (433) من قانون العقوبات، وهذا هو ما أثار حفيظة المواطن وحفز الرأي العام للتصدي إليه، لذلك اقترح لتمرير هذا القانون، وهو مطلب مهم لسد الفراغ التشريعي في مجال الجرائم المستحدثة، أن يترك تجريم تلك الأفعال التي تغطيها النصوص القانونية النافذة ومنها جريمة التهديد التي عالجتها المادة (432) من قانون العقوبات ، كذلك ما جاء في الفقرة (1) من المادة (2) من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 التي جعلت فعل التهديد لدوافع إرهابية بأنه من جرائم الإرهاب وعلى وفق النص الآتي (التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو تعرض حياتهم وحرياتهم وأمنهم للخطر وتعريض أموالهم وممتلكاتهم للتلف أيا كانت بواعثه وأغراضه يقع تنفيذا لمشروع إرهابي منظم فردي أو جماعي)، وكذلك ما ورد في الفقرة (8) من ذات المادة قد تم تجريم فعل الابتزاز المالي لدوافع إرهابية وعلى وفق النص الآتي (خطف أو تقييد حريات الأفراد أو احتجازهم أو للابتزاز المالي لأغراض ذات طابع سياسي أو طائفي أو قومي أو ديني أو عنصر نفعي من شأنه تهديد الأمن والوحدة الوطنية والتشجيع على الإرهاب) وهذه الأفعال عقوبتها الإعدام على وفق أحكام المادة (4) إرهاب ، وفي قانون العقوبات معالجة لجرائم إغواء الأطفال أو الإناث حيث وردت هذه الأحكام في المادة (402) من قانون العقوبات، أما عن تجريم فعل الاعتداء على القيم الدينية والأسرية فان قانون العقوبات النافذ قد جرم هذا الفعل إن وقع بأي وسيلة كانت وعلى وفق أحكام المادة (372) التي ورد فيها تجريم تصريح لهذا الفعل ، أيضاً فعل الترويج للمواقع الإباحية فان المادة (403) من قانون العقوبات، وهذا العرض يوضح لنا إن بعض الأفعال التي يسعى مشروع القانون لتجريمها، هي أفعال أصلاً تم تجريمها بموجب القوانين النافذة ، ولا توجد ضرورة لتجريمها مرة أخرى ، وهذه الأفعال هي ذاتها محل الجدل ومصدر التخوف التي أثارت الرأي العام وحفيظة المواطنين، وفي الختام اقترح أن يقتصر القانون على الأفعال التي لا يمكن أن تقع إلا بوجود آلات الكترونية أو شبكات الكترونية مثل الانترنيت والتي تم تصنيفها عالميا وعلى وفق ما تم ذكره سلفاً، حتى لا نقع في محذور المخالفة الدستورية أو الانحراف التشريعي عن المبادئ الدستورية.
قاضٍ متقاعد


1