دعونا نصاب بالجنون

ساطع هاشم
2020 / 11 / 24

قبل قرن ونصف قال الرئيس الأمريكي لنكولن الذي حرر العبيد الامريكان من العبودية:
ان من حق الشعب ان يغير الحكومة بالطرق الدستورية، فاذا لم يستطع فله ان يغيّرها بالقوة.

ومع هذا العدد الهائل من الجرائم غير معروفة الفاعل، التي اقترفت في بلادنا تحت نظام حكم (برلماني) اسسه الامريكان (بالطرق الدستورية) وتم فرضه علينا بالاحتيال والقوة والتدمير، وسلموا رقابنا بيد رجال الدين والحرس الفاشي الإيراني الذين حطموا قوى شعبنا بالفقر والجهل والمرض، ورجعنا قروناً الى ما وراء الوراء
فما هي الفائدة من وجود قانون جنائي وقانون تشريعي وقضاء لا يلتزم به الحكام في هذا النظام ولا يطبق عليهم؟
ولماذا يُمنع على العراقيين تغيير هذا النظام الفاسد بالقوة وبالثورة كما طالب لنكولن بعد ان عجز من الطرق السلمية؟
لماذا لا يوجد دعم دولي لثوار تشرين؟

دعونا نصاب بالجنون

كلمة ثورة في معناها السياسي والاجتماعي مصطلح جديد دخل الى العربية مع دخولنا عصر الاستعمار قبل اكثر من قرن ونصف، ولا يوجد هذا المصطلح في المعاجم العربية القديمة بهذا الفهم العصري، وباختصار نقول ان الثورة كما يفهمها عصرنا العلمي التكنلوجي لا تعني اسقاط الرؤساء او الملوك والحكام واستبدال هذا الفاسد بهذا الفاسد او هذا المجرم بهذا المجرم، انما تعني تغيير جذري بدساتير حديثة ثابتة وبرلمانات وصحافة حرة علنية، وحكومات تضمن الحرية وحقوق الناس بالعمل والسكن وتوفر الضمان للعاطلين والفقراء والتقاعد للمسنين والصحة للجميع وغيرها الكثير

اما نظام رجال الدين العراقي الفاسد الحالي، فهو يصلح للقرون الماضية، للمجتمعات الزراعية، لان الفلاح انسان مستسلم للقدر، يعيش في أمية مطلقة، وبالعقائد السرمدية التي يتلوها عليه الدجالين الكهنة رجال الدين، هذه الطبقة الدينية الطفيلية الضارة بالمجتمع التي تستهلك ولا تنتج، لا يعرفون بان الانسان الصالح في هذا الزمان، ليس ذاك الذي يصوم ويصلي ويطوف حول الكعبة، وانما الذي ينتج ويعمل ويحقق بالعلوم والآداب والفنون، ويخدم الناس والبيئة ويعلي من شأن المرأة والطفل وغيرها

عندما قام اتاتورك بترجمة قوانين سويسرا المدنية والجنائية الى اللغة التركية وجعلها اساساً للقضاء بالمحاكم، انبرى له بعض رجال الدين واصدروا فتاوي بتكفيره، فقام بشنقهم جميعاً
اما نحن، فما الذي اصابنا حتى يبدو سلوك حكامنا المجنون عاقلا في نظر العالم؟
لماذا لا يريدون من ثوار تشرين القصاص من هؤلاء الحكام المجرمين الذين يكفرونهم ويقتلونهم؟

كتب شاعر البلاط الملكي البريطاني ايام الملكة فكتوريا الفريد تنيسون 1809-1892 في احدى قصائده السياسية يقول: "خمسون عامًا من أوروبا خير من دورة الزمان في كاثاي (الصين) " وكان يعبر عن تفاؤل إنجلترا بالتقدم العلمي والصناعي في القرن التاسع عشر وسخطها من السياسات الجامدة والرجعية للصين كما يقول النقاد.
وقد ترجمها العرب في العشرينات:
خمسون عاما من حياة اوربا خير من دورة شمسية في غيرها – (وفي نهاية المقال النص بالإنكليزية لمن يرغب في ترجمته بما هو افضل)
ولو ان تنيسون عاش في زماننا لما تردد في تغيير هجائه من الصين الى العرب، وسيتفق معه الملايين دون تردد وربما سيلحنونها كأغنية سياسية تطرب الجماهير
وبعد قرن من الزمان على قصيدة تنيسون قال الرئيس جيمي كارتر في احدى خطاباته:
(هناك عدو خارجي اجنبي يناصبنا العداء، يصوره رسامي الكاريكاتير عادة في صورة عقال عربي، وعلى الشعب أن يقدم تضحيات، ولو لم نواجه التهديد فلن تكتب لنا النجاة)
وقد اخترع الامريكان هذا العدو الورقي الكاريكاتوري التافه حتى يسيطروا على منابع النفط ومصادر الطاقة، وكان لهم ما ارادوا واكثر، وربما كان هذا الرئيس يفكر بعقال تلامذتهم الجلادين الذين ساعدوهم في الوصول الى الحكم والتسلط على اعناقنا، بالقائد الضرورة، او بالقائد الأسد، مثلا او بكلاهما، من يدري

المهم ان جحافل كارتر وخلفائه واجهت تهديد العقال وازالت الشرق الأوسط من خريطة الماضي والحاضر، وجعلتنا شظايا سلمت اعناقنا الى سطوة نظام المجرم بول بريمر والحرس الفاشي الإيراني، ولن يعود الينا بعد الان من بلادنا شيئاً، فالتدمير بالنفوس والعقول يفوق طاقة البشر لترميمه، فهذه حرب لا يمكن لنا تحقيق النصر فيها.
فقد اصابنا كل هذا بالجنون؟

Better fifty years of Europe than a cycle of Cathay - Tennyson