في سوق العفاريت..

عبد الغني سهاد
2020 / 11 / 24

قصة قصيرة ..!
على الجدار وراء موضع الجلسة كتب مايلي (هذا قلبي مفتوح يحمل الكثير من الحيوانات وقليل من البشر..)..في الاصل صاحب الجلسة ليس هو كاتب هذا الشعار..ولا غيره من الفراشة المتناوبين على موضع الجلسة..وليس في مقدور احد منهم ان يحمل قطعة الجبص او الفحم ليكتب مثل معاني هذا الكلام..جل الفراشة ومنهم الرجل الكهل المسمى العم مبارك لايعرفون الكتابة ولا القراءة ويستحيل عليهم فك ورسم الحرف على اي شيء كان..ورق او حجر او تراب..في المكان تتفرق احجار واتربة وازبال تغزو ارضية السوق ..ويحتاج لكي يكون سوقا محترمة الى النظافة والتنظيم..
ولا شك ان الفراش في عالم التجارة المهمشة وغير المهيكلة هو التاجر الجوال بسلعته من زنقة الى اخرى ومن درب الى اخر..لايؤدي الضريبة ولا يمكت في المكان طويلا..فهو عرضة الى الطرد والتهجير من حين لاخر..في الوقت الذي ينتظر فيه قدوم الزبون فهو في توجس و انتظار محموم لقدوم المخازنيةالذين يطاردونه من ركن الى اخر. في ازقة المدينة ..
العم امبارك..من هؤلاء الفراشة الذين خبروا البيع والشراء في اسواق كثيرة..لكنه كان يفضل التجارة في سوق العفاريت..!
في بيعه يقنع بالقليل..وبضاعته غير محددة..قد تكون احياتا اشياء تافهة كمقص قديم..او سكين يسكنه الصدأ من قبضته الى راسه..او دزينة من الوقادات التي اكل الدهر عليها وشرب..بكم يبيع ..باي سعر ابتغاه الزبون..احياتا عندما تحتد المساومة..يرفع عقيرته الى السماء..ويرفع صوته عاليا في وجه الزبون ليقول له….خدها في سبيل الله...في سبيل الله خدها واعطيني التساع..لن يكون غضبانا ولا مشوشا ليتبع كلامه هذا بابتسامة عريضة...تضطر معها ان تشتري منه بالسعر المناسب التي يطلبه لبضاعته..يترك بضاعته ويذهب بعيدا الى جلسات الفراشة المجاورون له..واذا ما اعحبته سلعة ونالت رضاه..يشتريها وياتي بها الى جلسته ليعيد عرضها للبيع...اذاما حرز فيها درهم واحد كربح..جديد..!
لا علم لي براسماله لكن بضاعته قليلة الثمن...يردد على زملائه..( التجارة هي لليهود..يكتفون بقليل من الربح المداوم..اما عريبان..لهم فقط في فتح الدلقوش والثرثرة في الكلام…)..وهذا الكلام منه حكمة ليس مصدرها المدرسة ولادربة على الكتابة والقراءة..لكنها من صميم التجربة في الحياة...هذا السوق ظهر فجأة على قارعة طريق بجانب حديقة حديثة نمى كالطحلب في فترة الوباء الطويلة ..
ففيه يغلب الصنف الطالح من البشر على ذلك الصالح ولا سبيل للمرء كي يتجنب السقوط في حبال اللصوص والمنافقين سوى الاسلح بالذكاء والحذر من كل حركة..وان لا يبالغ في منح ثقته لمن هب ودب من البشر الذين يترددون على السوق فهو بحر تارة هادئ..واخرى هائج..تلطم امواجه الصخور البعيدة..تنختها بما يرضيها..الغالب الله يقول العم امبارك من سرق لك كانه خبأ لك..فالحساب سيكون عسير في يوم الحشر..وسوق العفاريث ينقلب الى يوم الحشر ايام العطل الاسبوعية وغيرها..
كان العم امبارك عميد الفراشة في السوق يقدف بعبايته السوداء القصيرة على كتفه..ويقسم بالله ان لا يعود الى السوق..لكنه سرعان ما يحنت ..ويظهر في الصباح الباكر يرتب سلعته القديمة التافهة على الارض..لايضيع الفرصة لكل من لقاه ان يتحدث عن ابنه الوحيد..الذي يسوق سيارة اجرة..وعن امله في الحصول على رخصة سياقة شاحنة كبرى ..رموك مهما كلفه ذلك من مال وتداريب طويلة..ينقل عليها السلع والبضائع بحق من الشمال الى الجنوب..حينها كما يقول..سيتاجر في بضائع حقيقية..ولما سئل العم انبارك عن الموضع الذي سيعرض فيه بضاعته القادمة من الشمال...يرد بلهجة ساخرة ومتعالية..
طبعا..طبعا..لن اعرضها في سوق العفاريث..!..
سابحث عن سوق ما اينما كانت فيها يتردد الادميين..
هنا.في السوق . كتب احدهم شعارا جديدا..اسفل الشعار القديم..مايلي .
(قلبي سفينة نوح تحمل جحافل من انواع الحيوان وقليل من البشر….)....
انتهى..
2020

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير