تصاعد شعبيّة الحزب الدّستوري الحرّ.

عزالدين بوغانمي
2020 / 11 / 23

بعض الناس لا يفهمون سرّ تصاعد شعبية الدستوري الحرّ. ولا يفهمون مُحرّكات عودة النّظام السّابق. وقلّة الفهم هذه تدفع إلى نشأة ردود فعل مختلفة وتفسيرات خاطئة لهذه الظّاهرة. فثمّة من يتّهم دولًا أجنبية. وثمّة من يتّهم الشعب التونسي بضعف الذّاكرة. وكلّ يُدلي بدلوه. وكلّ إناء بما فيه يرشح.

سأُحاول، باختصار شديد، تفسير توسّع شعبية الدّستوري الحرّ، ارتكازًا على مثال الثورة الفرنسية وما آلت إليه، باعتبارها أكبر ثورة في التاريخ الحديث.

الثورات دائما وأبدا تسير وتتلوّن بالسياق الذي حدثت فيه. وليس هنالك ثورة تأتي بالديمقراطية وتقضي على الفقر مباشرة، بل الإصلاخات التي يفرضُها الثوّار هي التي تُؤدّي إلى الديمقراطية، وتفتح الباب للإصلاحات الجذريّة التي تُغيّر حياة الناس نحو الأفضل. وإذا فشلت تلك الإصلاحات ولم تتمّ الاستجابة لمطالب الكتلة الرئيسية التي أسقطت النظام القديم، فإنّ هذا الأخير سيعود بأكثر قوّة، وأكثر دموية. وحالة الثورة الفرنسية خير مثال.

فماذا حدث في فرنسا آواخر القرن الثامن عشر وطيلة التاسع عشر؟
ربما يعتقد البعض أن الثورة الفرنسية التي جاءت بقيم جديدة، والتي غيّرت لتغيير وجه العالم، كانت مجرّد انتفاضة أطاحت بالملك، وبعد ذلك دخلت فرنسا في عصر الديمقراطية! لا، لم تكن الأمور بهذه البساطة. فبعد اندلاع الثورة سنة 1789 والتي كان الفقر سببها الرئيسي، انهار النظام الملكى، وأُعلنت الجمهورية في عام 1992، وأعدم الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانات بعد سنة من ذلك. وصعد روبيس بيير للسلطة، وبدأ ما سُمّي "عهد الإرهاب" الذي قُتل خلاله ما يقارب ستة الاف إنسان. وانتهى هذا العهد باعتقال روبيس بيير وإعدامه مع مئة من مُعاونيه.
وفي عام 1799 وصل نابليون إلى سدة الحكم. وسرعان ما أعلن نفسه إمبراطورا. وفي عام 1814 انهارت ملامح الجمهورية بالكامل. وعاد النظام الملكي بشكل سافر شديد الوضوح مع لويس الثامن عشر (أخو لويس السادس عشر).
في سبتمبر 1830 اندلعت ثورة أخرى وصل على إثرها لويس فيليب للسلطة. وتواصل الحكم الملكي حتى اندلعت ثورة 1848 وأعلنت الجمهورية الثانية. والتي سقطت بعد ثلاثة سنوات فقط، لأن نابليون الثالث أعلن نفسه إمبراطورا مثلما فعل عمّه نابليون الأول.
في عام 1871 اندلعت الثورة العُمّالية الأولى في التاريخ، التي تُعرف بكومونة باريس. ولكنها حوصِرت وقُمِعت بوحشيّة، وعاشت فرنسا بسبب ذلك فترة فوضى وعدم استقرار، أدّت، مع عوامل أخرى، إلى اندلاع الحرب الفرنسية البروسية (1870- 1876). وما أن انتهت الحرب حتى أُعلنت الجمهورية الثالثة التي استمرت حتى سقوط فرنسا على يد هتلر عام 1940، وإعلان حكومة فيشياي. وكما هو معروف، سقطت هذه الحكومة الموالية للألمان بعد أربعة سنوات، لما انهزمت النازية ورجعت حكومة فرنسا الحرة من لندن. ووضعت الدستور الجديد عام 1946 الذي أسّس الجمهورية الرابعة. ومع ذلك، وبسبب المشاكل العديدة الناجمة عن مخلفات الحرب العالمية الثانية، وكذلك بسبب الثورة الجزائرية، سقطت الجمهورية الرابعة عام 1958، وأُعلنت الجمهورية الخامسة التي أتت بالجنرال ديغول للحكم.

ماهي الخُلاصة التي أردت الوصول إليها من خلال عرض الأحداث التي تلت الثورة الفرنسية؟

قلنا في بداية هذه الورقة بأن الثورة الفرنسية الأولى سنة 1789 كان مُحرّكها الأساسي هو الفقر. وبسبب فشل حكومات ما بعد الثورة في حلّ مشكلة الفقر، عاد النظام الملكي بأكثر دمويّة وأكثر بشاعة. واستمرّ الصراع لمدّة قرن من الزمن.

وهذا يعني أنّ الثّورة التونسية، كغيرها من الثورات إذا أخفقت في إجراء إصلاحات عميقة تطال بنية النظام السياسي، وتطال منوال التنمية على نحو تتغيّر فيه حياة الناس إلى الأفضل، لا تُنتج ديمقراطية، بل تنتج إمّا حربًا أهليّة، أو نظامًا سلطويًا أسوأً من النظام السابق.

ماذا حدث عندنا؟
لو أعدنا شريط الأحداث إلى 2011، لرأينا أنّ الثورات وأولها الثورة التونسية، اندلعت بسبب الفقر والبطالة وغياب التنمية، ورفعت شعار الديمقراطية والدولة المدنية. لكنّ الحزب الذي وصل إلى الحكم في 23 أكتوبر 2011 هو حزب الإسلام السياسي ذو الخلفية الشمولية، والذي لا يحمل مشروعا للتنمية ومحاربة الفقر، بل ايتمرّ في سياسة إقتصاد السّوق التي ثار ضدّ نتائجها الشعب. ولا يُؤمن بالحكم على أساس توحيد المجتمع، ومبدأ المواطنة كمنظم للعلاقة بين الدولة وسكّانها، بل على أساس هويّاتي ضيّق يقسّم المواطنين، ويضرب الاستقرار، ويمنع التعاون على إنجاز الإصلاحات الجوهرية. وهذا عجّل في إجهاض أحلام الناس الذين خرجوا ضدّ النّظام السابق للمطالبة بالحرية والعيش بكرامة. وأجهض حلم الدولة المدنية. وبطبيعة الحال، كلّ هذه الأمور أعطت الفرصة لعودة النظام السابق بكلّ سهولة، لأنّ الأغلبيّة السّاحقة تضرّرت من سياسات الدولة بعد 14 جانفي. وهي أغلبية شعبية ليس لها القدرة على تخيّل نظام آخر أفضل من نظام الإسلام السياسي إلّا نظام بن علي. وستجد هذه الأغلبية الشعبية كلّ الدّعم من النُّخب التي تضرّرت من الثورة، سواء تلك العناصر التي فقدت وظائفها العليا في الدولة، أو التي فقدت مصالحها الاقتصادية وامتيازاتها ومنافعها التي كانت تتمتّع بها قبل الثورة.

وبهذا المعنى، علينا أن نفهم أنّ استمرار تصاعد التّعاطف مع الدستوري الحرّ، هو أمر موضوعي، وثمرة طبيعية للسّياسة التي انتهجتها حركة النهضة وحلفائها طيلة السنوات الماضيةّ. وكذلك هو نتيجة طبيعية للسّياسات القاصرة لكلّ القوى اليسارية والجمهورية التي أخفقت في فهم الأولويات، وساهمت في إفساد نتائج الثورة بشكل لا يقلُّ سوءً وضررا على ما ارتكبته حركة النّهضة.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا