الاتّحاد العام التّونسي للشّغل مؤسّس الدّولة وحاميها.

عزالدين بوغانمي
2020 / 11 / 23

كلّ مواطن من حقّه أن يشتغل سياسة. وليس بالضرورة أن يكون فيلسوفا ولا طبيبا ولا مهندسا. ولكنه مطالب بأن يفهم التاريخ السياسي لبلاده على الأقل، حتى لا يتحول إلى مسخرة، ويشوه المشهد السياسي، وقد يلحق ببلاده اضرارا فادحة بسبب الجهل.

كل بلاد عندها مميزات تحكم تاريخها السياسي. ومع مرور الوقت، تتحول تلك المميزات إلى ثقافة مختزنة ومستبطنة، إلى قيم عامة، إلى أركان راسخة في أعماق المجتمع تشد سياسته وترافق اتجاه التغير فيه ،،، وهكذا.

مثلا، هنالك دول للعسكر فيها، دور مركزي في الاستقلال، أوهي دول بناها العسكر ووضع أساسها وحجرها الأول. ولذلك، ورغم أن نظام هذه الدول جمهوري ظلت الموسسة العسكرية لاعبا رئيسيا وذات اليد الأطول في مسار تلك البلدان، مثال ذلك "تركيا"، "الجزائر" و "مصر"، و"الباكستان" إلى حد كبير.

نحن في تونس تاريخنا السياسي عنده ما يميزه أيضا. بحيث بدأت بوادر الحركة النقابية آواخر القرن التاسع عشر. ثم انتظمت وتمأسست وافتكت استقلالها عام 1925 ، ومباشرة دخلت في الصدام والمواجهة مع المستعمر. بل أنها كانت النواة الأولى للحركة الوطنية الاستقلالية المتجذرة، ولاحقا ستمثل قاعدتها الشعبية وخزانها البشري الأول..
في خضم إنفجار المقاومة عام 1952 ، تم نفي قيادة الحركة الوطنية وسجن عدد كبير منها، وبقي الآتحاد العام التونسي للشغل شوكة في حلق المستعمر وعلى رأسه الأمين العام فرحات حشاد الرجل الموثر والمصمم على تأجيج المقاومة وقيادتها وطرد المستعمر. وما كان بإمكان المستعمر الفرنسي القدرة على سجنه أو إبعاده بسبب الحصانة التي اكتسبها في الأوساط النقابية العمالية في الولايات المتحدة الأمريكية و"العالم الحر"، فتخلصت منه فرنسا بالاغتيال.

بعد ذلك، وخلال انفجار الصراع داخل حزب الدستور، تدخل إتحاد الشغل، فمالت الكفة في صفاقس حيث مال الآتحاد وحسم الأمر لصالح بورقيبة.
مباشرة بعد الاستقلال، تبنت أول حكومة البرنامج الاقتصادي الذي اقترحه الآتحاد بالكامل.
ومنذ ذلك الحين كان الاتحاد قوة بناء وصمام أمان وطني في كل الأوقات والظروف. وكان له دائما وأبدا المكانة المركزية في كل المعارك الآجتماعية والسياسية التي شهدها البلد، دون أن يطمع في السلطة والحكم؛ بل كان بمثابة الأب والحارس للمسألة الاجتماعية وللسلم الأهلي وللسيادة الوطنية.

لكل هذه الأسباب، ورغم فواتير الدم الباهظة، خرج اتحاد الشغل منتصرا مرفوع الرأس في كل المعارك التي خاضها سواء ضد المستعمر، أو ضد السماسرة والخونة الذين حاولوا إهانة الأجراء وسرقة قوت التونسي وقوت أطفاله. بحيث تأتي حكومات وتسقط أخرى، وتجيء أحزاب وتذهب أحزاب، وتمر السنين والعواصف، واتحاد الشغل ها هنا باق، مثله مثل جبل وسلات ونهر مجردة وزيتون الساحل. فبصراحة إنه من باب الجهل والسذاجة أن يقف شاب من مواليد اواخر السبعينات ويقول :"الآتحاد لا دخل له في السياسة" !
هكذا؟
يعني أطفال يتدخلون في السياسة ويتقلدون حقائب وزارية، واتحاد الشغل مخزن تاريخ الكفاح، وأحد جبال تونس العالية لا يتدخل في السياسة، ويبقى يتفرج في البلاد وهي سائرة نحو الهاوية؟
هكا؟

أنا أطالب الإخوة الأمين العام (نورالدين الطبوبي)، والأمين العام المساعد المكلف بالتكوين النقابي والتثقيف العمالي (محمد المسلمي)، والأمين العام المساعد المكلف بقسم الدراسات والتوثيق (أنور بن قدور)، تنظيم أيام دراسية مجانية حول التاريخ السياسي لتونس الحديثة لأعضاء الحكومة الذين لم تتجاوز أعمارهم 55 سنة، ولمجلس شورى حركة النهضة كاملا دون سقف عمري.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا