أمراض.. أمراض.. أمراض!

محمد عبد المجيد
2020 / 11 / 23

أينما وليـّـت وجهك الآن التقيت مرضى أو سمعتَ أخبارَهم، أو عرفتَ أنَّ أحباباً، وأقاربَ، وأصدقاءً، وزملاءَ، وجيراناً، ومعارفَ أصابتهم أمراضٌ، وأصبحوا زوّارًا دائمين لدى الأطباءِ، وضيوفاً على غير رغبتهم في مستشفيات، ومصحاتٍ، وعيادات.
قد أكون مخطئا لأنَّ القريبين من عُمري هم الأكثر عُرْضة للأمراض والعدوى والإصابات والضعف؛ لكن الحقيقة أن الأمراض أصبحت عمياء تصيب من يقف في وجهها، وتتسلل إلى أجساد ضعيفة وقوية، مُسِنّة وشبابية، تحرسها مقاومةٌ داخلية أو تُعَرّيها عوامل خارجية من فقر ، وفيروساتٍ، وميكروبات، وتلوثات، وأخطاء طبية.
أكثر المكالمات الهاتفية عن المرض والمستشفى والطبيب والموت والخوف ثم تنتهي بأدعية متفائلين أو يائسين لعل السماءَ ترحم سكان الأرض.
عبقري هذا الإنسان المخلوق من طين، والمُحارِب أو أو المُحارَب منذ مولده وحتى مماته ضد الشر، والحروب، والظُلم، والإيذاء، والغدر، والأوبئة، والكوارث الطبيعية، والفقر، وسطوة ذوي النفوذ عليه من سلطة و.. مال.
عبقري هذا الإنسان الذي وُجِدَ على الأرض على دين لم يقُمْ باختياره، ومذهب متصادم مع كل المذاهب الأخرى، وعقيدة إذا خرجتْ عن المنطق؛ سقطتْ في العادةِ، والعادةُ كالرمال المتحركة تظن أنك على وشك الخروج منها، فإذا بك تغوص في قاعها دون أن تدري.
عبقري هذا الإنسان الذي يستمد إيمانه بالحياة من حدسه، وتمسكه برؤى من يثق فيهم، ويلجأ إلى الله وهو مؤمن بأنه، سبحانه، أقرب إليه من حبل الوريد، ويستجيب لدعائه قبل أن يتفوه به.
عبقري هذا الإنسان الذي كان منذ آلاف السنين يجابه وحوشاً مفترسة، ويحارب حيوانات وقوى الطبيعة وضرباتها الموجعة في البحار والبراكين والزلازل والأوبئة قبل اكتشاف العقل والفكر والبحوث لعلوم جعلته مساوياً في القوة، في أحيان كثيرة، لعدوان طبيعي عليه من كل مكان.
عبقري هذا الإنسان الذي استبدل بالحيوانِ الوحشي الإنسانَ الوحشي وهو أشدّ شراسة وافتراسا؛ فالحيوانُ يفترس إذا جاع، والإنسانُ يفترس عندما يشبع!
عبقري هذا الإنسان الذي تتكالب كل الفرق والمذاهب والعقائد والأديان والأيديولوجيات والنظريات على استبعاده عن الفرق الناجية؛ فيقضي عُمرَه كله وهو يحاول اقناعَ الآخرين أنه منهم.
عبقري هذا الإنسان المُتهَم من السُلطة والقضاء والشرطة والرأسماليين والتيارات السياسية والدينية حتى لو عزل نفسه في أحد البروج المشيّدة، فالإنسانُ لا يترك أخاه الإنسانَ يبتهج بالسعادة، ويفرح بالسلام، ويقترب من الملائكة.
ومع كل هذا لا يخلو يوم، أو ساعة من نهار أو ليلٍ إلا وقد سمع، أو علم، أو عرف، أو تألم، أو توجع بأمراض غيره فضلا عن أمراضه التي يتحملها راضيا مرضيا، أو غاضبا شاكيا، أو حائرا عن سبب حياة لم يُستَشَرْ فيها قبل سقوطه من بطن أمه!
يوم القيامة سيكون لدى الإنسان الكثير من وجهات النظر المقبولة وهو يقرأ حسابَه أمام رب العزة!
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 2 نوفمبر 2020