الإستراتيجية الأمريكية بقارة آسيا

الطاهر المعز
2020 / 11 / 22

الإستراتيجية الأمريكية بقارّة آسيا:

يمثل هذا المقال الجُزْءَ الثّاني من دراسة عن أساليب الهيمنة الأمريكية في البلدان الواقعة تحت الهيمنة، وتناول الجزء الأول الإستراتيجية الأمريكية في أمريكا الجنوبية، فيما يتناول هذا الجُزء الثاني "أساليب الهيمنة الأمريكية في آسيا"، ويتطرق إلى دَوْر الصّين كقوة إقليمية وعالمية، في قارة تضم مستعمرات وقواعد أمريكية عديدة، وحُلفاء من الوزن الثقيل، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وفي المقال عديد الإشارات إلى دَوْر الهند التي تحولت من صف الدول المناهضة للإمبريالية إلى صفوف القوى الدّاعمة للإمبريالية الأمريكية، بل أداة لها في منطقة المحيطَيْن الهادئ والهندي، وقارّة آسيا...

وضع غير هادئ، في المُحيطَيْن الهادئ والهندي:
لم تبدأ الإستفزازات أو السياسات "المُتَشَدِّدَة" الأمريكية تُجاه الصّين، مع الرئيس "دونالد ترامب"، بل بدأت قبل ذلك بسنوات، واتّضَحَتْ بتنفيذ باراك أوباما، بدعم قوي من عشيرة آل "كلينتون"، مُخَطّطَ مُحاصرة الصّين بنحو 60% من حجم قوات جيش البَحْر الأمريكي (رأس حربة الترسانة العسكرية الأمريكية)، ومضايقة حركة التجارة عبر المَمَرّات المائية المُحيطة بالصّين، وتَعزّزَ الحلفُ الأمريكيُّ بعد ضَمّ فيتنام وعودة الجيش الأمريكي إلى قاعدة "دانانغ" البحرية (بعد 45 سنة من هزيمة الجيش الأمريكي في فيتنام)، وبعد انضمام الهند إلى الحلف الإمبريالي الأمريكي والصهيوني، وللهند أهميتها الدّيمُغرافية، وأهميتها ضمن دول "الأطراف" (أو "المُحِيط")، فهي من مؤسِّسِي حركة عدم الإنحياز، وعضو هام في مجموعة بريكس التي تأسست بهدف إنشاء قُطْبٍ ثاني في مواجهة الهيمنة الأمريكية وأدواتها، مثل صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، ومن أهداف المجموعة: زيادة تعاون بلدان "الجنوب" فيما بينها، وتَغَيّرات المُعطيات، إثرَ انحياز الهند للإمبريالية الأمريكية، وكذلك البرازيل منذ انتخاب "بولسونارو رئيسًا، لتصبح مجموعة "بريكس" في حالة وفاة مُؤَجّلَة الإعلان...
كانت الهند من مؤسِّسِي حركة عدم الإنحياز، سنة 1955، وقبل ثلاثة عُقُود كانت لا تزال حليفة للإتحاد السوفييتي، ويُزعجها التواجد العسكري الأمريكي في المحيط الهندي، لكن تغيرت الظروف وانهار الإتحاد السوفييتي، وأصبحت الهند من أصدقاء الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية، منذ أكثر من عقدَيْن، وبالخصوص منذ فاز حزب "بهارتيا جاناتا" الهندوسي اليميني المتطرف بأغلبية مقاعد البرلمان الإتحادي، وأصبح زعيمه "ناندرا مودي" رئيسًا للحكومة، سنة 2014، ليتعزّز التحالف مع الكيان الصهيوني، ومع الإمبريالية الأمريكية، وأصبحت الهند حاليًّا طَرفًا أساسيًّا في التّحالف العدواني الأمريكي بقارّة آسيا، ونشرت وكالة الصحافة الفرنسية، يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، خبرًا عن مناورات عسكرية في "خليج البنغال" (المحيط الهندي)، تحت إسم "ملبار"، بقيادة الجيش الأمريكي، وبمشاركة جُيُوش الهند وأستراليا واليابان.
سبق أن نشرت وكالة "رويترز"، في السابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2020 (قبل بضعة أيام من الإنتخابات الأمريكية)، خبرًا بشأن زيارة وزير الخارجية ( مايك بومبيو) ووزير الحرب (مارك إسبر) الأمريكِيَّيْن للهند "لتعزيز التحالف بين الولايات المتحدة والهند ضد الصين في المنطقة"، بمناسبة المحادثات السنوية مع وزير الخارجية ووزير الدفاع الهندِيَّيْن، وكتبت وسائل الإعلام الهندية والأمريكية أن وزراء الحُكُومَتَيْن ناقشوا "قضايا الأمن الإقليمي"، في ظل تعزيز العلاقات في جميع المجالات، وافتخر وزير خارجية الهند بأن حكومته "ستكون الشريك الأهم للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (...) خلال هذا القرن... لنواجه مَعًا العدوان الصيني في جبال الهيمالايا وفي المنطقة..."، ويتوقع أن تبيع الولايات المتحدة صواريخ متطورة للهند التي كان جيشها يتزود تقليديًّا بالسّلاح الرّوسي. أما النزاعات الحدودية بين الهند والصين فإنها مستمرة منذ سنة 1962، وآخرها حوادث حُزيران/يونيو 2020، واستغلت الولايات المتحدة هذه المناوشات لزيادة التعاون العسكري، مع الهند، وبيع مزيد من الأسلحة والطائرات الحربية والصواريخ المتطورة، وتبادل المعلومات الاستخبارية والمزيد من المناورات العسكرية المشتركة، "لوقف التوسع الصيني"، بحسب وزير الخارجية الأمريكي، الذي شملت جولته الآسيوية الهند وسريلانكا وجزر المالديف وإندونيسيا وفيتنام، فيما كان الجيش الأمريكي يستفز جيش الصين، في المحيط الهادئ، وفي بحر الصين الجنوبي، وهي استفزازات متواصلة منذ سنة 2010، وتعاقدت قوات الأمن الهندية مع جيش الإحتلال الأمريكي، لتدريب وتأهيل قوات الأمن الأفغانية، لخلق توازن مع الصّين التي تمكّنت من التّغَلْغُل الإقتصادي والتّجاري في أفغانستان.
في السادس من تشرين الأول/اكتوبر 2020، ترأسَ وزير الخارجية الأمريكي، بعاصمة اليابان (طوكيو) لقاءً جمعه مع وزراء خارجية أستراليا والهند واليابان، لبحث "استراتيجية مواجهة الصين في المحيطَيْن الهادئ والهندي"، تبعه لقاء آخر، بعد شهر، عن بُعْد (بالصورة والصّوت)، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية (13/10/2020)، واتفقوا على تكثيف التعاون العسكري وزيادة المناورات العسكرية المشتركة، ورفع مستوى المناورات، ونفذت جيوش أمريكا والهند واليابان وأستراليا، مناورات عسكرية ضخمة، من 17 إلى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، في المحيط الهندي، شملت الغواصات والطائرات والصواريخ الحديثة، ويجدُرُ التّذْكير أن الولايات المتحدة بصدد إنشاء قاعدة عسكرية جوية وبحرية ضخمة، شمال أستراليا، المُستوطَنَة البيضاء، التي تشبه ظروف تأسيسها، تأسيس الولايات المتحدة وكندا ونيوزيلاندا، على الإبادة والمجازر ضد أهل البلاد الشّرْعِيِّين...
نشر الحزب الشيوعي الهندي (بفَرْعَيْهِ) بيانًا، يوم الجمعة 30 تشرين الأول/اكتوبر 2020، للتنديد "بالتحالف العسكري الأمريكي الهندي الذي تعزّز بعد اجتماع وزراء الحرب والشؤون الخارجية لحكومتَيْ الهند والولايات المتحدة... في أعقاب التدريبات البحرية المشتركة (ملبار) بين الشركاء الأربعة للرباعية الموجهة ضد الصين، وبعد توقيع اتفاقيات عديدة في مجالات التسلح والأمن والإتصالات والأنظمة الإلكترونية، ( وهي اتفاقيات تجعل) القوات المسلحة الهندية مرتبطة بجيش وأسلحة وتكنولوجيا يتحكم بها جيش الولايات المتحدة، وتجعل جيش الهند مرتبط بالخطط الاستراتيجية العدوانية الأمريكية، وهي اتفاقيات تُقَوِّضُ أمن وسلامة واستقلال الهند. أصبح الجيش الهندي يعتمد على الأسلحة والتكنولوجيا والأنظمة التي يسيطر عليها الجيش الأمريكي... لقد أصبحت السياسة الخارجية الهندية بالفعل أكثر اتساقًا مع المواقف الأمريكية، ضد المصالح الوطنية للهند، ويجب أن تواصل الحكومة المركزية التفاوض مع الصين لحل قضية الحدود وعدم اتباع الإستراتيجية الجيوسياسية الأمريكية في آسيا..."، بحسب البيان.

آسيا، اتفاقية التبادل الإقتصادي الشامل:
صرّح "جو بايدن"، يوم العاشر من آب/أغسطس 2020، أمام أعضاء "مجلس العلاقات الخارجية"، عندما كان مُرشّحًا مُحتمَلاً للرئاسة:
"عندما يتعلق الأمر بالتجارة، فإما أن نضع نحن خارطة الطريق للعالم أو أن نترك الصين تفعل ذلك، وبانسحابنا من الشراكة عبر المحيط الهادئ، منحناها الفُرصة ومَنَحْناها مركز القيادة، ما قد يُلْحِقُ الضّرر بأمننا القومي، وكذلك بعُمّالنا...
كانت فكرة الشّراكة عبر المحيط الهادئ جيّدة، وإن لم تكن تستجيب لكل طموحاتنا، لأنها تهدف الإتفاق على معايير للعمال والبيئة والملكية الفكرية والشفافية، ما يمكّن الولايات المتحدة من وحلفاءها من الحَدّ من تجاوزات الصين...
سوف أعمل على حَشْدِ أصدقائنا في كل من آسيا وأوروبا، من أجل وضع قواعد أو خارطة الطريق للقرن الحادي والعشرين، والضّغط، بصفة جماعية، على الصين ووضع حدٍّ لانتهاكاتها التجارية والتكنولوجية، وهذه الطريقة أكثرر نجاعةً من نهج الرئيس ترامب الذي رفع شعار (أميركا أولاً)، ليتحول هذا الشعار في الواقع إلى (أميركا وحدها)، ما يؤدي إلى تنفير حلفائنا وتقويض قوة نفوذنا الجماعي.
ستبدأ سياستي التجارية أيضاً في الداخل، من خلال الاستثمار في تقوية أكبر أصول لدينا، وهي الطبقة الوسطى. لن أُوَقِّعَ على أي اتفاق تجاري جديد حتى نقوم باستثمارات كبيرة لحماية عُمّالنا وبنيتنا التحتية..."، ويدُلُّ هذا التصريح على اتفاق الأطراف النّافذة في الولايات المتحدة على "ضرورة قيادة أمريكا للعالم"، وهو ما عبرت عنه "هيلاري كلينتون" بأن القرن الواحد والعشرين لن يكون إلاَّ أمريكيًّان ويتمثل جوهر مُخَطّط "القرن الأمريكي الجديد" في تصنيف أي حكومة، أو أي حركة سياسية، مُعارضة للهيمنة الأمريكية، برعاية الإرهاب، وعدم احترام حقوق الإنسان، وفرض سلسلة من "العقوبات" الاقتصادية ضد هذه الدول والحركات السياسية، بهدف إضعافها، وإثارة السُّكّان ضد هذه الحكومات، وهذه الحركات السياسية، لفتح الطريق أمام التّدخّل العسكري الأمريكي، واحتلال البلدان ونهب ثرواتها، وتجريدها من أي شكل من الإستقلالية.

في هذا المناخ، انعقد اللقاء الإفتراضي لقيادات مجموعة "آسيان" وأهم دول شرق آسيا، بين 13 و 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بمشاركة عشرة حكومات من مجموعة "آسيان" (إندونيسيا، ماليزيا، تايلاند، سنغافورة، فيتنام، الفليبين، كمبوديا، لاوس، ميانمار)، بالإضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاندا، والصين التي دفعت هذه البادرة بكل ثقلها، وبعد ثماني سنوات من المفاوضات واللقاءات والمُشاورات، وقّع ممثلو هذه الدّول الخمسة عشر (بدون توقيع الولايات المتحدة والهند)، يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، "اتفاقية الشراكة الإقتصادية الإقليمية الشاملة" ( أبيك أو - RCEP )، ما يؤَشِّرُ إلى أن الصّين تمكنت من إحداق شُرُوخ في الحلف الأمريكي، بالإضافة إلى مشروع "الحزام والطريق"ن الذي ضمّ دولاً لم تكُن في السّابق تُخالف أوامر الإمبريالية الأمريكية، بل ذهب الرئيس الصيني (يوم 15/11/2020) إلى التصريح بأن الصين أصبحت مُحَرّكًا للتجارة العالمية، وأنها تدعو إلى ضرورة الانفتاح بين الدول، في مواجهة الحمائية الأمريكية، وشجب الرئيس الصيني "زيادة الرسوم الجمركية والقيود على التجارة والقطاع التكنولوجي"، وشكّل توقيع هذه الإتفاقية انعكاسًا للنفوذ الإقتصادي والتّجاري المُتزايد للصين، في ظل الرّكود، والإنكماش والتّراجع على مستوى عالمي...

وُصِف هذا الإتفاق بأنه أكبر اتفاق تجارة حرة عبر العالم، يضم 15 دولة، يقطنها نحو 2,2 مليار نسمة، أو قُرابة 30% من سكان العالم ويُمثل اقتصادها نحو 29% من الناتج الإجمالي العالمي، و28% من التجارة العالمية، ولذلك اعتُبرت مُؤشِّرًا على تغير جيوسياسي هام، "تجري رِياحُهُ بما لا تشتهي سُفُن أمريكا"، خصوصًا بعد انسحاب الحكومة الهندية (سنة 2019) من المفاوضات، وتمكّنت الصّين من إظْهار مُرُونةٍ جعلت هذه الإتفاقية أكثر جاذبيةً من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، أو الإتفاقيات التي تفرضها الولايات المتحدة، أو الشراكات الأخرى، وتسعى الصين إلى تحويل هذه العلاقات إلى أُطر واتفاقات مستدامة، عبر قُروض واستثمارات في البُنية التّحتية، وتكنولوجيا الإتصالات، في مقابل التشديد الأمريكي، كما تمكّنت الصين من ترسيخ قواعد التعاون بين دول آسيا، ليصبح أمراً واقعاً، يمنع أي إدارة أمريكية من استبْعاد الصّين، أو من فَرْض شروط الاتفاقيات التي كانت لا تخدم سوى مصالح الشركات الكبرى العابرة للقارات، ذات المَنْشَأ الأمريكي.
لهذه الأسباب انضمّت دول حليفة للولايات المتحدة (اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية )، رغم التّحذيرات الأمريكية المُبَطّنَة، إلى هذه الإتفاقية التي بادرت بها الصين، والتي ترمي (الصين)، من خلالها، إلى تحفيز العلاقات التجارية مع أوروبا، والتعجيل بتوقيع الإتفاقية الشاملة الصينية- الأوروبية للاستثمار، كبديل لاتفاق الشراكة عبر الأطلسي للاستثمار والتجارة ( TTIP ) بين الولايات المتحدة وأوروبا، التي وقّعتها إدارة "باراك أوباما"، وأَلْغَتْها إدارة "دونالد ترامب"...

نتائج سياسة الغَطرَسَة الأمريكية:
تُشكّل هذه الإتفاقية أول اتفاقية تجارية تجمع قُوى آسيوية مُتجافِيَة، مثل الصين وكوريا والجنوبية واليابان (التي استعمرت كوريا والصين)، وهي خطوةً إضافية تُحقّقُها الصّين في إنجاز مشاريعها متوسّطة وطويلة المَدَى، والتي بدأتها بتَمْتِين العلاقات الإقتصادية والتّجارية مع بلدان آسيا، لتقويض سياسة الحَظْر والحصار والعقوبات الأمريكية، وللإلتفاف على مشاريع الهيمنة الأمريكية، التي تمر عبر عزل الصّين عن محيطها الآسيوي، وعن بُلدان "المُحيط"، وأفشلت الصين هذه المُخطّطات، رغم بعض النّجاحات الأمريكية، في بُلدان عُرِفَتْ بنضال زُعمائها التاريخيين ضد الإستعمار والإمبريالية، مثل الهند وفيتنام، وأصبحت الصين شريكًا تجاريًّا طبيعيًّا ورئيسيًّا لمعظم بلدان شرق آسيا، ما يُيَسِّر على الصّين تحقيق تقدّمٍ سريع في مشروعها الإستراتيجي "مبادرة الحزام والطريق"، وهو مُخطّط يتجاوز شرق آسيا، ليصل إلى وسط وغرب آسيا، ثم أوروبا، وللتذكير فإن خطة "الحزام والطّريق"، بدأت بتطوير شبكة من الممرات الاقتصادية ومن الموانئ البحرية، والمناطق اللوجستية، والمراكز المالية ، وشبكات الإتصال، وما إلى ذلك، واستغلت خروج الولايات المتحدة من "اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ"، سنة 2017، وكانت هذه الإتفاقية بمثابة الذّراع التجارية لحلف شمال الأطلسي، لتُكثف جهودها من أجل الترويج لشعار "التجارة بين الآسيويين"، وبالمناسبة عزلت الحكومة الهندية بلادها للترك المجال للصين...
من جهة أخرى، أدّت سياسة الغَطْرَسة الأمريكية إلى توسيع رُقعة الأعداء (الحقيقيين أو المُفتَرَضِين)، ما اضطرّ روسيا إلى قُبُول شُرُوط الصّين (التي رَفَضَتْها طيلة عِقْدٍ كامل)، وتوقيع عُقُود شراكة استراتيجية بين روسيا والصين، لتعزيز العلاقات الإقتصالدية، والتّبادل التجاري بين البَلَدَيْن، عبر حُدُودِهما المُشترَكَة، والبالغ طولها 4300 كيلومترًا، ويجْدُر التذكير أن روسيا والصين عُضْوان في "منظمة شنغهاي للتعاون" التي تهتم بالتنمية الإقليمية، تأسست في الخامس عشر من حزيران/يونيو 2001، وتضم ثماني دول (روسيا والصين وأوزبكستان وكازاخستان وقيرغستان وطاجيكستان وباكستان والهند)، ولكن شراكتها تمتد إلى بلدان آسيوية أخرى عديدة، طلبت العضوية، أو شراكة مُتقدّمة، مثل أفغانستان وإيران وبيلاروس ومنغوليا ، وأرمينيا وأذربيجان وتركيا وسريلانكا وكمبوديا ونيبال، وصَرّح الرئيس الصيني (العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2020)، خلال جلسة مجلس دول منظمة شنغهاي: "يجب علينا أن ندعم بقوة البلدان الأعضاء من أجل تعزيز البرامج السياسية المحلية والاستقرار الاجتماعي، والوقوف بحزم في وجه القوى الخارجية التي تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء تحت أي ذريعة كانت "، ودعا إلى تطوير الوساطة لحل الخلافات بين الدّول الأعضاء، ورفض تدخّلات القوى الخارجية (أي الولايات المتحدة)، وأعلنت روسيا التي استضافت اللقاء عبر وسائل الإتصال السّمعية والبَصَرية، أن ستة عشر دولة طلبت الإنضمام لمنظمة شنغهاي للتعاون...

خَلْفِيّة تاريخية:
تُشير معظم البحوث التاريخية إلى الحروب الأمريكية الإسبانية، وإلى هزيمة الإستعمار الإسباني في الفلبين،/ بنهاية القرن الثامن عشر، كبداية للحضور العسكري الأمريكي في هذه المنطقة من آسيا، لكن، بدأت هيمنة البحرية العسكرية الأمريكية، بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، منذ سنة 1783، وفي غربي حوض البحر الأبيض المتوسط، منذ بداية القرن التاسع عشر، لذا فإن الطّموحات العسكرية وُلِدَتْ مع ميلاد دولة الولايات المتحدة، لكن هيمنتها على البحار، وعلى معظم مناطق العالم (أوروبا الغربية وآسيا، فضلاً عن أمريكا الجنوبية) تعزّزت بعد الحرب العالمية الثانية، بعدما دَمّرت الحرب أوروبا والإتحاد السوفييتي واليابان...
عاد الإهتمام بمنطقة جنوب وشرق آسيا، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وبعد صُعود الصين كقوة اقتصادية عالمية تُنافس الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أقَرّت إدارة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" تطويق الصين، وتعزيز التعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وتايوان، حتى تخضَع الصّين للنّفوذ الأمريكي، ولكن الصين لم تخضع، بل ابتكرت خططًا تُخْرِجُها من الطّوق الأمريكي، فكثّفت تعاونها الإقتصادي والتجاري مع أنظمة ليست صديقة لها، بل تضم بعض البلدان قواعد عسكرية أمريكية ( أستراليا وكوريا الجنوبية والفلبين وتايلند واليابان...)، خصوصًا بلدان منظمة "آسيان"، وقدّمت العديد من المبادرات الإقليمية التي حازت اهتمام دول المنطقة، وساهمت في إضْعاف النّفوذ الأمريكي، الذي كان (ولا يزال ) قَوِيًّا منذ القرن التاسع عشر، بل انخرطت المخابرات وأجهزة الدّولة الأمريكية، بشكل مُباشرٍ، في تنظيم الإنقلابات ضد الرئيس سوكارنو في إندونيسيا، وإبادة نصف مليون من الشيوعيين، والمتعاطفين معهم، في أندونيسا، وارتكبت الولايات المتحدة مجازر مُماثلة في ماليزيا، سنة 1965، ومثلت هذه الإنقلابات وتغيير أنظمة الحُكْم بالقوة (الخارجية) سياسة قَارّة للولايات المتحدة، لا تزال تُطبّقُها في أمريكا الجنوبية، كما طبّقتها في العراق وسوريا وليبيا، مع تخريب البلاد، ونهب ثرواتها، ونَظّمت الولايات المتحدة انقلابات أطاحت بالأنظمة في الفلبين ولاوس وفيتنام وكمبوديا وغيرها، ما أدّى إلى عداء السّكّان المحلّيّين للإمبريالية الأمريكية، في منطقة آسيا والمحيطيْن الهادئ والهندي، وركزت الإمبريالية الأمريكية، خلال العُقود الأخيرة، على المعاهدات العسكرية وعلى اتفاقيات الدفاع مع الفلبين، وأنشأت حلفًا عسكريا عدوانيا في جنوب شرق آسيا، مع أستراليا وفرنسا ونيوزيلندا والفلبين وتايلاند وبريطانيا، وكوريا الجنوبية، واليابان، وتايوان، وغيرها، وهي تحالفات لقُوى غير متكافئة، تكون فيها الكلمة الفَصْل للإمبريالية الأمريكية...
أما الصين فقد ركّزت دعايتها على التبادل التجاري، والتنمية الاقتصادية والاستثمار في البُنية التّحتية، وغيره...

الدّور الجديد للهند ضمن استراتيجية الهيمنة الأمريكية:
خَطّطت وزارة الحرب الأمريكية (بالتعاون مع حكومة اليابان)، خلال فترة رئاسة "جورج بوش الإبن"، منذ سنة 2002، للإستفادة من موقع الهند في وسط قارة آسيا، لتحويل سواحلها إلى قواعد عسكرية أمريكية، فتكثّف التعاون العسكري، تدريجيا، منذ 2004، بين الولايات المتحدة والهند، وأصدرت أكاديمية الحرب الأمريكية وثائق، سنة 2005، تُشير إلى ضرورة تحويل الهند إلى مركز رئيسي للقوة العسكرية الأمريكية في آسيا، ووضعها في طريق التّصادم مع الصين، وأصبحت الولايات المتحدة الشريك الأكبر للهند (بدل الصين)، بدعم من ارتفاع حجم وقيمة مبيعات الأسلحة الأمريكية للهند خمسة مرات خلال الفترة 2013- 2017، مقارنة بالفترة 2008-2012، وعبّرت وثائق استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لسنة 2017، عن ضرورة دعم الهند (بما في ذلك عسكريا)، لتصبح شريكا استراتيجيا، وقُوّة موازية للصين، في آسيا، وربما في العالم، في فترة لاحقة، وعزّزت الهند علاقاتها مع حلفاء الولايات المتحدة (إندونيسيا وفيتنام وميانمار وسنغافورة والفلبين...)، وشاركت في مناورات مناوئة للصين، بقيادة الجيوش الأمريكية، وبمشاركة اليابان والفلبين وأستراليا، وارتفع عدد المناورات العسكرية المشتركة الأمريكية الهندية، وشملت كافة أنواع الجيوش (الجو والبحر والبر)، ومنحت الهند تسهيلات لجيش البحر الأمريكي في موانئها (في منطقة أندرا برادش، على سبيل المثال)، وشاركت البحرية الهندية في تنفيذ عمليات تجسس وتتبع السفن الحربية الصينية، لصالح البحرية الأمريكية...
يدّعي رئيس الوزراء اليميني المتطرّف "نانيندرا مودي" أن الهند سوف تكون "رائدة التصنيع والاندماج في سلاسل التوريد العالمية"، لكن ظهرت بعض الإعتراضات، خاصة منذ سنة 2016، على التوجّه السياسي للحكومة، الذي ضمّ الهند إلى تحالف أمريكي مُعادي للصين، في حين تعاني البلاد من ارتفاع عدد الفُقراء إلى حوالي ثمانمائة مليون، من أصل 1,3 مليار نسمة، وتفتقر البلاد إلى البنية التحتية، فيما يُعاني المواطنون من الإنقطاعات المستمرة للكهرباء، ومن تهالك وسائل النقل العمومي، التي تتجلّى في ارتفاع عدد ضحايا حوادث القطارات والسكة الحديدية، كما يعاني المواطنون من العمل الهش، ومن انخفاض معدّل الرواتب (مقارنة بمستوى الأسعار)، ومن نظام الرعاية الصّحّية الرديء ومن نقص المسكن اللائق وغير ذلك.
دخلت الولايات المتحدة والهند في ما يسمى باتفاقية الأجواء المفتوحة في كانون الثاني/يناير 2005، ونصت الاتفاقية على السماح بالطيران لأي شركة هندية أو أمريكية، بين أي مدينة في البلدين، وفي المقابل، أعلنت شركة طيران الهند عن طلب شراء 50 طائرة بوينغ 787 دريملاينر سنة 2005، رغم الشروط التي كانت أقسى من تلك الخاصة بطائرة إيرباص A380، التي اشترت منها الشركة 43 طائرة سنة 2004، وإلى جانب هذا التحول التاريخي من الهند إلى الولايات المتحدة، كانت العلاقات الهندية الصهيونية قد تعزّزت، بعد إعادة العلاقات الدبلوماسية سنة 1991. وأشارت بعض وسائل الإعلام في الهند إلى أن هذا الحدث يمثل مُؤَشِّرًا للتقارب مع الولايات المتحدة، وفي أسلول/سبتمبر 2003، سنة احتلال العراق، استضافت نيودلهي رئيس الوزراء الصهيوني، الجنرال "أرييل شارون".
رغم تغيير الأغلبية النيابية والحكومة، وعودة حزب المؤتمر إلى السلطة، سنة 2004، تَواصَلَ نُمُوُّ العلاقات العسكرية بين الهند والكيان الصهيوني، ورغم العلاقات الوطيدة بين عرفات وعائلة "نهرو/غاندي"، المهيمنة على الحكومة وعلى المجلس النيابي، لم يحضر في جنازته، سوى وزير الخارجية لتمثيل الهند، في حين تَعَزَّزَ تعاون الهند مع الولايات المتحدة في مجالات الأسلحة النووية والفضاء والتكنولوجيا العالية والأسلحة.
من ناحية أخرى ، وعدت الولايات المتحدة بإصلاح مجلس الأمن الدولي الذي سيسمح للهند باحتلال مقعد دائم ، لكن هناك عدة مرشحين: اليابان والبرازيل وألمانيا.
أصبحت الولايات المتحدة، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، الشريك التجاري والاستثماري الأساسي للهند، ففي غضون عشر سنوات، تضاعفت قيمة الصادرات الأمريكية ثلاث مرات، من 2,8 مليار دولار سنة 1992 إلى 6,4 مليارات دولار سنة 2002، وأصبحت الولايات المتحدة ثاني أكبر مستثمر أجنبي، بالهند، فيما تمر العديد من الاستثمارات عبر جزيرة "موريشيوس"، لأسباب ضريبية، وفتحت العديد من الشركات الأمريكية الكبرى فُروعًا تابعة لها في الهند، مثل "ماكدونالدس" و "دومِنوس" وبيزا هوت وببسي وكوكاكولا وريبوك ونايك وأفون، وغيرها... ومنذ سنة 2005، تستثمر شركات التكنولوجيا الفائقة (متعددة الجنسيات، ذات المَنْشَأ الأمريكي) في الهند، وتستغل وَفْرَةَ مهندسي الكمبيوتر، بأجور منخفضة للغاية، وعلى سبيل المثال، افتتحت شركة IBM فُرُوعًا في اثنتي عشرة مدينة في الهند، حيث تُشغّل ما يقرب من عشرة آلاف شخص، أما هوليت بكارد، فهي متواجدة في 120 مدينة هندية وتوظف عشرة آلاف شخص، وتعتَبَرُ الهند أكبر مُستفيد من الإستثمارات الخارجية لشركة "مايكروسوفت" الخارجية، وجعلت من مدينة "حيدر أباد" أحد أكبر المراكز العالمية لتطوير برامجها.
أنشأت جميع شركات تكنولوجيا المعلومات الأمريكية مراكز بحث وتطوير رئيسية في الهند، مثل "أوراكل" التي توظف 5000 موظف هندي في أكبر مركز لها خارج الولايات المتحدة، وكان مركز البحث في "حيدر أباد" رائدًا في تطوير "أدوب"، وبه وقع اختراع برنامج "أكروبات ريدر"، ولدى شركة "آبل" أيضًا مركز أبحاث في حيدر أباد، حيث وقع تصميم العديد من الإختراعات، فيما قَدّم مركز أبحاث وتطوير شركة "تكساس إنسترومنت" في "بنغالور" (الهند)، والذي يُشغّل حوالي تسعمائة مُهندس، 225 براءة اختراع، بالولايات المتحدة، مُخصّصَة أساسًا لرقائق الكمبيوتر، كما اختارت شركة إنتل مدينة "بنغالو"ر، لتكون مقر تطوير لوجستي لها بالهند، ويوظف مركز أبحاث وتطوير جنرال إلكتريك حوالي 22 ألف شخص، منهم 1800 مهندس، وسجّل المركز، بالولايات المتحدة 95 براءة اختراع.
أصبحت الهند كذلك مركزًا للمحاسبة، ومكتبًا خلفيًّا للعمليات المالية والحسابية للشركات الكُبْرى، وتقوم العديد من المصارف الأمريكية الكُبرى (أمريكان إكسبريس وسيتي بنك وغيرها) وشركات صناعة السيارات (فورد وجنرال موتورز) بعمليات المحاسبة في الهند، كما نما نشاط مركز الاتصال ( call centers ) في النمو، حيث تُشغّل أكبر شركة أمريكية في هذا المجال ( Convergys Corps )، ما لا يقل عن خمسة آلاف موظف في الهند...
هذه النشاطات العديدة لا تُمكّن الهند من التقدّم الصناعي والتّكنولوجي، فهي أنشطة خَدَمات، ومُناولَة وتعاقد من الباطن، بخلاف الصين التي طَوّرت قطاعات البحث، والصّناعة، والتكنولوجيا، لكن للهند أيضًا قاعدة صناعية، غير أنها لم تتطور بشكل يجعلها تُنافس الصين أو اليابان أو كوريا الجنوبية...
يعمل أكثر من مليوني هندي في الولايات المتحدة، وفاق عدد الطلاب الهنود الذين يدرسون بالولايات المتحدة علوم الكمبيوتر والتكنولوجيا المتقدمة، عدد الطّلاّب الصينيين، وهو الأمر الذي شَجّع الشركات الأمريكية العابرة للقارات، مثل "أوركل"، على الإستقرار بالهند، التي أصبحت الشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة في آسيا، حيث تعتمد الولايات المتحدة على الهند لمراقبة المحيط الهندي (لصالح الولايات المتحدة)، ومواجهة النفوذ المتزايد للصين.
منذ سنة 2012، وإثر قرار "باراك أوباما" و"هيلاري كلينتون" تركيز القوة العسكرية الأمريكية حول الصين، شرعت الولايات المتحدة في إنشاء مقاربات جديدة لمنطقة آسيا والمحيطيْن الهادئ والهندي، لتتمكّن من إقحام قُوى مَحَلِّيّة آسيوية في تسعير نار الحرب التي تُشعلها أمريكا، ضد الدّول التي حافظت على استقلالية قرارها، ورفضت الخُضُوع للهيمنة الأمريكية، وأعلنت، سنة 2018، إنشاء "ناتو آسيوي"، تتزعمه الولايات المتحدة، ويتألف من اليابان وأستراليا والهند وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وفيتنام، وهو ما أعاد طرحه وزيرا الحرب والخارجية الأمريكيّيْن خلال زيارتهما للهند، بنهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2020، وكذلك في "طوكيو"، خلال اجتماعٍ "الحوار الأمني الرباعي"، الذي ترأسه الولايات المتحدة، ويجمع الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، "لوضع حدّ لنفوذ الصّين المتنامي... ولحماية شركاء أمريكا من الاستغلال والفساد والإكراه من قبل الصين"، بحسب تعبير وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، الذي يريد أن يُعزّزَ دَوْرَ الهند، كجزء من استراتيجة الولايات المتحدة في آسيا، وأن تكون الهند محور الإستراتيجية الأمريكية ضدّ الصين، بهدف الحفاظ على هيمنتها العالمية...
تستخدم الحكومة اليمينية المتطرفة بالهند خطابًا قوميا، يدعي العمل من أجل تحقيق الإكتفاء الذاتي في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا، ولكن حكومة حزب "بهارتيا جاناتا" اليميني المتطرف تمنح الرأسماليين المُقَرّبين منها المال العام، ثم تستحوذ عليها الشركات الأمريكية، مثلما حصل لشركة "ريلاينس" الهندية (وأمثالها) التي سيطرت عليها الشركات الأمريكية، بعد رفع القيود التشريعية الهندية على نشاط الشركات الأجنبية، وبذلك ارتبطت "النّخب الحاكمة" والشركات التابعة لها برأس المال الأجنبي، والأمريكي بشكل خاص، وأصبحت شركات الإنترنت الأمريكية الكبرى، مثل: غوغل وفيسبوك ومايكروسوفت وياهو، التي تعتمد على تخزين بيانات المُستَخْدِمين، تستغل قدرات ومهارات المهندسين والفَنِّيِّين بالهند، ذوي الرواتب المنخفضة، لتزود وكالات الحكومة الأمريكية ببيانات المستخدمين، بالإضافة إلى مشاركة هذه الشركات الأمريكية في رأس مال الشركات الهندية مثل "ريلاينس"...
من جهة أخرى، يؤدّي نشاط شركات غوغل وفيسبوك، في الهند أو في غيرها، للتأثير على قطاعات اقتصادية أخرى، كتجارة التجزئة والتعليم عبر الشبكة والرعاية الصحية والمصارف، بالإضافة إلى تأثيرها في التوجهات السياسية للرأي العام، لأنها تقوم بتسويق خدماتها في الإقناع السياسي، خلال الحملات الإنتخابية، وتقوم بحَجْب المواقع التي تُعارض السياسات الأمريكية والصهيونية، ولهذه الشركات تواجد مَتِين في الهند (وفي بلدان أخرى أيضًا)، وأنشأت، بالتعاون مع شركات هندية، مُجمّعات إعلامية ضخمة، بهدف التأثير في الرأي العام داخليا، والإبقاء على تيارات اليمين المتطرف على رأس مؤسسات الدولة الإتحادية بالهند، وكذلك بث الدّعاية التي تجعل من الإمبريالية الأمريكية قلعة للحرية، ومهدًا للديمقراطية، وتُشكل الهند مُختَبَرًا نموذجيا، نظرًا لكثرة عدد السكان ولوجود مهندسين وتقنيين، يمتلكون خبرات كبيرة، ويتقاضون رواتب ضعيفة...

خاتمة:
أظْهرت أزمة 2020، وانتشار الفيروس التّاجي ووباء "كوفيد 19"، سرعة تأقلم الصّين، ودرجة تطورها، إذ تمكنت بسرعة من مُحاصرة الفيروس، ومن البحث عن ماهِيّتِهِ وأسباب انتشاره، وبدأت بِسُرعة في العمل على إنتاج لقاح، ما أدّى إلى شن الولايات المتحدة حملة ضدّ الصين، لتحميلها مسؤولية انتشار الفيروس، ولمُقاطَعَة لِقاحها، بدل الدّعوة لتعاون مختلف الدّول والمنظمات، من أجل إنتاج لقاح وإنقاذ ملايين البشر من الوباء...
أدّت السِّيَاسات العُدوانية للإمبريالية الأمريكية إلى تعزيز دَوْر الصّين في العالم، وإلى فشل سياسة فرض القُطْب الواحد، بقيادة الولايات المتحدة، وتعزَّزَ مشروع الصّين من أجل عالم متعدّد الأقطاب، وفي الواقع عاد العالم إلى مرحلة شبيهة بفترة "الحرب الباردة" (1945 – 1991) وأصبحنا نعيش في عالم ثنائي القطب، ولكنّنا انتقلنا من حرب باردة، إلى حرب فاترة، بسبب الإستفزازات العسكرية الأمريكية، وسياسة الحصار والحَظْر و"العُقوبات" التي منحت الولايات المتحدة نفسها حقَّ تسليطها على الدّول المُستقِلّة، خارج أي إطار دولي، وخارج الأمم المتحدة، التي أقْصَتْها الإمبريالية الأمريكية، منذ إطلاق الحرب ضد العراق وتخريبه ومُحاصرته ونهب ثرواته (بداية 1991)، وتعتبر الولايات المتحدة أن الأمم المتحدة انتهى دورها بانهيار الإتحاد السوفييتي، لتَقُودَ الإمبرياليةُ الأمريكيةُ العالم نحو جحيم الحُرُوب العدوانية التي لا تنتهي، ونحو هيمنة مُطلقة للشركات الأمريكية، ولِمُجَمّع الصناعات العسكرية الأمريكية، ولم تتمكن سوى الصّين من مُعارَضَة هذا المَنْحَى المُدَمِّر، ليس دفاعًا عن العالم أو عن الشعوب المُضْطَهَدَة، بل من أجل مصالحها الإقتصادية والإستراتيجية، ويبدو أن نظام الحكم في الصين قد تَهَيّأ للسياسات العدوانية الأمريكية، فأسّس، منذ سنة 2001 منظمة شنغهاي للتعاون، وأسّس اتفاقية الشراكة الإقتصادية الشاملة ( RCEP ) وهي أكبر منطقة للتبادل التجاري الحُر في العالم، وأقَرّ "مبادرة الحزام والطريق" منذ 2013، وعمومًا كانت منطقة جنوب شرق آسيا منطقة نفوذ أمريكي، قبل بضعة عُقُود، وأصبحت منطقة نفوذ صيني، رغم اصطفاف الهند وراء الإمبريالية الأمريكية...
حقّقت الولايات المتحدة إنجازًا هامًّا تمثل في انحياز الهند، خاصة في فترة حكم حزب "بهارتيا جاناتا" وزعيمه "نانيدرا مودي" الذي يترأس الحكومة، منذ 2014، وأصبحت الهند حليفًا استراتيجيًّا وعسكريًّا للإمبريالية الأمريكية، خاصة منذ 2018 (بالنسبة للتعاون العسكري)،
يمكننا الشعور بالغبطة المَشْرُوعة، كلّما أصاب الضُّعْف الإمبريالية الأمريكية، لأن ذلك يُؤثِّرُ حَتمًا في الكيان الصهيوني، والأنظمة الرّجعية العربية، ولكن قد تَدُوم فترة الإنحدار (وربما الإنهيار) عُقُودًا طويلة، بسبب القوة الإقتصادية والتكنولوجية والعسكرية الأمريكية، وإذا ما ضَعُف نفود الولايات المتحدة، أو هي انهزمت، ولم تَعُد قادرة على تهديد كوبا وكوريا الشمالية وسوريا وإيران والعراق وغيرها، فإن الصّين سوف تُصْبِحُ القُوّة الأكبر في العالم، فهل يُعيد ذلك اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، وهل يَضَعُ ذلك حَدًّا لاستغلال العاملين والكادحين، ولاضطهاد الشعوب والأمم؟
إن انهيار أي قُوة في الكون (الإمبريالية الأمريكية) لا يتم سوى بمقاومتها التي تُؤَدِّي إلى هزيمتها، وينطبق الأمر على الإمبريالية، بشكل عام، وليس الإمبريالية الأمريكية لوحدها، كما ينطبق على الكيان الصهيوني، وعلى الأنظمة العربية (وغير العربية)، وكُلّما نَظّم العاملون والكادحون والفُقراء والمُضْطَهَدُون صُفُوفَهُم، وقاوموا أعداءهم الطّبَقِيِّين والقَوْمِيِّين، اقتربت ساعة هزيمة الإمبريالية والصهيونية والرجعية، أما التعويل على الهزيمة التّلقائية للإمبريالية ولرأس المال وللأنظمة الرّجعية، فَوَهْمٌ وأضغاث أحلام...