الفضاء الجامعي التونسي : ركود قاتل

جاسر عنيبة
2020 / 11 / 22

في خضم جائحة الكوفيد 19 يبدو أن التغيرات التي طرءت على التعليم لم تقف عند حد التعليم المدمج , فبتغير ميدان التعليم من المادي للإفتراضي يجب مراجعة ميدان النضال الطلابي في نطاق هذه الأزمة.
هل من الممكن فتح أفاق جديدة لتجارب نضالية مختلفة نوعيا عن السائد؟
إذا إتخذنا الموضوع A و الموضوع B , و اتفقنا على انهما متنافرين لن نستطيع رؤية الجوهر الحقيقي للموضوعين إلا بإضافة موضوع ثالث C ليمنحنا فرصة لرؤية هذه الحقيقية فتصبح الأثار الجانبية للتنافر من هذه العدسة موضوع للشك بعد أن كانت من المسلمات المتفق عليها , و هذا ما يحدث نوعا ما في الساحات الطلابية التونسية لكن مع افتقار واضح للموضوع C , فالمجالس العلمية السنوية و الصراع الإيديولوجي الدائم بين الاتحاد العام التونسي للطلبة و الاتحاد العام لطلبة تونس خلق نوع من الاتفاق السلبي المجمع في سيكولوجية الطلبة أن لا وجود لبديل آخر C و هذا ما سبب بطريقة مباشرة في انهيار المخيلة الثورية إن وجدت. أصبحت المطالبة و المسائلة و حتى التفكير من جانب الطالب في وجه الإدارة الجامعية لا يستقيم إلا بتأمين طرف ثالث يمده بالمشروعية المطلوبة للإقدام على ابسط الأشياء , هذا التسلسل الهرمي للقوة ساهم و بشكل كبير في ضياع فردانية الفرد الثورية و الفكرية في الطالب و اصبح يواجه مأسسة الجامعة لتفكيره الحر من جهة و التبعية الملزمة من الطرف الثالث من جهة اخرى . السؤال المطروح هنا هو هل أن الوسائل و الطرق المشروعة إلى تضيف المشروعية للتحركات الفردية تستحق كل هذا العناء ؟
بإستعمال مصطلح " طرف ثالث " نقر بوجود نقاط مشتركة بين الإتحادين حتى و إن كان هذا مساس من قداسة التفريق المعمول به , نموذج العلاقة بين الاتحادين و الجامعة موجود في سلم مقياسي اكبر في تونس يتخذ عدة عناوين منها " الحرب على الفساد " , محاربة الدولة للفساد كفيروس خارجي يهدد الجهاز المناعي بينما أن الفيروس في حالة سبات في الأعضاء الحيوية للمضيف , الدولة العميقة لا تتأثر بمضادات حيوية تحقن في مضيف غيرها و تبقى الجهود الجبارة في مكافحة الفيروس مجرد مشاهد نستمتع بإنجازتها على المدى القصير. هذا هو الحال في الجامعة التونسية فالوسائل المشروعة للنضال هي وسائل تهدف لتحقيق غايات على المدى القصير جراء المنظور الضيق للنضال , فالوسائل الكفوئة للمدى الطويل لن توضف في مواجهة فروع المؤسسة بل في مواجهة المنظومة الأساسية للمؤسسة ككل .
الطالب اليوم في الجامعة التونسية مخير بين الحبة الزرقاء أو الحبة الحمراء ليواصل بها المشوار الجامعي , زرقاء كاليمامة صاحبت الفضل في انهاك تونس طيلة عشرة سنوات أو حمراء كالحلم الشيوعي الميت منذ واحدة وثلاثين سنة , إديولوجيات موروثة منذ التسعينيات لم ترى نور القرن الواحد و العشرين بعد حتى من باب التجديد الشكلي. فما المطلوب ؟ المطلوب لن يكون حبة اخرى ملونة بالأفكار و المواقف الثابتة المالكة لحامليها , المطلوب هو مزيد الرفع من وعي الأقلية الرافضة للوضع السائد , تكاتف هذه الأقليات و تطوير مهارتها المعرفية و النضالية في نطاق رؤية تقدمية جديدة تخدم حاجيات المجموعة , لا حاجة للتسميات التي لطلما رسمت حدود للتفكير و النشاط , لا حاجة للمشروعية إذا كانت سبب لعقم التجارب الشبابية , الجامعة بحاجة لساحة تمكن طلابها من تكوين علاقات جديدة فيما بينهم تهدف لتحقيق ذواتهم في إطار المبادئ الإنسانية الكونية للقرن الواحد و العشرين , أملا في تكوين ذكاء موسوعي مفقود في زوبعة التراكم الكمي للمعلومات. عند توفر هذه الاستحقاقات يمكننا بلورة شبه نموذج أولي للموضوع C المرجو تحقيقيه, ليصبح تجربة اجتماعية لا تنحصر في الأقلية المذكرة أعلاه فقط بل تشمل كل طالبي العلم من جميع المستويات التعليمية في تونس.