البطل الشعبي مشوها: محمد رمضان وتيار الاستلاب والإمارات

حاتم الجوهرى
2020 / 11 / 22

ظللت طوال الفترة الماضية وموضوع "صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية، أحذر وأقول إن "مستودع الهوية" العربي والمصري يختزن الضغوط التي تمارس عليه، وسينفجر مرتدا بالقوة ذاتها في لحظة ما.
فُتحت الأبواب ليوسف زيدان منذ نهاية عام 2015م؛ مختلقا الأكاذيب حول انتماء مدينة القدس العربي، وتاريخ المسجد الأقصى بها، ومزايدا على الفلسطينيين، ومهاجما صلاح الدين الأيوبي، والبطل أحمد عرابي.
وتواكب معه ظهور سعد الدين إبراهيم مروجا لمشروع زياراته إلى "إسرائيل"، والحرية في التطبيع معهم، وكأن المرارة قد زالت من الحلوق.
وكذلك خرج مراد وهبة في نهاية عام 2019م؛ مروجا لفكرة الاحتلال والغزو الأجنبي للعرب لأنهم من وجهة نظره عاجزون عن صنع التقدم والحضارة، ومبررا لزياراته المتكررة إلى إسرائيل.
وكانت آخر من ركبت قطار الخيبة أماني فؤاد من الجيل الأصغر، تواكبا مع اتفاقية التطبيع المعروفة باسم اتفاية "إبراهيم" بين الإمارات و"إسرائيل"، حينما كتبت في مديح الصهاينة وتقدمهم، وفي إرهاب الفلسطينيين وخطورتهم على الدول العربية!
كل هذا، تقريبا خمس سنوات كاملة من محاولات غسيل المخ الجماعي، باستخدام وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة وكل محاولات تشكيل الرأي العام، واستقطاب النخب القابلة للاستقطاب..؛ سقط في صورة واحدة!!
سقط عندما حاولت دولة الإمارات العربية المتحدة استغلال أحد النماذج السينمائية المشوهة التي صُنعت فيما بعد ثورة 25يناير، لمحاولة تقديم "البطل الشعبي" الذي ارتبط بالثورة في صورة البلطجي، وأقصد الممثل محمد رمضان الذي رتبت له الإمارات الفخ جيدا على ما يبدو، حين تم تصويره في صورة جمعت بينه وبين مغني "إسرائيلي" هناك في الإمارات، مع تعليق منه يقول: "ربنا خلقنا واحد"...! سرعان ما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.
حيث كان رد الفعل العاصف والغاضب هو ذلك المخزون الكامن في "مستودع الهوية" المصري والعربي الذي كنت أتحدث عنه طيلة الفترة الماضية، حيث رد عليه المصريون في رد فعل انتشر كالنار في الهشيم وضاعت معه كل محاولات تيار الاستلاب في خمس سنوات في لحظة (يوسف زيدان ومن تبعه).
إذ وضع البعض صورة الأسرى الصهاينة بعد حرب عام 1973م وقالوا هكذا يجب أن يتم التصوير مع "الإسرائيليين"، وبعضهم استعاد مواقف محمد رمضان المتكررة طوال الفترة اماضية، في محاولة لتشويه صورة "البطل الشعبي" الذي ارتبط بالثورة المصرية في عام 2011م، وسخر البعض من التسمية التي أطلقها على نفسه "نمبر وان"، والكثير من الناس تحدثوا بذكاء فطري عن هدف الإمارات من الأمر، ومحاولة استقطاب وإغواء شخصية صُنع له شعبية مفتعلة لتنتقل بحطاب الاستلاب للصهيونية والخضوع لها، إلى المستوى الشعبي، بعدما ظنت أنها أسست له "ظهيرا ثقافيا"!
بيت القصيد هنا، وليت البعض يتعظون، أنه حينما تتحرك عكس "مستودع هوية" الشعوب والتزاماته بحجة التنوير أو التقدمية أو العقلانية، أو توظيف أي حمولات ثقافية زائفة لتبرير الهزيمة والانسحاق أمام الآخر "والاستلاب له"، و"الانسلاخ عن الذات".. يكون رد الفعل كامن ومؤجل وأن "الحاضنة الشعبية" تمتص محاولات سحقها لحين من الزمن، لكنها تنتفض بشدة وقوة عند أول فرصة مناسبة للتعبير عن نفسها.
وهنا أعود للحديث عن "صفقة القرن" وفشل ترامب في البقاء حاكما لأمريكا فترة ثانية، "صفقة القرن" كانت قنبلة موقتة في وجه العالم أجمع، لأنها أعلت من وجه الصهيونية العنصري والديني وكانت مؤشرا – وربما ما زال البعض يرى أنها كذلك – لأفول المرحلة الأوربية من التاريخ البشري، لكن رسالة "صفقة القرن" والمرحلة "الترامبية" الأبرز للعرب أن معادلة الحياة بهذا الشكل لن تفلح..
وأقصد أن توظيف "الإخوان المسلمين" ومن على أطرافهم في مرحلة ما، فيما بعد ظهور الموجة الأولى من الثورات العربية، ثم محاولة توظيف اليسار والليبرالية في مرحلة لاحقة وبدرجات متفاوتة، في ظل وجود أبنية "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي في العالم العربي بقلبها العسكري، هذا الثالوث بتباديله وتوافيقه في حاجة لأن يتنحي قليلا للوراء، والبحث عن "مفصلية ثقافية" جديدة للحياة تعمل بمثابة رافعة للمستقبل، تنتج "التراكم الحضاري" المأمول لـ"التحديث" ونهضة الذات العربية.
خَلقُ التناقضات وتذكيتها في المجتمع العربي أصبح سريعا بدرجة تهدد حقيقة بالتمرد على المنظومة ككل وتشققها، الوجوه التي يتم تقديمها في المشهد العام هي وجوه قبيحة وانتهازية، تستفز الناس وتزيد الهوة بينهم وبين مؤسسات الدولة المصرية الحالية، لماذا الإصرار على إعادة إنتاج المعادلات نفسها التي أدت لخروج ثورة 25 يناير، لماذا الحرص توظيف محدودي القدرات ضعيفي الكاريزما والحضور الشخصي؟ الذين يفتقدون للمهارات المهنية والسمات الشخصية والقدرات الإدارية.
لماذا تراجعت مفاهيم "الأمن القومي" المصري وانسحبت لصالح حضور مفاهيم "الأمن السياسي"، لماذا نعجز عن "إدارة مواردنا الذاتية" الناعمة والخشنة، وفي أولها البشر؟ وبدلا من ذلك نخلق النتاقضات ونزيد الاستقطاب في بناء "التراتب الاجتماعي"، وتوزيع الخدمات والمنافع السيادية والأراضي و"الفرز حسب الولاء" لا "الفرز حسب الكفاءة"، ليصبح عندنا "تنخيبا زائفا" في معظم المؤسسات المصرية تعجز معه تلك المؤسسات عن الإدارة السليمة والفعالة لموارد البلاد داخليا وخارجيا!
مصر في حاجة لـ"مفصلية ثقافية" جديدة ترتبط بأحلام التغيير والثورة وتتصالح معها، وتستعيد الصلة مع "مستودع هويتها" وعلى رأسه القضة الفلسطينية، التي هي ناقوس الذات العربية ودرة "مستودع هويتها".