سعدون قاتل أبي

عبدالزهرة حسن حسب
2020 / 11 / 22

مات أبي ندما لإنه لم يقل لا، وماتت امي همّا لانها لم تَرَ بنتها ترضع طفلاً. ماتا حزناً ولم يخفف من حزنهما ما انا عليه من خير وفير ويسر حال.
اعيش في قصر لا يملك مثله الا الاغنياء والأغنياء جداً، لدي من الخادمات والوصيفات العدد الكثير، ورجال يعتنون بالحديقة، واملك آلاف الدونمات وأكثر من مائة فلاح.
ولأن موت والديَّ شكل نكبة اضافية الى حياتي التي لا تعرف إلاّ الحزن، وللهروب من حياة الحزن اتخذت من صيد الافاعي هوايةً لي وأعددت مكاناً في حديقة المنزل ليكون سجناً لها. وأحيانا اسأل نفسي لماذا هذه الهواية التي تشكل خطراً على حياتي فلم اجد جواباً سوى الانتقام من سعدون بسلاح مرعب، والافعى اكثر رعباً له عندما تلتف حول رقبته وتلدغه مرة تلو الاخرى.
الساعة السادسة وهو موعد الصيد، ارتديت بدلة الصيد التي تغطي جميع اجزاء جسمي ولا يبان منه إلاّ عيناي فبدوت كامرأة منقبة وانطلقت في المزارع مع عدة الصيد. اصطدت افعى من النوع الكبير وتمنيت لو اقاتله بهذه الافعى.
الحمد لله لم تكن امنيتي هذه كسابقاتها من الامنيات،وها هو سعدون بدمه ولحمه.
هاجميه ولا تكوني جبانة. صحيح هو يمتطي جواداً وسلاحه سيفاً لكن سلاحكِ الافعى، ومنظر الافعى اكثر رعبا من حدّ السيف هاجميه وأسقطيه ارضاً، فهو لا يستطيع اللحاق بكِ لأنه في مطلع عقده السابع وبدين وأنت في عقدك الثالث ورشيقة. هاجميه دون مقدمات لتربحي نصف الانتصار.
سأفعل كن مطمئناً. كان هذا ردي على الصوت الذي يدفعني للمهاجمة.
مَسَكتُ الافعى من رأسها باليد اليمين ومن وسطها باليسار وقابلته وجهاً لوجه.قذفت بالافعى على صدره، صرخ ورمى بنفسه على الارض واخذ يخلع ملابسه بهستيريا مع الصراخ المستمر.
التقطت العقال الذي سقط بجانبه، وضربته ضربتين على ظهره والثالثة على رأسه. وقف واستلّ سيفه وركض ورائي ولم يلحق بيَّ،التقطت ثلاثة احجار اصابت الاولى رأسه ونزف دماً، واخطأته الثانية، واصابت بطنهُ الثالثة. عاود الركض خلفي ولم يلحق بي، وتوقفتُ والتقطتُ احجاراً اخرى، كررت العملية عدة مرات قاصدةً ان اصل به حد الانهاك ، وفعلاً حصل ذلك ولم يقوى على حمل السيف وارجعه الى غمدهِ وبدا لاهثاً. تحديته وتقربتُ منه تماماً كما يفعل مصارع الثيران عندما يرى ان الثور قد انهار.من سوء حظي مسك ذراعي واسقطني على ظهري، انحنى عليَّ وانخفض على صدري بركبتهِ واستلَّ السيف ليذبحني، لكنه قبل ان ينفذ ما قررهُ اراد ان يعرف من انا، واخذ يمزق بدلة الصيد. انتهزتُ الفرصة ورميتُ كمية من التراب على وجهه فامتلأت عيناه وفمهُ، صرخ واخذ يسب ويتوعد.
انسحبتُ من تحتهِ بخفة فائقة ومسكت السيف بقوة، لم يستطع الاحتفاظ به وقلت:هل عرفتني يا سعدون انا زوجتك سعده التي هجرتها خمسة عشر عاماً. سأريك رد فعل الحقد المتراكم خلال هذه الفترة.اخذ يبكي ويتوسل.
-سأكون لكِ زوجاً مخلصاً وسأكتب بإسمكِ جميع املاكي.كفيّ عن قتلي.
-لكن عاصفة الغضب هوت بالسيف على رأسه واحدثت جرحا عميقا تدفقَ منه الدم بغزارة. صرختُ: لقد قتلتهُ يا أبي، ورقصت كطفلة نالت هدية ثمينة. لكن رقصتي انتهت بسقوطي من السرير على الارض وجرح ركبتي.

عليَّ الاستعانة بالفلاحين. حضر بعض الفلاحين من الاعمار المقبولة والمحترمين اجتماعياً الى القصر وكانوا فرحين جداً لانها المرة الاولى التي يدخلوا القصر فيها.
بعد التحية المتبادلة قلت:
قد يحسدني على هذا القصر ويسر الحال والمال الكثير لكنني كامرأة اجد سعادتي بطفل يقف بجانبي ويناديني ماما. هل منكم من يساعدني على محنتي في الطلاق من هذا الوحش؟
ساد الصمت وعلمت ان صمتهم هو اصدق ما يعبر عن الخوف في نفوسهم. قطع احدهم الصمت وقال: لو اجمعنا على مساعدتكِ فلن تحصلي على الطلاق منه، لانه لا يريد ان تتزوجي اخر.
لقد صدقت لذلك لا مبرر لتعريض حياتكم الى خطر.
طأطأ رأسه وقطع كلامه.
ما اقبح ما فعلت ،وكم كنت ساذجة عندما تصورت بينهم من يساعدني ولم اخذ بنظر الاعتبار انهم فلاحون ربما يتذكر بعضهم سوط سعدون على ظهر والده، واخر يتذكر جرائمهُ التي دخلت بيوت الفلاحين، وبالتحديد غرف نومهم فألبسهم ثوب الخزي والعار.

صحيح انهم يحبونني ولكن لأنني دائمة الاحسان عليهم، فحبهم لي ليس كالحب الذي يدفع صاحبهُ للتضحية من اجل مُحِبّهِ.
لن يعشقني منهم احد لان العاشق يجب ان يكون شجاعاً.
تمر عليَّ ايام متشابهه وكأن الزمن توقف وان عجلة التاريخ اصابها الكساح ولم تقوى على الدوران.
كل ما حولي متشابه ومتكرر حتى انني حفظت تحايا الصباح والمساء التي تشعرني انها لم تصدر من القلب، هي اقرب الى تحية طفل خجول طلبت منه والدته ان يلقي السلام على الضيوف، مللت اثاث منزلي وكل ممتلكاتي في هذا القصر، ولم تعد لي رغبة في تفقد احوال الفلاحين كما كنت افعل سابقاً. واكثر ما يؤلمني، دعاء الفلاحين الكاذب لي وثرثرة نساءهم فاقدة المعنى.ارتاح فقط مع الاطفال لان نظرات الصدق في عيونهم، فأقبل هذا واصافح ذاك واحتضن آخر.
كل هذا لم يخفف شعوري بالوحدة وركود حياتي، وعندما رجعتُ من جولتي وقفتُ الى جوار النافذة لم ارَ الحديقة كما ألفتها، حتى النسيم المتسلل الى غرفتي لم يحمل شذى الزهور كالمعتاد. لا اعلم لماذا.
جلست الى حافة سريري وانهمرت الدموع من عينيَّ وكدتُ اصرخ، وانا في هذه الحالة دخلت عليَّ حليمة.الاقرب الى قلبي والأكثر رجاحة عقل.
-ما بكِ يا عمتي؟هل تشعرين بألم ؟
-لا.
-فلماذا هذه الدموع تنهمر على خديكِ؟
-اشعر بأن الحياة تعاقبني. هل أسأت الى احد في البيت او احد الفلاحين؟
-حياتك ترفض الاساءة يا عمتي. لقد خلقكِ الله لتكوني نعمة لمن يعيش معكِ ورحمة لمن هو بحاجة اليكِ، لكن حياتك لا تخلو...
-قولي الحقيقة ولا تخافي من ردّي فأنا اطلب نصحكِ.
-حياتك لا تخلو من الخطأ.
-كيف؟اوضحي؟
-احيانا تنظرين للأمور بعين واحدة. فمثلاً انتِ تحلمين بتغيير كل شيء حولك، لكنك لا تفكري بتغيير نفسكِ. وانتِ تطمحين بتجديد ما في البيت لكنكِ لم تجددي الافكار والمفاهيم التي في عقلكِ.
-لقد صدقتِ يا حليمة.

استيقظت صباحا ولم انتظر ان توقظني وصيفتي كالمعتاد، ذهبتُ الى الحمام واستحممت بماء دافئ ثم ارتديت اجمل ملابسي وتعطرتُ بأطيب العطور التي امتلكها، وأخذت اتجول في مجازات القصر، وسبقت تحيتي الصباحية كل من قابلته من الوصيفات والخادمات. الجديد في سلوكي ومظهري ترك اثره على من تعيش معي داخل القصر، ومن كانت منهن تلبس فستانا قديما ابدلته بفستان جميل.
وبدت رائحة القصر منعشة، ودبَّ النشاط في الخادمات وأخذن يتسابقن في انجاز ما عليهن من عمل بأكمل صورة وأجمل حالة، انها ظاهرة لم تحصل منذ زمن بعيد داخل القصر.

في عصر اليوم نفسه، خرجتُ الى الحديقة والتقيتُ بالفلاحين المشرفين عليها وطلبت منهم حراثتها كاملة وقلع الاشجار التي شاخت والورد الذي نضب عطره، وغرس ورداً ازهى الواناً واطيب عطراً.
ثم اخذت اشرف اشرافاً مباشراً على غرس الورد مختلف الالوان مراعية تناسق الالوان. وما هي الا اسابيع معدودة حتى اصبحت الحديقة الجنة الموعودة، تسرّ الناظر اليها وتغمره بعطر عجز الانسان عن تقليده.

------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
------------------------------------------------------------------------------------------

يعمل والدي نجاراً في احدى ضواحي بغداد، ولانه موهوب في فن النجارة تصدر اسمه اوائل النجارين في بغداد وتجاوزت شهرته حدود العاصمة وعُرِفَ عنه الدقة في العمل وجودة المواد المستعملة واحترام المواعيد. فصار قبلة الاغنياء في طلب تأثيث قصورهم المشيدة حديثاً او تجديد اثاثهم القديم. انها الجمعة الاولى من شتاء ١٩٣٧ نعم لابد ان يكون يوم الجمعة لانه اليوم الوحيد الذي أُمنع فيه من الخروج واللعب مع اصحابي في الشارع، وفي هذا اليوم ايضاً يبقى ابي في البيت ويقصُّ علينا اتعابه بالعمل واحياناً مسراته وافراحه، في تلك الجمعة قال لوالدي احد الاثرياء: عرفت عنك الدقة في العمل والإبداع اذا نال ما تصنع من اثاث رضا خطيبتي، سأعطيك ما تطلب.
لست من طلاب المزيد ولم اتعهد لك سبيل رضاها. رضا المرأة عن الزوج يسبق رضاها عن الاثاث، فإن قبلت به زوجاً قبلتهُ وحصيرة القصب التي ستنام عليها. هل حقاً قبلت بكَ زوجاً لها؟
كيف لا وقد بنيتُ لها قصراً لا يملك مثله إلا قلة من الاثرياء وسجلتُ باسمها آلاف الدونمات وأكثر من مئة فلاح.
ما ذكرت لا علاقة له بالقبول بك كزوج. فقط يوفر لها الراحة الجسدية. ولكي لا ترجع بخفيّ حُنين اتعهد لك ان الاثاث التي سأعملها تفوق ما معروض في السوق دقةً وجمالاً والاجر (٦٠٠)دينار تدفع نصف المبلغ مقدماً والنصف الاخر يوم الاستلام، بعد اربعة اشهر من اليوم، هل يرضيك ما سمعت ؟
-بكل تأكيد.
سمعت صوت والدتي وانا العب في الشارع مع اصحابي.
لم يعد والدك واخوك من العمل حتى الآن لنذهب الى المعمل ونرى ما حصل. ولا تنسى هذا اليوم هو موعد استلام اثاث الرجل الغني من والدك.
المنظر كان مرعباً ولم تتحمل والدتي الصدمة وماتت بالسكتة القلبية، اما انا فقد سقطت فاقداً الوعي، ولا اعلم كم بقيتُ على هذا الحال. لكني اتذكر الكلمة الاولى التي نطقتها بعدما عاد اليّ الوعي: سأقتلهُ.
فتشت في سجلات والدي علني اجد ما يفيدني، فلم اجد إلا اسم صاحب الاثاث الذي حدثنا عنه والدي. اجهشت في البكاء وشرعتُ في الصراخ لاني فقدتُ عائلتي ولم يعد لحياتي معنى. بعد لحظات تملكني الغضب وسرت في جسمي عاصفة الانتقام وصرخت: لا، لم تفقد حياتي معناها، فقتل عائلتي خلق لحياتي معناً جديداً عليّ توفير مستلزمات نجاحه.
بعت البيت ومعمل النجارة وتوفر لديّ مبلغ كبير اشتريت خمسة وعشرين رأساً من الاغنام وبقرتين احداهما حلوب والثانية على وشك الولادة واشتريت حماراً وخيمة كبيرة، علمني البائع نصبها دون مساعدة الآخرين. اضفت الى القطيع كلبيّ اخي وهما كلبان قويان وذكيان ايضاً.
تركتُ الضاحية في بغداد عام (١٩٤٨)م في حينها لم يكتمل عمري الثانية عشر عام. في الايام الاولى كنت في ذروة الاندفاع والحماس للقصاص من قاتل والدي. لم اشعر بقسوة حياتي مع الحيوانات. وبمرور الايام حياتي مع الحيوانات افقدتني الكثير من ميزاتي البشرية ونسيت حتى صوت الانسان وحلّ محلهُ نهيق الحمار ونباح الكلب ومأمأة الخراف، وليس هذا فحسب فقد اخذت حلقة معارفي تضيق، ولكي لا تتحول ذاكرتي الى صحراء قاحلة اشتريت كتاب الف ليلة وليلة، الكتاب نقلني الى عالم آخر ومجتمعات غير مجتمعي فإتسعت دائرة معارفي وحياتي.
عندما تركتُ المحلة كانت وجهتي المنطقة الوسطى وخلال سبعة عشر عاماً لم تبقى قطعة ارض صالحة للسكن إلا ووطأتها قدماي ورغم اني كنت حذراً عند سؤالي عن سعدون. ازوق كلامي واتصنع حسن النية إلا اني لم احصل على دليل وجوده هنا او هناك، انها نتيجة تثير اليأس والإحباط، لم اقبلها لاني لازلت شاباً وامتلك الصحة والقوة اللازمتين لإستمرار البحث.
هذا رجل يبدو عليه الوقار والاحترام عليّ ان اسألهُ
-السلام عليكم يا عم.
-وعليكم السلام يابن الاخ قل ماذا تريد؟
-هل تعرف شخصاً ثرياً اسمهُ سعدون؟
-انا ابن هذه القرية التي امامك. والقرية يهجرها الاغنياء ويسكنها الفقراء، ولكن غداً سيقام سباق للخيول يحضره جميع اغنياء المنطقة، بإمكانك الحضور للسباق وتنادي على الاسم الذي تريده فإن كان موجود سيرد عليك وتحصل على ضالتك.
-شكراً لك يا عم...انها فكرة عملية عليّ الاستعداد لها.
سحبتُ السكين من غمدها، نظفتها من ما علق بها من تراب، تزاحمت في رأسي افكار كثيرة. منها هل اهاجمهُ دون مقدمات، ام اتريث للتأكد. في اي موضع من جسمهِ تستقر سكينتي. نمت تلك الليلة حالماً بلقاء قاتل ابي. وفي الصباح نفذت ما سمعتهُ من الرجل الطيب لكن لم اقابل قاتل والدي. هذه المرة ستكون قبلتي المنطقة الجنوبية بالذات لواء العمارة الذي تملك ارضهُ ثلاث او اربع عوائل.
-----------------------------------------------------------------------------------------
-----------------------------------------------------------------------------------------
-----------------------------------------------------------------------------------------



في اليوم الثالث من لقائي مع الفلاحين جاءتني احدى وصيفاتي وقالت:
-عمتي سعدة، شاهدتُ رجلاً يقيم على ارضكِ، انه رجل غريب الاطوار، يعيش بلا عائلة، عائلته الحيوانات، يسكن خيمة ينصبها في اي مكان ويرحل بها وقت ما يشاء.
-هل تكلمت معه؟
-لا لكنني شاهدتهُ فبدا لي انه شاب تجاوز الثلاثين بقليل وله من صفات الرجولة ما هو واضح.
في اليوم الثاني ذهبتُ اليه، وجدته جالس في خيمتهِ بجانبهِ كلبان. في البداية حاولا الهجوم عليّ، ولكن باشارة من يده استقبلاني بترحاب عبّرا عنه بهزّ ذيليها.
قلت له:عمتي تسلم عليك.قاطعني وقال:
-من هذه عمتكِ؟
-صاحبة هذه المقاطعة وتعيش في هذا القصر مع خادماتها ووصيفاتها. انا واحدة منهن. ابلغتني ان اخبرك قولها اذا كنت مطلوباً وفرنا لك الحماية، وان كنت غازياً ارضها قاتلناك.
انا جوّال. لست مطلوباً ولا غازياً. رأيت ارضاً معشوشبة ومياه وافرة. افرحني صوت الانسان وسرني منظرهُ بعدما عشت مع الحيوان مدة طويلة حتى فقدت الكلام. ان قبلتني عمتكِ ضيفاً على ارضها فشكرا لها وان لا رحلت وارض الله واسعة.
عندما ذهبتُ الى البيت اعدت كلماته كلمة كلمة ووجدتُ في اعادتها متعة لم اشعر بها سابقاً ووجدتُ في صوته عذوبة شدتني اليه.
عدتُ اليه في اليوم الثاني واخبرتهُ ان عمتي تقول: تستطيع البقاء المدة التي تحتاجها وتقول ايضاً انها على استعداد ان ترسل لك وجبات الغذاء الثلاث.
شكراً لعمتكِ. وقولي لها لديّ ما يكفي من الاكل وقولي لها لماذا لم تأتِ لزيارتي وأنا ضيف عندها؟
سأخبرها واعود اليك غداً بجوابها.
كانت الاوقات التي اجلس الى جانبه هي اجمل الاوقات في حياتي، فتكرر سؤالي هل يشعر بما اشعر؟ انا لا اعلم، لكني اراهُ في الايام الاخيرة يستقبلني على مسافة بعيدة عن خيمتهِ. ان لم يكن تصرفه هذا دليل حب فهو بالتأكيد الارتياح بحضوري.
في هذه المرة لم نجلس داخل الخيمة، ابتعدنا عنها و وافترشنا الارض الخضراء تحيط بنا من كل الجوانب ورود لا تحصى الوانها وعطرها ينعش صدورنا فيعزز رغبة الحديث عن مستقبلنا طالما ترددنا عن صراحة الحديث فيه.
نبح احد الكلبين وركض الى الامام وتبعهُ الاخر، كانت افعى تتجه نحونا، اخافني منظرها واحتضنتُ الجوّال دون شعور مني واحتضنني هو الاخر وقال: لا تخافي، سأمزقها بهذا الشيش المدبب. دارت معركة شرسة بين الكلبين و الافعى ولولا خفة الكلب وسرعة حركته لقتلتهما معاً، هربت الافعى بعدما شعرت بعجزها عن المهاجمة، لحق بها احد الكلبين وعضّها بالقرب من رأسها وفصلهُ عن الجسم. افرحني ما شاهدتهُ ودون ارادة مني قبلّتُ الجوّال قبلتين على خديه خجلتُ مما فعلت ومشيت الى جانبه مطأطأة الرأس حتى دخلنا الخيمة وقال الجوال:
لا تخجلي هذا ما يمارسهُ العشاق وقد تأخرنا عنه كثيراً. شكرتهُ وقلت افرحني ما سمعت وقال الجوال: -سأسمعكِ ما يزيد من فرحكِ. قررتُ طلب يدكِ، هل توافقين؟
-الرجل الذي سأتزوجه تحددهُ عمتي. وسأخبرها واعود غداّ.
-عمتي تقول لا مانع لديها من زواجنا ولكن لها شرطان. الاول تقص لها حكايتك ولماذا تعيش مع الحيوانات دون عائلة. والثاني تجلب لها ورقة الطلاق من رجل هجرها خمسة عشر عام ونسى حتى اسمها.
-قولي لها سأنفذ ما تطلب.
وتقول ايضاً ان زوجها يبعد عنا عشرين كيومتراً وفي الجانب الايسر نهر دجلة والمعروف بالمنطقة (ابو صيهود) وهو رجل شرير تحيط به زمرة من الرجال تقتل اي شخص باشارة من اصبعه.
قولي لها: كوني مطمئنة سأدبر امري. فإن رجعت سالماً نتزوج في اليوم الثاني وان قتلت سأضيف شهيداً الى شهداء الحب.
ذهب بالموعد المقرر لكنهُ وجد ان أبا صيهود مات بالسكتة القلبية قرأ الفاتحة وعاد الى خيمتهِ وجد عشيقته قال لها: ان سعدون فارق الحياة وأصبحت عمتكِ ارملة.
سأعود غداً واخبرك بما تقول.
في اليوم الثاني اخبرته ان عمتي تطلب زيارتك للقصر.
كان الممر طويل وهو لأول مرة يدخل القصر شاهد موكباً من النساء كموكب زفاف عروس طأطأ رأسه واخذ يسير على هذه الحال، ولما اقترب الموكب منه نادت عليه احداهن: ارفع رأسك وشاهد الوصيفة التي احببتها.
لماذا اخفيتي عليّ حقيقتكِ ؟
لأعلم انك تحبني ليس لثروتي.
ولماذا اخفيتي عليّ ان زوجك اسمه سعدون وهو قاتل ابي؟
اعرف انك ستنتقم منه وأردت ان يكون انتقامك بدافع حبك لي وليس ثأراً لابيك.
انكِ تكْذبين لانني اعرف ان العاشق لا يعرض حياة عشيقه للخطر بل مستعد للتضحية من اجله.
ليس ما تقوله صحيح بالمطلق، ان المحب في بعض الاحيان يرتكب حماقة وبدافع الحب وإلا كيف تفسر لي موقف زليخة من نبي الله يوسف عندما عرضت حياته للخطر. اليس بدافع الحب؟ وانا ارتكبت حماقة بحقك وعرضت حياتك للخطر ولكن بدافع الحب ايضاً.
اذا كان كلامي لا يقنعك بحبي لك فهل تقتنع اذا تنازلت عن هذا القصر وآلاف الدونمات والفلاحين ورحلت معك لنعيش في ارض الله الواسعة وتحت هذه الخيمة.
نظر اليها بحنان وأحاطها بيدهِ. تعالت الهلالهل ورقصت الراقصات وأطلقت العيارات النارية وعم الفرح بيوت القرية.