نحن والمعتقد

فوزي النوري
2020 / 11 / 22

نحن و المعتقد
لقد تربّينا جميعا على ثقافة الاعتقاد و التسليم و ليس الاعتقاد معطى حضاريا نستحضره في التحليل بل العنصر الرئيسي في تشكيل بنية الوعي برمّتها و هذا ما جعل التطرّف لدينا وجهة نظر مقبولة .
إنّ الجمع بين الاعتقاد و تقبّل " التعدّديّة الاختلافية " يبدو ممكنا للوهلة الأولى لكنّ الاعتقاد يمحو تلك " المسافة النّقديّة" اللاّزمة للتعاطي مع الآخر المختلف و يشلّ كلّ الميكانيزمات التي تسمح بتعايش حقائق متعدّدة و مختلفة و نسبيّة في بنية الوعي الفردي و الجماعي .
حتّى لا أكون أنا أيضا ضحيّة لثقافة الاعتقاد من خلال ما ذكرته و كأنّه نمط آخر من الاعتقاد يجب أن نعلّل كيف يتصادم الاعتقاد مع " التعدّدية الاختلافيّة" .
يتصادم لأنّ المعتقد يختزل الثقافة و يحتوي المعرفة و بصفة أدقّ لا ثقافة تعلو على ثقافة معتقدنا و لا معرفة تختلف أو تناقض ما ورد في المعتقد و هذا يعني بشكل أو بآخر تحديد الأطر و الغايات التي يجب أن يتحرّك داخلها العقل و كلّ تصادم بينها يقيّم من خلال المرجعيّة الثابتة أي المعتقد و ينتهي بدحض و رفض و اقصاء الحقيقة اللاّدينيّة و من يحملها أو يدافع عنها.
هذه الكائنات الدينيّة على اختلافها تنتج دوائر صراعيّة تقوم على التعصّب و امتلاك الحقيقة و رفض المختلف لكنّ المسألة تكتسي خطورة قصوى حين يتحوّل المعتقد الى أداة للعمل السياسي .
لقد صنع الاسلام السياسي ذلك الاله المخيف المرعب الذي يتربّص بكائناته و يعلن عدوانيّته تجاه المختلف و يعد المؤمنين به بما يلبّي غرائزهم الجنسيّة فيصبح بشكل ما الاها انسانيّا يستميل اللاّأسوياء بالمعنى العلمي للكلمة .
هذا الاله وجد في هذه المنطقة من العالم أرضا خصبة و وجد كلّ " المقدّمات الموضوعيّة" لتكون منصّة متقدّمة لصناعة كلّ أنماط التطرّف و التعصّب و نشرها في كلّ أنحاء العالم هذه المقدّمات هيّ الجهل و الشعوذة و الديكتاتوريّة ...
الدّول الكبرى استخدمت هذه الأداة الباحثة عن القتل و التدمير في صراعاتها الجيوسياسية من أفغانستان الى سوريا و ليبيا و صنعت من داخلها وصفة جديدة تمّ تحضيرها للعمل السياسي و تسويقها على أنّ الاسلام السياسي لا يتعارض مع الديمقراطيّة و أعدّت لها آلة اعلاميّة جبّارة منها قناة الجزيرة و ترسانة افتراضيّة ... لتحجب عن هذا الوعي الجمعي المتدنّي خطر هذه التنظيمات على الجميع في الدّاخل و الخارج .
إنّ الاسلام السياسي يتعارض تعارضا صارخا مع الديمقراطيّة لأنّ الحقائق المطلقة لا تتعايش مع الحقائق النّسبيّة و لأنّ الديمقراطيّة ليست دساتيرا شكليّة و لا فصولا قانونيّة فحسب هيّ فكرة فلسفيّة لعقلنة الفكر السياسي و التعايش المشترك وفق منظومة قيم انسانيّة كونيّة تتعارض جوهريّا مع كلّ أنماط المعتقد فضلا عن كونها منظومة متكاملة لا تقبل الاختراق و التجزئة تقف تقريبا على الطرف النقيض للتصوّر الديني .
إنّ العداء التاريخي الذي تحمله الحركات الدينيّة لليسار في العالم ليس بسبب المقولات الماركسيّة فيما يتعلّق بالدّين بل لأنّ الماديّة التاريخيّة تصنع نمطا من الوعي يقوّض الأركان الأساسيّة لثقافة الاعتقاد من ذلك أنّ العمق الثوري لهذه النظريّة تمنع تحويل الحياة الى " غرفة انتظار للآخرة" كما أنّ العمق الانساني للماركسيّة و مكانة المرأة في التصوّر الماركسي و الدّعوة لتحريرها وهذا ينسف البناء العقدي و يخلق تربة لا تنتج مثل هذه الكائنات الدينيّة .
نحن متطرّفون ببنياتنا الواعية و اللاواعية و بتقاليدنا و بوعينا الجماعي و بتاريخنا و معتقدنا و نظمنا و ثقافتنا، إنّ معركة التحرّر من التعصّب و من العنصريّة تتطلّب عقودا إن لم يكن أكثر و نحن مطالبون بمراجعة حضارة برمّتها تقف على حافة الانسانيّة .