محنة المثقف المغترب والشهرة عند عودته إلى الوطن الأم يجسدها الفيلم الارجنتيني - المواطن المتميز-

علي المسعود
2020 / 11 / 22

محنة المثقف المغترب والشهرة عند عودته إلى الوطن الأم يجسدها الفيلم الارجنتيني " المواطن المتميز"

The Distinguished Citizen

الجزء الاول

علي المسعود

يٌقال إن نصف الأرجنتينين على الأقل يولدون إما بكرة ملتصقة بمشط القدم أو بقلم متشابك بين أصابعهم للكتابة ، ومن المفارقات ، أنه على الرغم من أن إنتصاراتهم في مجال كرة القدم كانت رائعة حين نالت كأس العالم مرتين، ولكن الادب الارجنتيني رغم تميزه على مستوى إمريكا أللاتينية والعالم إلا أنه لم يتم منح جائزة نوبل لأي مؤلف من تلك الجنسية . لم ينالها "دولفو بيوي كاساريس" وهو مؤلف وصحفيًا وكاتب يوميات ومترجمًا ، ولا " بيجليا " وهو كاتب وناقد وباحث أرجنتيني معروف ، ولا " ألفونسينا ستورني" وهي شاعرة وأيقونة أرجنتينية ، ولا الكاتب المعروف "خورخي لويس بورخيس " وهو كاتب قصة قصيرة وكاتب مقالات وشاعرًا ومترجمًا ، هو ألآخر لم يحصل عليها ، لكن الفيلم ألارجنتيني " المواطن المتميز " أو (المواطن الفخري) خالف ذالك في قصة كلّ شيء يدور فيها حول شخصية الكاتب الارجنتيني " دانيال مانتوفاني" الذي يقوم بدوره الممثل (أوسكار مارتينيز)الذي ينال الشهرة عالمياً ، ويذاع صيته أكثر بعد نيله جائزة "نوبل" الآداب . ويجدر التنويه هنا إلى أن شخصة " دانيال مانتوفاني" شخصية مُتٓخَيَّلة تماما، فلم يسبق أن نال أي كاتب أرجنتيني هذه الجائزة كما ذكرت .
يُفتتح الفيلم في مشهد يظهر فيه الاديب " دانيال مانتوفاني" وهو ينتظر جالساً بالردهة الجانبية ل(ألأكاديمية السويدية) لتسلّم جائزة"نوبل". يحضر الكاتب الى الحفل دون ربطة عنق ولامرتدياً البدلة الرسمية ، ويبدو على ملامح وجهه القلق والترقب . وكما جاء في حيثيات منحه جائزة نوبل للآداب التي كرّسته واحداً من أعظم الأدباء حول العالم ، وتم منحه الجائزة كون الكاتب "دانيال مانتوفاني" خلق عالما قويا يتمحور حول مسقط راسه ، رغم أنه قضى أغلب سنوات عمره في أوروبا ، لكن نتاجه الادبي صور العالم ألاعظم عن البلدة الصغيرة التي ولد فيها ، وعاش فيها سنين مراهقته وجزء من شبابة . وجد سلوانه في مدينة (سالاس) في الارجنتين ، لما يزيد على عقدين ظلت كتبه تنتقل بيننا ، وتنقلنا الى تلك الاماكن البعيدة ، حين يطلق الكاتب والمؤلف نيران أبداعه من وحى خياله ، جامعا تحت مظلة الابداع ، حكايات خيالية إستثنائية عبر الواقع ، وروايات أدبية واقعية ورمزية ، بموهبة روائية لاحدود لها وبراعة خبير لغوي ، واعيا لاسلوبه ومنضبطاُ ، وبخلفية أدبية واسعة "، بعد هذه المقدمة يتوجة الكاتب لإستلام لجائزته من الملك ، وما إن يصعد مانتوفاني إلى خشبة المسرح لتسلم الجائزة، حتى نجده يلقي كلمة متقدة الحماس لاذعة النقد يندد فيها بالمؤسسة الثقافية والجهات الأكاديمية المسؤولة عن منحه الجائزة، واصفا حصوله عليها بأنه نهاية مسيرته الأدبية ، مؤكدا أن حصول الكاتب على الاعتراف المؤسساتي فيه يمثل نهايته وموت له كأديب ، وتحدث في كلمته التي كانت باللغة الاسبانية قائلاً :
"يعتريني شعوران مختلطان حيال تسلّم هذه الجائزة، من جهة أشعر ببالغ الإطراء، لكن من جهة أخرى يطغى عليّ شعور مرّ، لأني مقتنع بأن هذا النوع من التكريم الجماعي متعلق مباشرة وبلا أدنى شك بانحدار مستوى الفنان ، الجائزة تثبت أن عملي يطيب لأذواق وحاجات الحكام والمختصين والأكاديميين والملوك ، من الواضح أنني الفنان الذي يضمن لكم الراحة الكبرى، وتلك الراحة لا علاقة لها بالروح التي يجب أن يصطبغ بها كل عمل فني . يُفترض بالفنانين أن يُشكّكوا وأن يزعجوا، ولذلك أشعر بالأسف على تقديسي الأخير بصفتي فناناً ، رغم ذلك فإن الشعور الطاغي وهو الفخر المحض، سيدفعني من قبيل النفاق إلى أن أقبل الجائزة وأشكركم على تقرير نهاية مغامرتي الإبداعية ، لكن رجاءً لا تحسبوا أني ألومكم بهذا القول ، هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، لا يقع اللوم هنا على عاتق أحد سواي، أشكركم ". لحظة صمت تخيم على القاعة وصدمة الحضور من وقع كلمات الكاتب المكرم بالجائزة ، للحظات ظن الحاضرون أن الكاتب سيعتذرعن قبول جائزة نوبل للآداب ، وأنه سيرميها في وجوههم بعد أن ينهي خطابه الصادم ، لكنه كان أضعف من اتخاذ ذلك القرار، فاكتفى بالوقوف أمامهم معبراً عن مشاعره المتناقضة . هذه الخطبة التي لم ولن يلقيها أبدا أي أديب أو فنان في الواقع – وذلك لأنها تحتاج إلى شجاعة هائلة لا يستطبع أي كان أن يمتلكها – تدخل في صميم ما يطلق عليه بماهية الفن والإبداع . البطل هنا كاتب وأديب يعرف جيدا أن دوره في الحياة هو أن يجعل الناس تحاول أن تفكر بطريقة مختلفة عن الطريقة التي يفكرون بها في حياتهم اليومية وذلك عبر سرد أحداثا وأفكارا من
وجهة نظر مختلفة ، ربما تصدمهم وربما لا ولكنها بالتأكيد قادرة على جعلهم يرون حياتهم وعالمهم بشكل مختلف ، وهذا هو غاية الادب من وجهة نظر الأديب الذي نعيش معه في هذا الفيلم مأساته . فأي كاتب غير قادر على الكتابة لسبب أو لآخر فهو يعيش مأساة حقيقية ، يؤمن بطل الفيلم الكاتب ( دانيال مانتوفاني ) أن أعماله أو منجزه الادبي الذي حصل بسببها على جائزة نوبل للآداب ليست عظيمة ، أو حتى جيدة بالقدر الكافي رغم إنها مقبولة من قبل الجميع كما أشار في خطبته عند إستلامه جائزة نوبل التي أشرت لها من قبل . ينتقل مخرج بعد هذا الحدث بخمسة سنين ، وبعد حصوله على المجد والشهرة والجوائزوالدعوات وعلى سبيل المثال ، يمنح وسام النسرالايزتيكي من المكسيك ، أووسام الاستحقاق للجمهورية الايطالية ، وكذالك وسام الشرف من أكاديمية الأداب في المانيا في برلين ، ثم وسام الامتياز من الامبراطورية البريطانية ، ثم أفتتاح مكتبة ( دانيل مانتوفاني ) العامة في برشلونة ، محاضرات ودعوات لحفلات ومناسبات .
فيلم (المواطن المتميز) مقسم إلى مقدمة وخمسة فصول (الدعوة ، سالاس ، إيريني ، البركان والصيد) ، فى الفصل الأول من فصول الفيلم ، نرى الكاتب مانتوفانى جالسا إلى مساعدته أمام كومة من البريد الذي يتضمن الدعوات والندوات أو المحاضرات ، ويستعين الكاتب بمديرة اعماله فى الرفض المؤدب للدعوات الموجهة له من جهات ثقافية وأكاديمية كثيرة ، يبدأ الفصل الاول من الرواية أوالفيلم (الدعوة) حين تفتح المساعدة ( نوريا) والتي تقوم بدورها الممثلة" نورا نافاس" خطابا صغيرا من عمدة بلدة سالاس ، مسقط رأس الكاتب " دانيال مانتوفاني"، يذكر فيه إن البلدة تود تكريمه ومنحه وسام "المواطن المتميِّز". تفاجئ مساعدته بمانتوفاني الذى يرفض عن كل التكريمات والمقابلات التي تصل اليه ، ويقبل دون تردد دعوة عمدة بلدته التى لم يزرها منذ نحو 40 عاما وإن شكلت كل نتاجه الأدبي ـ يفضل السفر وحده ويشترط في موافقته على الذهاب الى مدينته "سالاس" أن لايعرف أحد ، لا صحافة هنا ولا في الارجنتين ، الأمر الذى يتبخر منذ اللحظة الأولى لرحلته ، حين تبدأ سفرته من برشلونة الى بوينس أيريس ، ولكنه يفاجئ بكابتن طائرة "الخطوط الجوية الأرجنتينية" وهو يعلن بفخر أن الكاتب الارجنتيني (دانيال ) الحائز على جائزة نوبل للأدب يسافر معنا في الرحلة ، ومن دواعي الشرف وجوده على متن طائراتهم ، أمتعض الكاتب وإنزعج لخرق أحد شروطه . عند وصوله الى أرض المطار ،كان في أنتطاره سائق سيارة قديمة ومتهالكة ، ومنذ البداية يصدمه بان يطلب منه الجلوس بجانبه ، لكونه لايحمل رخصة سيارة أجرة . تستغرق الرحلة 7 ساعات من العاصمة بوينس أيرس الى مدينة (سالاس) ، ولكن السائق البليد يقترح طريقا ترابيا مختصرا ومهجورا، وتتعطل السيارة في الطريق قبل 100 كيلومتر من الوصول الى مدينته ، وبسبب عدم وجود هاتف عند السائق يضطر الكاتب والسائق في المبيت في العراء حتى وصول المساعدة ، وفي هذا المكان المهجور قدم المخرجان" "ماريانو كوهن " و المخرج "جاستون دوبرات" ، مشهداً يحمل الكثير من المعاني والدلالات رغم تغليفه بالكوميديا السوداء ، حين يستعين بورق أحد كتبه الذي يحمل منه الكثير من النسخ لأهداءها الى أهل مدينته في إستعمالها في إشعال كومة من الحطب لغرض الدفء ، ويهمس مع نفسه" رباه يالها من صورة بليغة ، أحرق ورق كتبي للنجاة بحياتي "، ولكنه يفاجئ بطلب غريب من السائق " أحكي لي قصة يادانيال من أحدى قصصك"، ويبدأ الكاتب " دانيال مانتوفاني " بسرد احدى قصصه : " عاش أخوة توأمان في بلد واحد ومكان واحد ، بينهما خلاف أستمر لمدة طويلة ، أطلق أحدهما لحيته ، بينما لم يطلفها الآخر عاش الملتحي حياة متواضعة جداً ، بينما كان الاخر غنياً وكان يعيش في منزلا جميلا أمام مسبكة كبيرة كانت يملكها ، بين الفينة والفينة يتلقى زيارة غامضة ، من قبل سيارات فارهة سوداء من المدينة ، كان كلا الاخوين في العادة يرتادان الملهى الوحيد في البلد ، العامل الوحيد الذي يجمعهما هو هوسهما بالمرأة نفسها وهي بائعة الهوى الصهباء من الاورغواي ، الشراكة في هذه العلاقة كانت تسبب عذابا لكل منهما ، ألاخ الغني أقنع المرأة البراغواية بان تتزوجه وعاشا في بيت واحد ، أما الاخ الاخر فقد غمره ألم لايطاق ، لذا ذات ليلة وبغته ، ذهب الى منزل الزوجين السعيدين زاعما أنه يريد حلّ خلافاتهما ، بدأ الأخوان يتنزهان في الضيعة ويتبادلان أطراف الحديث ، وبغته الاخ الملتحي لأخيه بأخذ قطعة حديد مرمية جانبا وأصابه و بضربة فظيعة وسريعة هوت على رأس اخيه ، فسقط اخوه صريعاً ، بعدها حمل جثة أخيه وحرقها في احد أفران المسبكة ، وفي الاخير حلق لحيته بعناية شديدة وأرتدى ملابس أخيه ، بعدها بنصف ساعة ، فتح باب المنزل حيث كانت المرأة الباراغوية تنتظره لتناول العشاء ، لم تلاحظ المرأة الصهباء أي فارق ، أو من يدري لعلها تظاهرت بألا تلاحظ من قبيل الملائمة ، الواقع أنه قضى أجمل شهور حياته مع هذه المرأة التي أسعدها ، حتى يوم ما ، جاء رجال المدينة بسياراتهم السوداء ولأنهم ظنوا أنه أخاه الذي قتله ، من الواضح لتسوية حسابات قديمة معهم ، بالطبع الاخ الملتحي لم يكن يعرف عن ذالك وبالطبع كان مصيره مثل أخيه ، حيث لم يتم العثورعلى جثته قط ، وفي النهاية ورثت الصهباء الثروة كلها ". وفي الصباح يوقظ الكاتب السائق الذي يقوم بتصرف غريب يستهجنه الكاتب وذالك حين يقتطع السائق حزمة من ألاوراق من أحد كتب الكاتب" دانيال مانتوفاني" لاستخدامها كورق تواليت عند قضاء حاجته في البرية!!!، هذا الحركة تصدم الكاتب كثيرأ، فيحمل حقيبته ويغادر السيارة حتى تعثر عليه سيارة المساعدة التي توصله الى فندق مدينته الصغيرة سالاس . وعنده يبدأ الفصل الثاني من الفيلم الذي يكون بعنوان "سالاس ". حين يصل الكاتب الحائز على جائزة نوبل للأدب" دانيال مانتوفاني" - الذي أدى دوره باقتدار الممثل الارجنتيني "أوسكار مارتينيز "- إلى مسقط رأسه بعد رحلة شاقّة ، يرفض الذهاب إلى مقابلة عمدة المدينة مباشرة ، ويقرر أن يتمشى في شوارع المدينة بمفرده ، ليجدها بالضبط كما تركها قبل أربعين عاماً ، المدينة كأنها فارغة ، ميته لاحياة فيها وحدهم كبارالسن يجلسون امام البيوت للمراقبة المارة ، البيوت والمباني الرثة القديمة التي لم يمر عليها الاعمار منذ زمن بعيد ، يواجه البطل أحداثا تبين أن أهل بلدته لا يهتمون بتاتا بأعظم شخص ولدته البلدة ولكنهم مهتمون بمشكلاتهم ومعاناتهم وذواتهم بشكل أكبر، فالكاتب الكبير بالنسبة لهم مجرد شخص كان يعيش معهم وهو شاب . هذه هي الفكرة الوحيدة للبلدة عن الكاتب الكبير القادم بدعوة من المجلس المحلي ، ينزل في فندق المدينة الصغير والوحيد الذي يصفه ب"ديكور فيلم روماني" كما يقول لسكرتيرته في اتصال بينهما ، حيث يلتقي بموظف أستقبال الفندق الشاب راميرو (جوليان لاركير) ، وهو قارئ معجب به ، ونكتشف في ما بعد أنه كاتب ناشئ وطموح . حين يصل دانيال إلى مكتب رئيس بلدية (سالاس) ، يرحب به رئيس البلدية ويقوم بدوره الممثل (مانويل فيسينتي) الذي يعتذر له عن تصرف السائق ( رامون ) وتركه له في العراء لمدة يوم كامل . وبعد أن يطلعه على جدول زيارته الى مدينته (سالاس) ، أول المحاضرات في المساء وبعدها مقابلة تلفزيونية ، في الليل عنده حفل عشاء راقص في الجمعية الزراعية ، وفي صباح يوم الخميس سيكون رئيس لجنة التحكيم في مسابقة للرسم في المدينة ، ويبلغه العمدة بانه سيحاول أن يلبي قائمة متطلباته التي ارسلتها له مديرة أعماله ومساعدته " نوريا " ، من قائمة الاكل الصحية الى الفراش في الفندق من النوع المطاط ، وكذالك عدم الرغبة في المشاركة في أحتفالات أو مراسيم دينية ، ومن رغبات الكاتب " دانيال مانتوفاني" أيضاً بأنه يفضل المصافحة على العناق والقبلات ، وأيضاً يفضل إجتناب الاسئلة عن حياته الخاصة ، وكذالك لايفضل التصويرأوالتوقيع على الكتب ، ولكن الكاتب يبتسم لانه يعرف بانه لن يلتزم بهذه التعليمات لاهو ولا أهل مدينته . وتأتى مشاهد احتفال البلدة بابنها البارز مانتوفانى طافحة بالسخرية السوداء ، باعثة على كثير من الضحك . فعلى النقيض من التمدن ومراسم التكريم الأنيقة التى اعتاد عليها الكاتب الشهير "دانيال مانتوفانى" فى أوربا و العالم ، مدينة سالاس ترحب به بفرقة من رجال المطافئ الذين يضعونه فوق ظهر شاحنة مركبتهم ويجوبون به شوارع البلدة ، مع عمدة المدينة طبعا وبصحبتهما ملكة جمال البلدة التى لا تكف عن تحية الجماهير وإلقاء القبلات فى الهواء تحية لمانتوفاني ، وبسيارة رجال الاطفاء ياخذ العمدة في جولة في المدينة ثم الى النادي
حيث مقر الندوة و محاضرته الاولى، بعدها يتمرد الكاتب على كل هذه التحضيرات والرسميات ويخبر العمدة بأنه ليس نجم كرة ويفضل السير على الاقدام الى مكان الندوة . في بداية الندوة يعرض فيلما تسجيلياً ويقدم تقريراً للتعريف بالكاتب ، وبدءأً عن ولادته في مدينة "سالاس" التي تبعد 734 كيلو مترعن العاصمة بوينس أيرس في 5 فبراير من عام 1954 ، وفي مطلع الصبا كانوا يسمونه تيتي ، وانطلاقته وهو معدما ليحقق حلمه في ان يصبح كاتباً ، شق طريقه وأصبح أخيراً أديباً مشهورا وذو شهرة عالمية حتى استحق جائزة نوبل ، وبهذا صار إبن مدينة سالاس من بين أعظم الشخصيات في الادب العالمي وسلطت أعماله الضوء على اهل مدينة سالاس ، ولكن هذه الانجازات لم تغير من شخصيته وحسه بالتواضع والاحترام الذي استقاه في طفولته فأمه السيدة كلارا العزيزة التي رحلت عن هذه الدنيا منذ 40 ، وأبوه السيد ( فكتور) الذي لايٌنسى والذي أجتمع بها في الجنة بعدها بنحو عقد ، أينما كانا فهما يفخران ويمتدحان إبنهما الوحيد والحبيب إبننا وإبن سالاس العظيم ( دانيال) "، بعد انتهاء التقريريمسح الكاتب دموعة التي سالت تأثرا بالحديث عنه وعن أمه وأبيه ، بعدها يتحدث العمدة ، ويذكر بأنه كان يحلم بدعوة شخصية بارزة مثل الكاتب العظيم " دانيال مانتوفاني " وأن حلمه تحقق ألان ، وأن أهل ألارجنتين يجب أن يفخروا جداً ب ( مارادونا ، والبابا، وملكة هولندا وميسي وألان الكاتب دانيال ومن دواعي الشرف قبل مجتمع ( سالاس) منحك وسام" المواطن المتميز" بيد ملكة جمالنا ، وعند تقدم الكاتب الحائز على جائزة نوبل والحاصل حديثأ على لقب المواطن المتميز" ل ((سالاس)) ، " دانيال مانتوفاني " لألقاء كلمته ، يبدأ الكاتب في تحية المرأة العجوز الجالسة في الصف الامامي وهي مدرسته في الصف السادس " لوسيا دي أغوستيني " ، ويكمل حديثه " أجل انا من جعل مدينة سالاس مشهورة ، من المؤثر جداً العودة الى بلدي ، ورغم عيشي في أوروبا لنحو 4 عقود ، فما زالت أنتمي الى مدينة (سالاس) وحتى لم أرد ذالك ، لهذا تعد الجائزة فريدة ومختلفة وبطريقة ما ، فهي أهم بكثير من جائزة نوبل والتي لم يفز بها مؤلفون عظماء مثل بورخيس ، بينما أرادوني في ألاكاديمية السويدية أن أرتدي سترة رسمية سخيفة لأستلام الجائزة وأن أنحني لملك وملكة في القرن 21 ، بالطبع رفضت ، لأني لا أكن أي أحترام للحكومات الملكية ، ألا اني أضع أستثناء هذه المرة مع ملكة جمالنا التي برفقتنا هذه الامسية ، ومن دواعي الشرف أن أحصل على لقب المواطن المتميز لمدينة (سالاس) ، وأتمنى ان أمثل هذه الجائزة بوقار، تحياتي للجميع وشكرا لكم "، يكسر الكاتب كل الشروط التي وضعتها مساعدته عند زيارته ، وأولها اخذ الصور مع الاهالي ومع العمدة ومعانقتهم والتوقيع لهم ، وفي الندوة يتحدث الكاتب أنه ومنذ 5 سنوات لم يكتب شيئاً ، لانه لايمكنه الكتابة ألا حينما يقول شيئأ ما ، وعند فتح باب الاسئلة والنقاش ، تتقدم الشابة "جوليا" ، وتقوم بالدور الممثلة الشابة (بيلين شافان ) بسؤال :"هل صحيح أن التعاسة أفضل حالة للابتكار الفني ؟"، وكان رد الكاتب " دانيال مانتوفاني " على هذا السؤال :" كلا ، لا أظن ، أن ألألم يضمن ألابتكار الفني العظيم ، أعني رامبو وفان كوخ عاشا حياتهما معذبين ، ومع ذالك كانا ابتكارين ، لكني أستطيع أن أذكر فنانين وكتاب عظماء عاشوا حياة هادئة وسليمة على سبيل المثال " خورخي لويس بورخيس" ، أعترضت على جوابه الشابة وقالت " قرات مقالة لك كنت تقول النقيض ، حيث قلت التالي " أن اكثر الدول رفاهية إنتاجها الفني أقل إثارة للاهتمام ! ، ويرد الكاتب " لا أظن أني قلت ذالك من قبل "، لاني لا أؤمن بخرافة الفنانين المعذبين ، وعند انتهاءه من المحاضرة وبعد أن قدم له الاهالي الهدايا ، مثل الزي الشعبي للمدينة مع القبعة أو فانيلة فريق كرة القدم للمدينة ، لكنه فوجئ في الندوة بلقاءه بصديق الدراسة أنتونيو الذي يلعب دوره الممثل الكوميدي" دادي بريفا" ويخبره وهو يفاخر بانتصاره وهزيمة غريمه بزواجه من حبيتبه (إريني) بعد سفره وهما متزوجان منذ 25 عاما ، ويبارك الكاتب ( دانيال) له حياته مع إريني ، ولكن صديقه انتونيو يصرعلى دعوته على العشاء في بيته ، ويخبره أن إريني مشغولة بمشروعها في الريف ، وهو ورشة لتعليم الاطفال الفقراء والمعدمين في الاماكن النائية ، ويتفقوا على موعد على العشاء اليوم التالي ـ لانشغاله اليوم كله بدعوات وحفلات ، بعدها يذهب الكاتب" دانيال مانتوفاني" إلى قناة التلفزيون المحلية في المدينة لإجراء لقاء تلفزيوني هو الوحيد الذي وافق عليه طيلة فترة الزيارة . يرفض السيارة الخاصة لنقله الى مكان المقابلة ويفضل السير على قدمية ، في المقابلة يسأله المذيع ـ الذي يتضح أنه هو الذي قام بعمل الفيديو التسجيلي عنه ـ : لمَ أنت كاتب ؟ ، يرد الكاتب على السؤال : " دانيال " ليس الامر بتلك السهولة ، حيث يصعب الاجابة على مثل هذا السؤال ، أحزر أن الكتاب والفنانين لايقبلون العالم كما هو ويشعرون بأن الواقع ليس كافياً ومرضياً ، لذا عليهم خلق وابتكار أشياء جديدة ، عامة الناس أوألناس ألاعتياديون لايشعرون بذالك فهم سعداء بالعالم كما هو ، ولا أعرف أيهم أفضل ، بجانب ذالك ، أني كاتب لأنه لم يتوفر لي اي خيار أخر إذ فشلت في كل شئ آخر ". ولكن المذيع يفاجئه بسؤال صادم" دانييل لماذا لم تقوم بزيارةالى مدينتك (سالاس) طيلة 40 عاماً حتى ولو لعطلة اسبوعية ؟ ، كانت إجابة الكاتب : " رغبت في العودة ، ولكن بعيني وليس بجسمي ، مثل شخص يشاهد فيلما فقط بعينه وبأذنه ، ليتجاوز كل ألم ممكن ، لارى المدينة على شاشة سينما ، لكن المهم اني الان هنا "، وبعدها يطرح المذيع سؤالا تافها وهو" ماذا يشرب الفائز بجائزة نوبل " دانيال مانتوفاني " حين يظمأ؟ ، وقبل ان يجيب الكاتب ، يخرج مشروباً ويعلن أنه مشروب "سان ميغيل " المصنوع من البرتقال والليمون الهندي والخوخ مذاق رائع ، إنه عصير "سان ميغيل " ، هذه الكوميديا السوداء تكشف واقع الاعلام والسوشيال ميديا في التعاطي مع المبدعين من الفنانين والكتاب ، ويغادر الكاتب وهو مثقلا بالمرارة لما وصلت اليه الامور، وعند خروجه من الاستديو يقترب منه رجل بدين ليعرفه بنفسه بأنه "ريناتو بريفيتيلو" ، لا يبدو على دانيال أنه يعرف ذلك الاسم لكنه يرحب تأدباً بالرجل الذي يقرر أن يعرفه إلى أبيه أكثر ، فيقول له إنه أبن أوريليو بريفيتيلو ، والده هو بطل الشخصية التي كتبها دانيال في روايته ( ذا ساند جاينت) ، شخصية توماسيتو الفتى الذي يمتلك دراجة يوصل بها الطلبات ، ويعرب للكاتب دانيال عن فخره بأن والده ظهر في إحدى رواياته ، وعن شكره لدانيال بأنه قام بتخليد أبيه الذي رحل عن الدنيا ، لكنه ظل حاضراً إلى الأبد بفضل دانيال ، ويطلب توقيعه ويصرّ الرجل على معانقة الكاتب دانيال ، ومن ثم دعوته إلى حضورعشاء في منزله ، لكي تطهو له أمه وصفتها المفضلة من المعكرونة ( الرافيولي) ، ويعطيه عنوان منزله بعد تحدد له الموعد وهو يوم الجمعة وهو يوم عطلته ، دون أن يتعامل بجدية مع رفض دانيال للدعوة بسبب ازدحام برنامجه ، وعند عودته الى الفندق ، يبدأ الفصل الثالث وبعنوان" إريني " ، في هذا الفصل يفتتح بوصول حبيبته السابقة (إريني) وتقوم بدورها الممثلة "أندريا لويزا ميتشلشتاين "، المعروفة باسم أندريا فريجريو بدور (إريني) ، وهي (ممثلة أرجنتينية ومقدمة برامج تلفزيونية وعارضة أزياء سابقة )، إريني التي أصبحت زوجة صديقة طفولته وشبابه (أنتونيو) لزيارته في فندقه يتأثر كثيراً بزيارتها ، وتبدو"إريني" حريصة على أن تؤكد له سعادتها مع أنتونيو ، وأنها تسكن في منزلا جميلا ولهما إبنة شابة ، هي وأنتونيو اصبحت لهم حياة رغيدة ، يلومها الكاتب دانيال لأنها لم تحضر ندوته ، فتخبره بأنها كانت مشغولة في التدريس لأطفال فقراء في بلدة قريبة في كولونيا راوسون( تبعد 30 كم عن مدينة سالاس)، حيث تعمل لهم مدرسة وطباخة ومستشارة نفسية ، ولان هؤلاء الاطفال منعزلون وأبائهم يعملون في الزراعة لذا يحتاجون الى التحفيز ، وأثنى على عملها لانها تقدم خدمة انسانية ، يطلب منها أن يذهبا معاً إلى البحيرة بسيارتها ، تلك البحيرة التي كان يحب أن يترددا عليها ، ليفاجأ بأن البحيرة قد جفت تماماً من المياه ، يخبرها الكاتب دانيال بأنه لم يستطع أن يكتب أي شيء عن حياته في أوروبا التي لم تلهمه على الإطلاق لتظل بلدته وأهلها مصدر قصصه وإلهامه الوحيد في هذا البلد . من سنوات الطفولة والمراهقة ثم فترة الشباب ، الناس والطبيعة ، ثم أنتِ" أريني " ، وبعد لحظة صمت وبرغم حرص الاثنين على أن تظل علاقتهما متحفظة ، يبدو أنهما يشتاقان إلى بعضهما كثيراً، لا يقوى على منع نفسه من تقبيلها ، تبادله قبلة سرعان ما يندمان عليها . حين يعود إلى الفندق ، يعطيه الشاب راميرو موظف الاستقبال ملفاً به قصص قصيرة ويطلب منه إبداء رأيه فيها، يفاجأ دانيال بزيارة غير مخطط لها في غرفته ، من الفتاة الشابة الجميلة"جوليا" التي جادلته في الندوة ، والتي تحمل معها كتابه الذي يحتوي على الفقرة التي أنكر أنه كتبها ، وتقرأ له نص الفقرة التي تقرر أن الأدب العظيم ينبع من المجتمعات العنيفة ، حيث أن الفراغ الوجودي يستعاض بالابداع ، موقع باسم ( دانيال مانتوفاني" . ويعلن لها استسلامه ، وقبل أن يجد الكاتب " دانيال مانتوفاني " رداً مناسباً يبرر به نسيانه لما سبق أن كتبه ، يفاجأ بها وقد هجمت عليه لتقبيله ، يدفعها ويذكرها في البدء أنه في سنّ أبيها ، لكنه يضعف أمام إغراء جسدها الجامح ، ويضطر لإلغاء عشاء رسمي دعته بلدية المدينة إليه بحجة الارهاق ليظل بصحبتها . في الصباح يطلب منها نادماً أن تغادر غرفته ، ليبدأ برنامج يومه الثاني من الزيارة ، الذي سيقضي أغلبه في استعراض الرسومات المشاركة في مسابقة الفن التشكيلي بصفته رئيساً للجنة التحكيم ، ومقرراً التعبير عن رأيه بصراحة في ما يستهويه و حسب جودة المنجزالفني والذي يستحق نيل جائزة المسابقة ، تنبهه زميلته في لجنة التحكيم إلى أن بعض الأعمال التي رفضها شارك بها من يفترض أنهم أفضل فناني المدينة، لكن دانيال الذي لم تعجبه لوحاتهم حتى لو كانت لوحة للبابا فرانسيس أبن الأرجنتين البار. في النهاية يعطي صوته للوحة عادية تم رسمها على ظهر كرتونة لجهاز كهربائي ، وحين تعتذر له زميلته المشرفة على المسابقة بأن بعض المشاركين لا يتمكنون من توفير لوحات مناسبة لكي يرسموا عليها ، فيضطرون للرسم على كل ما يمكنهم الحصول عليه ، يقول لها متحمساً إن هذا بالتحديد هو سرإعجابه باللوحة ، وأن قيام أصحابها بتحويل ظهر كرتونة جهاز إلى عمل فني يعني قام بتوصيل معنى شديد الأهمية ويقترح هذا الفنان وجهة نظر نقدية يجعله يستحق الجائزة الأولى بكل تأكيد ، لذا يقترح عدم تعلق اللوحة على الحائط ، بل في منتصف القاعة حتى يستطيع الزوار أن يشاهدوا كلا الوجهين للوحة. يحظى رأيه بموافقة العضو الثالث المنبهر بكل ما يقوله دانيال ، الذي ظن أنه أنهى عمله على أكمل وجه ، وأن الموضوع قد انتهى ولايعرف أن معركته قد بدأت مع الفساد الثقافي المستشري في مدينة (سالاس) ، لكنه يفاجأ خلال تناوله للغداء مع زميله بشخص يقتحم القاعة ، ثم يعرف نفسه بأنه الدكتور " فلورنزو روميرو " رئيس جمعية سالاس للفنون البصرية ويقوم بدوره الممثل (مارسيلو داندريا) وهوممثل سينمائي أرجنتيني ، ويستغرب أن لوحته التي شارك بها في المسابقة ، لم تكن جيدة من وجهة نظر دانيال، ويستغرب دانيال من هذا التصرف في ان فنانا يشارك في مسابقة ويريد ان يفرض رأيه حيال ماتختاره اللجنة ؟ !! ، ويهاجم الدكتورفلوسبيرو روميرو الكاتب " دانيال " لانه فضل على عمله لوحة ركيكة لمجرد أن شخصاً محدود الدخل رسمها على ظهر كرتونة ، معتبراً بغضب أن حسّ دانيال مانتوفاني" ملوّث بإقامته بالخارج ، وأنه يحاول أن يفرض على البلدة معايير مستوردة للفن التشكيلي ، وإن الكاتب "دانيال مانتوفاني" مبتلى بالحقد والكره تجاه بلده وجذورها ، ويهدد دانيال بأنه لن يسكت على تلك الإهانة وأنه سيرى من سيكون له القول الفصل في نهاية المطاف ، هذا التهديد تهديد لم يأخذه دانيال مأخذ الجد ، وتبدأ أول المضايقات والتهديدات او بالاحرى الصدام مع رموز الفساد في الوسط الثقافي . ويبدأ الدكتور فلوسبيرو و(بلطجيته) بمضايقة الكاتب دانيال وملاحقته وحتى تشويه سمعته . في الفندق يجد رجلا بانتظاره مع أبنه الشاب على كرسي متحرك يطلب منه مبلغ 9800 دولار لشراء كرسي ويعمل بالبطارية مما يسمح لأبنه الشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة بالحركة بنفسه ، ولأن الرجل عاطل وزوجته مدرسة ومحال أن يتحمل نفقاته ، ويتعذرعليه شراء مثل هذا النوع من الكراسي ، ويخبر الرجل الكاتب دانيال بانه" فعلنا كل ما بي وسعنا لاقتناء ذالك الكرسي ، وقصدنا كل مؤسسة تخطر على بالك ، ولكن سدى ، ولذا تجرأت للقدوم لرؤيتك والطلب منك ، وماهو محال لنا ربما كان يسيراً لك ، انها 9800 دولار ياسيدي " يناوله الرجل بطاقته للتواصل معه ، ولكن رد الكاتب" دانيال مانتوفاني" كان صدمة للاب حين يعتذر له عن تنفيذ طلبه ومساعدته وبحجة انه ليس منظمة أهلية ، وعلى الرجل أن يقصد الجهات الرسمية ومؤسساتها لمساعدته ، وانه لايهمه المبلغ سواءاً كان دولاراُ أو 100 الف دولار، فلو اعطيتك 10 ألالاف دولار وهو باستطاعتي ، لكن هذا يخالف قناعاتي ومبادئي ، ماذا عن بقيه الناس الذين في مثل موقف إبنك ، سيكون ذالك غير منصف بالمرة لذا انا أقول لك أسف " .
في المحاضرة الثانية والتي تحدث فيها الابتكار الفني حضرعدد قليل الى محاضرته ، فبعد فترة قصيرة من بداية المحاضرة يهجم الدكتور فلورنزيو (مارسيلو أندريا) الساخط والحاقد على نجاح الكاتب " دانيال مانتوفاني "، وهو يلقي إحدى محاضرات ، ويقدم نفسه " أنا الدكتور فلورنزيو روميرو" وكلكم تعرفون من أنا بالضبط ، دعوني أقاطعكم سيوزعون رجالي عليكم نسخاً بها مقاطع من أحد كتب هذا الكاتب وهو كتاب (ذا ساند جاينيت) ، ستقرؤن كيف عمل الكاتب على تشويه مجتمعنا بما لا يقبل الجدل ، ويعاملنا على إننا ناس جهلة ومنحرفون ، ولكن ليس فقط في هذا الكتاب بل في جميع كتبه ، لايفعل شيئا الا أن يعملنا على اننا حثالة ، نقول له توقف عن هذا الادعاء ، انت الحثالة ، أعمال هذا المليونير كلها قائمة على تشويه مجتمع بعينه ، لم يكن سوى خادم ترفيه في أوروبا ومهرج !" ، ويكمل تهجمه " انك هربت الى اوروبا حين صعبت المعيشة هنا ، ماذا تتأمل من شخص لايعود حتى لدفن أبيه ". ولكون الغالبية من الناس في مدينته ( سالاس ) لاتقرأ فتصدق تلك الافتراءات .
هذا الحقد وربما الحسد هو يشكل محنة المغترب المثقف عند عودته الى بلده ، في العراق مثلا برزت بعض من تلك الاصوات في نشازها ومحاولاتها في خلق فجوة بين أوساط المثقفين ، بما يسمى مثقفوا الداخل ومثقفوا الخارج ، وهو ما أنتجته الظروف السياسية في العراق بعد 2003 وحكومات الاحزاب الأسلامية في محاولة لتقسيم العراقيين الى عراقيي الداخل وعراقي الخارج وهي محاولة رخيصة ومكشوفة ، قبل كل شئ العراقيين في الخارج ( كما يطلق عليهم البعض)هم عراقيون وليس من حق احد ان ينتزع منهم وطنيتهم وولائهم للوطن أوإنتمائهم الى وطنهم ، لذا يجب على كل العراقيين والصفوة المثقفة بالتحديد ان تقف بقوة ضد هذا التقسيم المصطنع ـ وان هذا التقسيم والتجزئة للجسد العراقي الواحد قد تفقده اكثر الناس كفاءة ونزاهة .

- أنتهى الجزء الاول-