المقدس والمدنس

حسان الجودي
2020 / 11 / 22

يعتبر نهر الغانج من أكثر أنهار العالم تلوثاً . ويحتل الدرجة الثانية العالمية بذلك الامتياز المرعب. وهناك مناطق على ضفتيه تمتد على مساحة 600 كم مربع تعتبر ميتة ايكولوجياً. وذلك بسبب النفايات الكيمائية والعضوية (شبكات الصرف الصحي، شبكات الصرف الصناعي، بقايا حرق 60 ألف جثة سنوياً بالإضافة إلى جثث الأموات من الحيوانات والبشر). إلا أنه نهر مقدس لدى ملايين الهندوس ، يتباركون بمياهه ويعتقدون بامتلاكها خصائص شفائية مذهلة.
إن الحقيقة العلمية تشير إلى أن الاستحمام بمياه نهر الغانج قد يسبب مخاطر صحية كبيرة. لكن من يهتم؟
يعطل التقديس العقل تماماً. فالغانج نهر طاهر ومطهِّر رغم قذارته. وتلاحظ مثل هذه المحاكمات العاطفية الدينية لدى جماعات دينية أخرى. فمنها من تقدس الأحجار أو البيوت، ومنها من تقدس بئراً جوفية، ومنها من تقدس الجبال، ومنها من تقدس الحيوان.
ما يثير الفضول هو هذه النزعة العميقة لدى الإنسان لتقديس كل شيء. فهل هي الرغبة في الحصول على مصدر طاقة نفسية متجدد يساعده على عبور ألغاز الحياة والموت؟ أم هي وسيلة لتحرير الذات من المسؤولية، للحصول على الوصايات والإرشادات والأوامر والنواهي والخطوط الضيقة لمسرب الحياة من ذلك المقدس؟
والمثير للانتباه هو أن التقديس البدائي كان مرتبطاً بمفهوم المقدس الديني المتعالي السامي ، ثم تحول عبر العصور ليصبح تقديساً أرضياً للإنسان ذاته . وهذا تحول غريب وغير مفهوم أيضاً ، فكيف يقدس الإنسان (المدنّس) إنساناً (مدنّساَ) آخر؟
ربما تحولت بعض الأحزاب السياسية، وبعض الحركات البيئية كالنباتية، أو الثقافية كالتواصل الاجتماعي إلى ديانات جديدة. مثلها مثل أندية كرة القدم القوية التي تخرج بين الحين والآخر لجماهيرها نبياً (نجماً كروياً ) لعبادته.
وإذا صح ذلك، فكيف يمكن تفسير عبادة العديد من الشعوب لالهٍ واحدٍ، بالإضافة إلى عبادة (وكلاء ) هذا الإله على الأرض فتجتمع التوحيدية مع الوثنية في علاقة غريبة.
وهل لذلك علاقة ما بغياب العقل النقدي ؟ وكيف تستقيم هذه الفرضية مع واقع نمو السلطة العلمية التي هي في جوهرها تدنيس المقدس، واعتباره شكّاً يجب مناقشته قبل احترامه وقبوله. وهذا بالطبع يشمل تاريخ المعرفة البشرية بالكامل.
ربما يكون المدخل لفهم هذا، هو العلاقة الطردية بين انتشار التقديس وانتشار التدنيس. فكلما ازداد الفساد والظلم والجوع والفقر، ازداد عدد المقدسات التي تعطي تبرير ذلك. فيتم انكار المسؤولية الفردية ، لتصبح إرادة المقدس نفسه، وهذه لا راد لها!
وهذه بالضبط روح الثقافة الاستهلاكية المعاصرة والتي تصنع الجوع لتتاجر بتي شيرت عليه شعار مقدس : أوقفوا الجوع أو أوقفو الحرب أو ما شابه..
يا لبؤس الكاتب العربي إذاً !
كيف ينتج نصه الجديد، وهو فوق نطعين، الأول هو المقدسات القديمة والتي تحكم بوصاية الأموات المرعبة على الأحياء في كل شيء. والثاني هو الثقافة الاستهلاكية التي تجبره على بيع منتجه الأدبي وفق شروط السوق، وليس وفق شروط الإبداع ذاته.