من تاريخية صراع الهوية في العراق المعاصر (1- 5):

عقيل الناصري
2020 / 11 / 22

1.1 - البـدايــات:
منذ انتكاسات الحضارات الأولى القديمة في وادي الرافدين وإلى الغزوات الخارجية ما قبل وبعد القرون الوسطى، بخاصة منذ سقوط بغداد في عام 1258 ، ومن ثم سيطرة الدولة العثمانية ، الأسوء في تاريخية الاحتلالات، دخل العراق في الحلقة المفرغة للتخلف، وتشتت قواه الاجتماعية وهدمت القاعدة المادية التحتية اللازمة للتطور .. وتكاثرات النكبات الطبيعية والاجتماعية والحروب الداخلية والخارجية، مما عمق المشاكل الاجتصادية وتراجع المؤسسات الاجتماعية والثقافية وساد الجهل وتوقفت بغداد عن عملية الابداع المعرفي، كما توقف العقل العراقي عن الجدال والسجال للمسائل الفلسفية والفكرية وأختفت مدارسه اللغوية والكلامية.
بمعنى أنهم لم يستطيعوا انتاج وإعادة الانتاج للقيم المادية والفكرية.. وكان من نتائج ذلك الانشطار الاميبي للمكونات الاجتماعية، والتقوقع على الذات العشائرية الشبه مستقلة والمكتفية ذاتياً والمتحاربة فيما بينها، وبينها وبين السلطة المركزية العثمانية. لقد "... أستمرت هذه الحقبة زهاء سبعة قرون متتالية، عاش العراقيون خلالها حالة شلل حضاري تام، غرست فيهم ما يسمى في علم الفيزياء بالقصور الذاتي inert (هي حفاظ الأجسام على حالتها الساكنة أو التحرك في اتجاه واحد مالم تتعرض إلى قوة خارجية ترغمها على الخروج من سكونها، أو تغيير اتجاه حركتها)، وقد جاءت نتيجة تلاشي الإطار المجتمعي الذي يجمعهم، وانحلالهم إلى جماعات متفرقة منكفئة على ذاتها... ".
حيث "... كان الفرد العراقي لقرون عديدة يفتح عينيه على الحياة، فيجد المسؤول الإداري والضابط العسكري والحاكم، غرباء ليسوا من هذه الأرض ولا يتكلمون لغتها، لكنهم يتحكمون بحياة عائلته وعشيرته ومنطقته. ويكتشف بالتجربة أن جهده وتعبه يذهب للأجانب الذين يحكمونه ويتحكمون به. أي أنه أجير ولد في هذه الأرض. فمنذ القرن الخامس عشر، وحتى العقد الثاني من القرن العشرين كان العراق خاضعاً لحكم القبائل والعوائل التركية، بدأت بالخروف الأسود ثم الخروف الأبيض التي سقطت على يد الصفويين الفرس، ثم جاء احتلال العثمانيين الأتراك، واستعاده الصفويون ثم استقر للعثمانيين حتى أواخر الحرب العالمية الأولى.. ".
وكما قلنا سابقاً، كانت بداية القرن المنصرم من أخصب مراحل التطور الفكري واكثرها خطورة على واقع مستقبل البلد.. كان أحد معالمها هو إشكالية تحديد الهوية الجماعية والتي تعتبر من أهم القضايا المؤثرة في الوعي الاجتماعي وفي تجلياته الفلسفية والسياسية والحقوقية والجمالية والدينية. كما تمثل وسيلة للتطور والغاية للتوحد والحفاظ على الذات الجمعية.. لما لدورها الحاسم في توحيد أو تشتيت القوى الاجتماعية وبخاصة في مرحلة انتقال المجتمع في العصر الحديث نحو الدولة/الأمة.. وهو بمثابة صراع مستمر على تحديد مسارات الهوية الموحدة للمجتمع السياسي والثقافي، وتوجهات التغيير الاجتماسياسي في أفقها المستقبلي، طالما "... لا يُطرح سؤال الهوية بقوة إلا حين تجد أمة ما نفسها في حالة تحوّل حضاري حاسم، أو حين تكون فكرة الأنا عن نفسها غائمة وملتبسة أو حين تواجه تحديات كبرى لا قبل لها بها. وقد أصبحت الهوية اليوم في القلب من اهتمامات البحث النظري، وكذلك في القلب من ساحات الصراعات والحروب في ميداني الواقع والتاريخ...علينا أن نعي أن اتخاذ الموقع المركزي لموضوعة ما، في زمن ما، داخل الحقل المعرفي تفرضه مقتضيات السياسة والمصالح والصراعات القائمة أكثر مما تفرضه الضرورات المجردة للمعرفة.
كما أن التعاطي مع تلك الموضوعة معرفياً يمكن أن يكون، في إطار أجندات معينة، استراتيجية سياسية في نهاية الأمر، لها آثارها في حقل المعرفة، وفي حياة المجتمع ومستقبل البلاد، على حد سواء. وبذا يستدعي مفهوم موقع الهوية في سياقنا النظري وأفق فهمنا الكلام عن الممرات والتخوم المشتركة ومناطق التفاعل... ".
وفي الوقت نفسه يسلط ذات المؤلف الضوء المعرفي على زاوية أخرى للهوية بقوله: "... إذا ما نظرنا إلى الهوية بوصفها نتاجاً لإحداثيات متغيرة تنتقل في فضاء خريطة سوسيو- ثقافية متعددة، مجسّمة، نكون قد أحطنا بحدود متحركة لها.. ليست ثمة للمرء هوية واحدة، نهائية، تطبع صورته من لحظة الولادة إلى لحظة الموت.. الهويات المتآلفة والمتضادة والمتصارعة في دواخلنا تجعل من الهوية معضلة مرتهنة بالزمان والمكان.. فالهوية سردية تاريخية مفتوحة.. الثابت الموروث فيها جزء قد يتم تبنيه أو إقصائه، والمتحرك والمتغير هو المادة التي تتشكل الهوية من خلالها وتعاد تشكيلها مراراً وتكراراً. إن تبنّي ذلك الموروث الثابت وجعله المادة الرئيسة في تكوين الهوية، وتحنيطه وتقديسه والحكم على الآخرين الذين لا يشبهوننا من منظوره، هو المقدمة لنبذ الآخر، وازدرائه، وكراهيته، والميل لممارسة العنف ضده... ".
كما أن"... وعي الإنسان بالإنتماء والتجذّر لا يتم إلاّ بالهوية، ووضوحها وتماسكها وفاعليتها ستُنتج حِراكاً وفعلاً إنسانياً يستعصي على التهميش أو المصادرة. وعليه، فقولنا بهوية عراقية، يعني قولنا بكينونة عراقية تأريخية اشتملها الزّمان والمكان والعقيدة والفكر والأرض والحضارة والتأريخ.. ويعني الإنتماء والتّجذّر الماهوي لذاتنا الفاعلة والمنفعلة والمغروسة في أرض النهرين منذ فجر التأريخ... وعليه فالثابت والمتحرك في مكنون الهوية هو المُنتِج لأُمّتنا العراقية في نسقها القديم والجديد، اشتملته أرض النهرين كوطن لسلالات وأعراق وعقائد وثقافات ودول وحضارات متراصّة ومتراكمة، فاعلة ومنفعلة.. فأُمّتنا العراقية اليوم هي نتاج أُمتنا العراقية في فعلها التأريخي، هي عُصارة كينونة أُمتنا في أزمنتها المتعاقبة، وهي عنوان وجودها المعاصر.. وهنا فإنَّ صيانتها تتمثّل بصيانة مقومات هويتها الضاربة بالعمق، وصيانة مرتسماتها الدّالة عليه، وصيانة مضامينها التي تُشكّل وذاتها وحدة واحدة من دين ولغة ووطن وثقافة وانتماء وولاء وفاعلية وأصالة.. كونها تعبير عن الكينونة في معناها الأدق، وأي مساس جوهري بعناصر الهوية في أبعادها الثابتة المُشكّلة للماهية والدور يعني المساس بكينونة أُمتنا العراقية ووجودها واستمرارها الحضاري... ".( التوكيد منا- الناصري)
"... وبنظرة عجلى إلى التعاريف المذكورة آنفاً يمكن تشخيص ثلاثة اتجاهات رئيسية في الرؤية حيال موضوعة الهوية - بانواعها المختلفة والتي ستعرضها ضمن هذه الدراسة :
1- الاتجاه الذي ينظر إلى الهوية من خلال الجوهر والعمق المشترك بين الافراد والجماعات. وهذا الاتجاه ينظر إلى الهوية بوصفها ملازمة للإنسان منذ الأزل وإنها ثابة وغير قابلة للتغيير بشكل عام.
2- الاتجاه البنائي الذي يعتقد بأن الهوية هي عبارة عن بناء اجتماعي، وهي لم تأت من مكان محدد أو زمان بعينه، بل أنها وليدة الظروف الاجتماعية للإنسان. بمعنى آخر إن الهوية هي تلك الظروف التي يجد من خلالها الانسان طبقته وتأثيره ودوره الاجتماعي ضمن إطار الجماعة .
3- وأخيرا الاتجاه الذي يمكن ان نصطلح عليه بالتفاعلي أو التواصلي الذي يعتقد بأن الهويات بأنواعها هي حصيلة التفاعل، إذ إن الحقائق الاجتماعية هي نتاج الحوار والتفاعل المستمر بين الأفراد وليس لها وجود خارج هذا الإطار. ولما كان التفاعل عملية متواصلة ومتحركة ولا ترسو على حقيقة بعينها، فإن الهويات أيضاً دائمة التغيير والتغيّر..." .
وعلى ضوء ذلك " فالهوية هي تلك العناصر المادية وغير المادية التي يتميز بها فرد ما أو جماعة ما ويعدّلها مع مرور الوقت عبر علاقاته/ها مع الآخرين... ".
الهوية الوطنية والقومية:
لقد تعددت الرؤيا النظرية لمفهوم الهوية سواءً الفردية أو/و الاجتماعية أو/و الوطنية، وهذا أمرُ طبيعي في مفاهيم العلوم الاجتماعية وتفسير ذلك ينطلق من أن كل مُنظر ينظر إلى منظومة المفاهيم، كل حسب منهجه الخاص، ورؤيته الفلسفية المعبرة عن انتماءته الطبقية أو/و الفكرية. ولهذا فقد عرف أنتوني دي سميث الهوية الوطنية بأنها : "...إعادة إنتاج وإعادة تفسير دائم للرموز والقيم والذكريات والأساطير والتراث الذي يميز الأمم ويعرف به الأفراد وركز سميث من خلال تعريفه هذا على جانبين مهمين في الهوية الوطنية، أولهما الجهة المستفيدة - إن جاز التعبير - من الهوية الوطنية وهي الأمة والأفراد، والثاني الجانب التفاعلي والحركي والمتغير للهوية لبوطنية ... أما هرميداس باوند فقد عد الهوية الوطنية بأنها تلك الإجابة الواعية للأمة عن الأسئلة المحيطة بها والمتعلقة بتأريخها وتعلّقاتها ومصدر انبعاثها ونفوذها الحضاري ومكانتها السياسية والاقتصادية والثقافية وقيمها التاريخية... ويخلص رولان برتون إلى أن الهوية الوطنية ترتبط بشكل أساس بالأحاسيس والمشاعر التي يكنها الناس إلى بعضهم البعض من خلال عيشهم المشترك على أرض جغرافية محددة ورغبتهم في إنشاء نظام سياسي واحد. وقد تكون للأيديولوجيات الدينية أو العرقية المشتركة- بحسب برتون- تأثير مكمل للهوية الوطنية على إعتبار إن هذه الأيديولوجيات أو التوجهات تُعمق المشاعر وتعزز المشتركات التي تميز الأمم... " .
والهوية الوطنية كما نراها هي واحد من اكثر العواطف تغلغلا بعمق، يرسخها نظام سياسي وعيش على رقعة جغرافية واحدة تجمعها مصالح مشتركة وأسس مادية للثقافة .. وهي نتاج لظروف أقتصادية واجتماعية ببعدها التاريخي. بمعنى آخر إن الوطنية لها مدلولات تختلف من عصر لآخر، وهي الأخرى عنصرا من عناصر الوعي الاجتماعي .
أما القومية، فقد ظهرت في البدء في أوربا مع انحلال النظام الاقطاعي على يد القوة الطليعية الصاعدة للطبقة البرجوازية في حينها. بمعنى آخر كانت الحركات القومية تعني وتتضمن إسقاط الاقطاع والتحرر من القهر القومي الأجنبي وتوحيد البلاد وطرد تحكم الكنسية بتفسيرات الظواهر تاجتماطبيعية. أما في الوقت الحاضر فهي عبارة عن حركات سياسية لأجل الحصول على الاستقلال على قاعدة ارتباط الناس الشعوري (النفسي) الذي تميز، بخاصة في البلاد العربية، بالبحث عن النقاء العنصري وبذاكرة تاريخية مشتركة ، وخلوها من الابعاد الاجتماعية والنظرة الطبقية ، "... فالقومية هي أيديولوجيا وظاهرة سياسية تقوم على أساس لغوي غالباً أو ديني أو مذهبي أحيانا أخرى... "
لقد أفرزت الحضارة الأوربية ومنهاجها المعرفي، مفهومين متلازمين يتعلقان بالهوية وماهياتها وهما: الوطنية والقومية. وأرى أن هذان المفهومان ملتبسان إذ يحل أحدهما محل الآخر في الادب السياسي. فمفهوم الوطنية "... ملتبسة، بل هي موضع تساؤل، أو ارتياب، ولهذه الكلمة التي دخلت الرواج في القرن العشرين، تاريخ محدود لا يزيد عن قرنين، وهي مشتقة من كلمة (Patri) اي الأب. ولهذا البعد القرابي في المعنى دلالة الانتساب إلى جماعة، وارتباط هذا الانتساب بالأرض.
وعلى عتبة القرن العشرين حل مفهوم (Nationalism) وراج دون أن يلغي المفهوم الأول. صارت الوطنية مقترنة بالوطن، الوعاء الجغرافي للجماعة، ذات مدلول خاص، محلي أو إقليمي. بينما مفهوم القومية المرتبط بالقوم، بُعد عابر نحو جماعة أكبر ونحو كيان سياسي أوسع. في الحالتين تنعم الكلمتان بموقع مقدس في الخيال الجمعي... ويبدو التكامل والتضاد بين الكلمتين من واقع الحال رغم المسائلة والتساؤل المحيطين بهما... ". كما أن "... لهاتين المفردتين رواج متواز يبيح لهما حق البقاء والعيش، فالإثنتان تنطويان على معنى الولاء والانتماء والتماهي مع جماعة أكبر من الجماعة الدينية أو الطائفة أو القبيلة... ".
وفي الوقت نفسه فقد أفرزت الافكار القومية في أوربا "... عن نوعين مختلفين أساساً من القومية. فهناك أحد أشكال القومية وهو قومية المواطنة التي جاءت مع الثورة الفرنسية، فكرة الوطن، الوطن الأم الذي يعتبر فيه كل السكان الذين يعيشون في أراض محددة مواطنين بغض النظر عن أصولهم العرقية أو اللغوية ... وفي مقابل هذه الفكرة باعتبار القومية هي المواطنة للسكان االذين يقطنون بصورة مشتركة أرضاً هي الوطن. هناك ذلك النوع من القومية الذي يرتبط بدرجة أوثق بألمانيا وايطاليا وبإعادة توحيدهما. وهذا وضع يختلف تماماً، فهذه البلدان تتالف من دويلات عدة مختلفة، اي أنها مفتتة... وفي الحقيقة يرى القوميون العرب في هذا النوع نموذجاً لهم، وبالضبط لآنهم يعتقدون أن وضع الأمة العربية مماثل، حيث توجد دول كثيرة ولكن أمة واحدة... " . ( التوكيد منا - الناصري)
ولابد من الاقرار المسبق بأن"... المجتمع العراقي الحديث بالرغم من حاجته الماسة لمعرفة هويته والوعي بها من خلال التعمق بالمشكلات والتعقيدات التي عاشها، إلاّ أن انشغالاته السياسية والخطوط الحمراء التي فرضت عليه قد حالت دون معالجات حقيقية كان لابد أن يهتم بها المختصون والأكاديميون الذين تخصصوا في الشؤون العراقية الحديثة. هنا، أود القول بأن هذا " الموضوع " له مخاطره إن عولج من دون حيادية أو أن يكتب فيه من زوايا معينة. وعليه، ينبغي القول هنا، الاعتماد على مصادر كل طيف من الأطياف التي يزدحم بها العراق والكشف عن الروابط الحقيقية بين الناس ومستويات تبايناتهم، ولكن شريطة فهم الركائز الأساسية التي تجمعهم وتوحدهم. فضلا عن أن المصادر ينبغي أن تكون اجتماعية أكثر من أن تكون سياسية. وهنا أود التنبيه أيضاً، انه بالقدر الذي يعتمد فيه على وثائق رسمية، لابد من الاعتماد على ما أنتجته ذاكرتنا العراقية مهما كانت درجة محلياتها... ليست الهوية الوطنية بنيةً مغلقةً على ذاتها وإنما هي ظاهرة جوهرية مُتَحَوِّلةٌ دوماً ومرتبطة بمحور ثبات يتمثل بالتراب الوطني. إنها مفهوم يعّبر عن ذاته بذاته عبر الزَّمن ومعاييره وفي سياق علاقة تبادلية بين الجغرافية إزاء التاريخ وهي تنهض في تفاعل متحقِّقٍ أوتصمت وتتعرّى في حالة توتر وانكسار تاريخي أو انهيار مكبوح من مرحلة إلى أخرى سواء في وجود نسيج المدن أو في مكونات المحيط ! وبمعطيات حركة الحياة الوطنية المتنوعة. ". ( التوكيد منا- الناصري)
ونظرا لأن عمليات بناء الدولة في العالم العربي، تتميز بتنوع الخلاف والصراع بين مختلف المصالح الاجتماعية والسياسية للجماعات المتعددة، من أجل الاستحواذ على سلطة الدولة، وكذلك من أجل تحديد طبيعة ووجهة النظام السياسي للدولة العربية الوليدة وبخاصة في المشرق العربي.. التي تشكلت وتأثرت بمساعي الدول الغربية الكولونيالية ( بريطانيا وفرنسا في البدء والولايات المتحدة لاحقا لإعادة تشكيلها كما في نيتها الآن). كذلك رسمت معالمها الجغرافية وتوجههاتها السياسية بحيث تساهم في تحقيق مصالح ورؤية هذه الدول الاستعمارية. بمعنى آخر نود التأكيد على أن عملية بناء الدولة في المشرق العربي عموما، ومنها العراق، كان تحت وصاية الغرب وهيمنته الفكرية والسياسية، مما اثر على نمط التفكير والسلوك السياسيين وعلى نشوء وتطور المؤسسات الحديثة (البرلمان، الدستور، الأحزاب، المؤسسة العسكرية والامنية ومنظمات المجتمع المدني ...الخ) التي رافقت تأسيس الدولة وبنائها.
ومن الناحية المنهجية فأن عرضنا لواقع صراع تحديد الهوية الجماعية من الناحية التاريخية والتركيز على الفروقات"...لا يعني بالضرورة انني أدعي بأن هذه الفروقات هي أزلية. فالولاءات الاثنية والمصالح الطبقية والهويات الجماعية، تتعاضد وتتواصل وتتفاعل مع بعضها نظرياً وكذلك على أرض الواقع. فإن محاولة إبراز جانب واحد في فترة معينة لا يعني بأي شكل من الاشكال طغيانه على الجوانب الأخرى. الهويات المتداخلة والولاءات المتغيرة تتعايش مع بعضها البعض حيث أن الحقائق تشير إلى أنه في التأريخ الجماعات البشرية تتغير... في بعض الآحيان بشكل راديكالي حسب مفاهيمها... فالولاءات هي جزء من شعور عام وعقائد موروثة ودوافع تحدد توجهات وتحركات المجموعة البشرية.. ".
إن"... مفهوم الانتماء يعتبر أحد المفاهيم المركزية التي تحدد طبيعة علاقة الفرد وارتباطه بوطنه وجماعته وولائه له ويكشف عن الآلية النفسية التي تتحكم في هذه العلاقات، وبخاصة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك بالقيم والمعايير والاعراف التي توجه سلوك الافراد نحو هوية وطنية واحدة... " . كما أنه في الوقت نفسه "... تتشكل الهُوية، ويُعاد تشكيلها في أفق الزمن والتجربة. ولهذا فهي تقتضي شرط الحرية حين نعاينها من منظور تنويري عقلاني لتكون مسعى اختيارياً يضمن الاتصال في ضمن مجال أنسني رحب ومفتوح على الآخر.. إن الذات المتحققة بوجود آخر(ها) في ضوء المعيار الذي ذكرناه هي التي توفر فرص الفهم والتعاطف والتسامح والتعايش، في مدار كوني يسع الجميع، ويوفر أسباب النماء والسعادة وتحقيق الذات للجميع... ".
ومن الجدير بالذكر أن النمو الجنيني للافكار القومية في البلاد العربية، وبخاصة المشرقية منها، قد بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر. ويُرجع جورج انطونيوس: "... أول جهد في حركة العرب القومية إلى سنة 1875، أي قبل ارتقاء عبد الحميد العرش بسنتين، حين ألف خمسة شبان، من الذين درسوا في الكلية البروتستينية السورية ببيروت، جمعية سرية، وكانوا جميعاً نصارى، لكنهم أدركوا قيمة انضمام المسلمين والدروز إليهم، فإستطاعوا أن يضموا إلى الجمعية نحو أثنين وعشرين شخصاً ينتمون إلى مختلف الطوائف الدينية ويمثلون الصفوة المختارة المستنيرة في البلاد. وكانت الماسونية قد دخلت قبل ذلك بلادم الشام على صورتها التي عرفتها أوربا، فاستطاع مؤسسو الجمعية السرية، عن طريق أحد زملائهم أن يستميلوا إليهم المحفل الماسوني الذي كان قد أنشئ منذ عهد قريب، ويشركوه في أعماله...." ولكن يستدرك انطونيوس ويعود ويذكر بالنص "... بدأت قصة الحركة القومية للعرب في بلاد الشام سنة 1847، بإنشاء جمعية أدبية قليلة الأعضاء في بيروت في ظل رعاية أمريكية.. " على وفق النموذج الألماني الذي يؤكد على الأصل العرقي. وهذا ما رأيناه بصورة واضحة في رؤية ساطع الحصري وبصورة ضمنية عند ميشيل عفلق وغيرهم من المنظرين للقومية العربية.. الذين تأثروا بإفكار الفلاسفة الألمان من أمثال هايدبغر وفيختة .
لابد من القول من أن أحد العناصر الأراسية للقومية هي أن تؤلف لنفسها تأريخاً ، حقيقياً كان أم مزيفاً، ولذا"...يذكر ساطع الحصري أن القومية الأولى تحددت ابتداء بالتفكير في أمور الخلافة الاسلامية وفي حق العرب بهذه الخلافة. وهذه كانت اولى مظاهر الفكرة القومية عند العرب المسلكين وكانت فكرة ممتزجة باعتقاد ديني ومرتبطة بغايات دينية... ثم يستنتج الحصري بأن البذور الأولى لفكرة القومية العربية (الخالصة) المتجردة من الاعتبارات الدينية بدأت عند العرب المسيحيين قبل أن تبدأ عند العرب المسلمين... ". كما كان الحصري "... يطالب بالنموذج الفاشي لبناء الأمة وهو النموذج الذي حارب كل ما هو محلي وأثني وديني لمصلحة التماثل مع السائد القومي في ايطاليا تحديدا ... ".
الهوامش:
-"... لقد كانت الهيمنة العثمانية ذات الطابع الاسلامي ، قد استمرت زهاء ما يقارب خمسمائة عام، وقد أخضعت العرب في أتون البؤس، وأشاعت نظام الاقطاع، وتحركت اتجاهات عنصرية هادفة إلى ابادة العرب... " عزيز سيد جاسم ، جدل القومية والطبقة في السياق التاريخي، ص. 154،، الطبعة الثالثة، الشؤون الثقافية، بغداد 2006
2 - تعرضت بغداد، كمركز ، خلال الفترة 1621-1895 إلى كوارث طبيعية واجتماعية من مجاعة واحتلال وفيضان ووباء وحرب أهلية بلغ عددها 16 كارثة.. ختمتها الحرب العالمية الأولى. للمزيد راجع بطاطو، ج. 1، ص. 34، مصدر سابق
3 - د. سليم الوردي، ضوء على ولادة، ص.6، مصدر سابق.
4 - سليم الحسيني، العراق، وهْمُ الدولة (3) جذور المشكلة الوطنية، موقع الكاتب في الفيسبوك بتاريخ 24/7/2016
5 - سعد محمد رحيم، موقع الهوية، الحوار المتمدن بتاريخ 14/10/2014
6 - سعد محمد رحيم، وعود التنوير، ص. 8 ، مصدر سابق.
7- حسين درويش العادلي، الهوية العراقية ضرورة التشخيص والصيانة، موقع http://www.mesopot.com
8- علي طاهر الحمود، العراق من صدمة الهوية إلى صحوة الهويات، ص.28، مؤسسة مسارات، 2012،بغداد بيروت. ويوضح المؤلف إلى الفرق بين التغيير والتغيّر بكون الأول يحمل صفة الإرادة والإصرار المسبق، أما الثاني فيشمل ذلك التحول اللاإرادي وغير المخطط له.
9 - المصدر السابق، ص. 34.
10 - الوعي الاجتماعي هو : الآراء والمفاهيم والأفكار . النظريات السياسية والقانونية والجمالية والأخلاقية وغيرها، والفلسفة والأخلاقيات والدين والأشكال الاخرى للوعي . أن دور الوعي الاجتماعي يمكن أن يصبح ، ويصبح بالفعل - في فترات معينة- دوراً حاسماً، رغم أنه يتحدد ويشترط في النهاية بالوجود الاجتماعي، اي الحياة المادية للمجتمع ، بمعنى انتاج الثروة المادية والعلاقات التي تقوم بين الناس خلال عملية الانتاج. راجع القاموس الفلسفي، بإشراف روزنتال ويودين، ص. 578، مصدر سابق.
11 - علي طاهر الحمود، العراق من صدمة الهوية ، ص. 43، مصدرسابق.
12- الدكتور فالح عبد الجبار، جريدة المدى . ط.الالكترونية،في 13/6/ 2007.
13- الدكتور فالح عبد الجبار، في الاحوال والاهوال، ص. 47، مصدر سابق.
14 - الدكتور سامي زبيدة، نزعتا القومية العربية والاسلام السياسي في المنطقة، الثقافة الجديدة ص. 79، العدد 258 آذار 1994.
15 - د. سيار الجميل، اهمية الهوية العراقية، موقع http://www.mesopot.com
16 - للمزيد راجع ، ماريون فاروق سلكليت، المجتمع المدني ، ص. 37، مصدر سابق.
17 - ليورا لوكيتز، العراق والبحث عن الهوية الوطنية، ص. 16، مصدر سابق.
18 - إبراهيم الحيدري، الولاءات العشائرية والطائفية وإشكالية العوية الوطنية، http://www.mesopot.com
19 - سعد محمد رحيم، وعود التنوير، ص. 11، مصدر سابق.
20- جورج انطونيوس، يقظة العرب، ص.149، مستل من حسن السعيد، نواطير الغرب،صفحات من ملف علاقة اللعبة الدولية مع البعث العراقي 1948-1968،ص.55، ط. 2، مكتبة عدنان بغداد 2015.
21 - راجع مواد الندوة الفكرية التي نظمها المنبر الثقافي بعنوان : القومية ، النشوء، الأشكال، المشكلات، النظريات . والتي قدمت الثقافة الجديدة خلاصة ومقتبسات من بعض بحوثها التي نشرت في العددان 256 و 258 لعام 1994.
22 - من الملاحظ أن الانظمة القومانية بالعراق المعاصر، ملكية كانت أم جمهورية، قد ركزت على الابعاد التاريخية للذاكرة العراقية مبتدأةً أيها منذ الدولة الاموية، في حين ركزت القوى الاسلاموية على الذاكرة منذ ظهور الاسلام تحديدا .. أما الذاكرة العراقوية ( الرافدينية) فقد سبرت غور التأريخ العراقي منذ حضارات المدن السومرية وما بعدها، بل وحتى قبلها منذ حضارات القرى المنتشرة في السهل الرسوبي من بلاد ما بين النهرين.
23 - مستل، من عزيز سيد جاسم، جدل القومية، صص. 157و 158، مصدر سابق. مع العلم أن العروبيين الذين سيطروا على الجانب التعليمي منذ تأسيس الدولة لم يؤلوا جهدا للعراقوية ولم تذكر في مناهج التدريس ما يمت للذاكرة الرافدينية.
24 - فالح عبد الجبار وآخرون، الإثنية والدولة، الأكراد في العراق وإيران وتركيا، تأملات في التماثلات،،ص. 496 ، معهد الدراسات الاستراتيجية، بيروت 2006، مستل من علي طاهر الحمود، العراق، هامش ص. 91، مصدر سابق.