البحر منبع للخير ومنتجا للتوحش.. قراءة في رواية -الياطر- للراحل حنا مينا..

محمد عبعوب
2020 / 11 / 21

تعودت في رحلاتي عبر كنوز المعرفة التي شرعت الثورة الرقمية لنا نحن الفقراء أبوابها، و اشبعت نهمنا وجوعنا لثمارها التي لا يحاط بها ولا تقدر قيمتها بأي ثمن؛ تعودت فتح كتابين، و حتى ثلاثة كتب للتنقل بينها في رحلة إدماني اليومية القراءة، على أن يكون أحدها رواية أتخذها كمحطة استراحة، أجدد من خلال حكاياها و صور ومشاهد ابدعها كتّابها تنشيط ذاكرتي، بعد أن أكون قد عييت من تتبع مسارات المعرفة الفكرية او العلمية التي تحويها بقية الكتب المفتوحة ..
استراحتي الأحدث والتي طويت صفحتها الأخيرة مساء امس الجمعة كانت مع الروائي المبدع، روائي البحر الراحل حنا مينا في روايته الياطر، والتي اتخذتها كرفيقة لي في الابحار عبر الجزء الرابع من سلسلة نقد العقل العربي للجابري ، الذي يتناول العقل الأخلاقي العربي..
و ما إن تصفحت الصفحات الاولى من هذه الرواية، بعد مغادرة كتاب العقل الأخلاقي، تجتاحني موجات ضحك متواصلة لمشاهد بطلها البحار الصعلوك زكريا المرسنلي وهو يصارع ابنه الذي ينازعه على واحدة من محضياته، وكذا جولاته الشبقية بين الخمارات ودور الغاء.. كما شدتني عديد الصور لحياة هذا البحار وهو يصارع الفقر الذي تعانيه اسرته، و الذي اسهم هو في صنعه بتهتكه وفوضى حياته. تتبعت رحلاته الفاشلة كتاجر متجول يصارع نزقه و توحشه وعربدته التي حولته في آخر فصول حياته الى متشرد عاريا كإنسان الغابة ، بعد ان تورط وهو في حالة سكر في قتل زخريادس الخمّار ابن صديقته القديمة اليونانية، الذي كان يروي عطشه ويستنزف امواله، التي يختلسها (المرسنلي) او بالأحرى يغتصبها من أيدي زوجته وبناتها اللائي يعملن خادمات في بيوت الاثرياء لتحصيل لقمة عيش شريفة، ويبددها هو في إشباع نزواته وملئ اوقات فراغه في مشاريع تجارية فاشلة. كما يصدم القارئ فشل راعية البقر التركمانية شكيبة التي حاولت اخراجه من هذه الحياة البهيمية في الغابة يقاسي الجوع والعراء، فارا من مطاردة الشرطة بعد أن قتل زخريادس ، وغامرت معه تلك الراعية المسكينة مخترقة تقاليد وشرائع مجتمعها لانقاذه ، إلا أن هذا البحار المتعجرف الذي كوّن البحر بتقلباته و أخطاره شخصيته وصاغ مزاجه ، أصبح عصيا على العلاج، وان الانسان الطبيعي والمراعي لتقلبات الحياة كلما ظهر في حياته، يصعقه إنسان البحر المتوحش و يبدد أي وجود له في تفكيره، ويركن الى أخلاق البحار المتعجرف الذي لا يأبه بالمصاعب و قد يسعى لها بقدميه بعد ان يكون قد قاطع عقله و ارتهن لشهواته ونزواته ..
في الياطر شدني، بل فاجأني ان أكون انا عبعوب – كإسم وليس واقعا بكل تأكيد- أحد أصدقاء المرسنلي الذي كان يثيره بأفكاره الغريبة، ويستدعي أقواله كلما عرضت له حوادث مثيرة.. بل أنني وقبل أن اكتشف وجود اسم عبعوب بين شخصيات الرواية، كانت ومنذ الصفحات الأولى للرواية تظهر أمامي شخصية صديق لي بحار ادعوه بابي لهب، وهو يشبه المرسنلي في كثير من الجوانب الايجابية لشخصيته مثل الشجاعة و الكرم وسرعة الإثارة .. كنت أقرأ بنهم صفحات الرواية و استعيد ذكرياتي مع صديقي ابن البحر ابولهب الذي ربطتني به علاقة أخوة صادقة، و كثيرا ما كنت استغرب بعض تصرفاته او لا اتفهمها، الى ان أوضح لي حنا مينا من خلال مشاهد و تصرفات زكريا المرسنلي بطل هذه الرواية، أن نقش البحر وتأثيره في شخصية رواده ، غير نقش الجبال في سلوك سكانها، و بذلك لا يحق لي أنا ابن الجبل الذي جبلت شخصيته من أحجاره و وديانه، التبرم من تصرفات صديقي الذي صقلت ملوحة البحر و صراعاته شخصيته و شكلت نفسيته التي تحاكي البحر في تموجاته وعواصفه المباغتة والتي إذا ما ثارت لا ترحم حيا ولا ميتا ، وهو ما اره يغلب على طباع صناع البحر وزكريا المرسنلي نموذجهم المتطرف .