عجز الأحزاب السياسية عن إدارة الدولة التونسية

عزالدين بوغانمي
2020 / 11 / 19

لماذا فضّلت الدولة عبر رئيسها التّعويل على نفسها والاستغناء عن الأحزاب السياسية؟
ولماذا أتفهّم عِداء الرئيس للأحزاب السياسية؟

لقد تبيّن أن كل الأحزاب التونسية بعد الثورة هي أحزاب بلا مشاريع ولا رؤية للإصلاح. وجميعها تعيش أزمة تنظيم وبرامج وأزمة قيادة.
وحتى الأحزاب والتنظيمات "العريقة"، أو التي تعتقد أنها عريقة، لم تستوعب التغيّرات العميقة التي أحدثتها الثورة على الجماعة الوطنية، وعلى كيان الدولة وعلى النظام الإقليمي الذي استندت إليه منذ قرابة مئة عام، وبالتالي على الفرد وعلى الوعي العام، وبأنّ هذه التغيّرات العميقة، إنّما تفرض عليها التجديد كأحزاب، وإعادة البناء على أسس وأفكار جديدة تتلاءم مع مرحلة ما بعد 14 جانفي. ولهذا السبب اقتنع المواطن بأن معظم هذه التنظيمات فاقدة للبوصلة، وتعاني ارتدادا وتناقضا بين القول والفعل، وتفتقد للصدق وللمصداقية وللقوة الاقتراحية، ولا تقدم حلولا واقعية. كما أنها عاجزة عن التشبيب وعن تأهيل الكفاءات وإفراز نخب جديدة. وأن همها الوحيد هو الكراسي والمنافع. وأنها تكرس جهدها كله للظفر بالانتخابات باعتبارها غاية في حد ذاتها.

فماذا كانت نتيجة أزمة الأحزاب؟

النتيجة: كره المواطن الأحزاب ونفَرَ من الشأن السياسي بشكل عام، ممّا جعل الطبقة السياسية بلا مشروعية. وهكذا تمّ الانفصال بين الدولة والمجتمع بسبب انكماش الوسائط الحزبية وانحطاطها المتدرّج على امتداد تسع سنوات عِجاف.
إزاء هذا الوضع، وبدل وضع حد لهذه المهزلة وتوفير المناخ المناسب لنمو تجارب أخرى، سهت الدولة عن دورها بسهوها عن اشتراط قلاع فكرية صارمة تُشكّل ركائز متينة لصنع سياساتها. فتركت مصيرها رهين المناورات الرخيصة لأحزاب معطوبة الضمير والوطنية. وهذا ما أوقع الدولة التونسية في الارتباك وإضاعة الطريق ما بين الرجوع إلى الوراء أو التقدم نحو الهاوية.

بعد توتّر الأوضاع سنة 2013، حيث تفاقم العنف باغتيال السياسي الثاني الشهيد محمد البراهمي. وبعد أن ثبت عجز حركة النهضة على إدارة الدولة دون قتل، بسبب تصرّفها كجماعة طائفية مُغايرة للمجتمع، لا كحزب سياسي وطني منسجم مع المجتمع. حينئذٍ وفي إطار الاجتهاد في ضمان حدّ معقول من الاستقرار، ارتكبت الدولة خطأ فادحا، حين سمحت بتصعيد فئة من الماكرين القادمين من عالم التجارة لرئاسة الحكومة. أولائك الذين يحسنون الالتفاف على القيم ونتف الأفكار والمواقف والتفنن في تصريف خياراتهم الهزيلة، مُدّعين إزاء ذلك امتلاك ناصية الفكر وقواعد النظر في السياسة وشؤونها.
وهكذا تداولت على رقبة الدولة شريحة من الوسطاء السماسرة ضربت منزلة الدولة ومشروعها الوطني المُفترض في العمق، ذلك أن دور الوساطة الذي لعبته ما بين الدولة والمجتمع هو دور غير مؤسساتي، قائم على الفردانية والتضليل والتسويق، تماما كما يفعل كل مختص في علم الإشهار بهدف التمويه والانتفاع الذاتي..

ومن المعلوم أن سيكولوجيا هذه الشريحة تبطن عكس ما تظهره، ولا تتحرّج من ادعائها امتلاك المعلومة والمعرفة. وقد تنخرط في المواجهات الفجة للتغطية على ما تأتيه من رذائل. وهي تتميّز بنكث العهود وصحّة الرّقعة. ولقد رأينا ذلك بالحجة والدليل: فالأوّل كُلِّف بمهمّة محدودة في الزمن والصلاحية، فاستغلّ الفرصة، وشغّل الإعلام والأنصار لمناشدته للترشّح، وكاد يُدخل البلاد في حالة فراغ. وبِشقّ الأنفُسِ تمّ ثنْيه على ذلك.
والثاني، يكفي أن نتذكّر كيف انتهى الرئيس الباجي خصْما له بسبب انتقاله الماكر من الحزب الذي سمّاه إلى أحضان الخصوم، دون أن يندى له جبين.
أمّا الثالث، صاحب "يبطى شويّة"، فلن ينسى التوانسة، لعشرات السّنين، صفاقته وهو يدافع عن نفسه في حالة تلبّس واضحة، حيث هو رئيس الإدارة وهو الممثل التجاري لشركة متعاقدة مع الإدارة التي يرأسها، بما يعني أنه البائع والشاري في نفس الوقت، و"يبطا شوية" !
على التوالي تداول على رئاسة الحكومة ثلاثة شُبّان بلا ماضي سياسي، وبلا دراية بأولويات الإصلاح، في ظلّ خراب حزبي ومشهد متعفّن إلى أبعد الحدود. ومن نتائج تواطؤ الدولة وصمتها على عبث طبقة سياسية عليلة، تجني البلاد اليوم ثمار تبخيس أولوية الفكر والسياسة، والتضييق على الخيارات الوطنية. وتجني ثمار الخضوع والاستسلام لتوصيات الصناديق الدولية.

وبسبب ضعف الايمان بالديمقراطية وانعدام التربية المدنية لدى الفرد، نجحت هذه الشريحة التجارية التي قفزت إلى أعلى مركز في السلطة في ترذيل كلّ المرجعيات الإيديولوجية، وتسفيه الخيارات الوطنية. وهكذا بات الشأن العام بيد المهرّبين والصّعاليك والعملاء والمجرمين والمارقين عن القانون.
وبالنتيجة، تم اختطاف الدولة حتى صار المواطن المسحوق بالأسعار، يصفها ب"المافيا". وهو محق في ذلك لأن حكم المافيا هو نظام دولة مرتبط بالجريمة المنظمة، بحيث يشارك مسؤولون حكوميون مثل الوزير أو الشرطي أو القاضي في أعمال غير مشروعة لصالح اللص أو المهرّب أو القاتل للتغطية على الجرائم وضمان الإفلات من العقاب..
وبطبيعة الحال، وفي قلب نفس السياق، هنالك جماعات سياسية على صورة تضامنات إجرامية، لم ترْق بعد لمستوى الأحزاب. بل ترفض أن تتحوّل إلى أحزاب حقيقية. همّها الوحيد هو البقاء في السلطة. ولأنها بلا مشاريع، تفضل العيش في الغموض والخراب وفوضى القرار وسوء الإدارة. ففي ظل حكم العصابات فقط، يمكنها ابتزاز الدولة عبر آلية الشونطاج على أمن التوانسة واستقرار البلد، دون الاكتراث لمعاناة الناس وبؤسهم وخصاصتهم وجوعهم. وهذا ما أجبر رئيس الجمهورية على وصف البعض ب "السفهاء والمتربصين والذين في قلوبهم مرض ...". وهو ما يدفعه اليوم إلى الإصرار على مغامرة تشكيل حكومة مستقلة عن الأحزاب. فالرجل يعرف أنّ حكومة محاصصة هي بالأخير حكومة في خدمة الأحزاب، وليست في خدمة الشعب، مادامت الأحزاب على هذه الحال من الانحطاط.

لكل هذه الأسباب، أُساندُ رئيس الجمهورية في سياسته. ومرة أخرى لا أُسانده لأنّه عبقريّ، بل بكلّ بساطة لأنّه نظيف اليد، ومُصمّم على إصلاح الإدارة ومحاربة الفقر ومحاربة الجريمة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية