هل هي ثورة أم مؤامرة على بن علي؟

عزالدين بوغانمي
2020 / 11 / 19

قبل 2011 المنطقة العربية كانت محكومة بأنظمة فاسدة ومجرمة. والسجون والمنافي شاهدة على ذلك.
كانت المنطقة تحت الهيمنة الكاملة للدول الاستعمارية. والقواعد العسكرية، والتحكم بمنابع البترول. والوصاية على القرار السيادي... كلها تشهد على ذلك.
وكانت المنطقة تغرق في الفقر والبطالة والإرهاب والجريمة المنظمة.

نريد التّذكير بأنّ هذه المشاكل أصبحت سائدة بشكل ظاهر وملموس خلال عقد السبعينات. وكما هو معلوم، وكما هي طبيعة الأمور، فإنّ ما يحدث في مصر باعتبارها بلد الثقل الرّئيسي (إذ تُشكّل ثلث العرب تقريبا)، إنما ينعكس على باقي المنطقة. ولقد انتهى عقد السبعينات بتوقيع مصر على هزيمتها، وخروجها من الجامعة العربية، وانخراطها في المشروع الاستعماري.
ثمّ تدهورت الأمور خلال عقد الثمانينات، إذ انفجرت انتفاضات الخبز في معظم البلدان العربية. وخلاله اندلعت حرب الخليج الأولى. وحوصرت بيروت. وأُطردت المقاومة. واندلعت أزمة الجزائر.
بداية التسعينات بلغت الأوضاع حالة تراجيديّة. هزيمة عسكرية في العراق أبشع من هزيمة 67. وحرب أهلية في الجزائر. وانطلاق مسلسل "السلام" بدءًا بمؤتمر مدريد، ثم أوسلو، ثم العقبة، ثم واي ريفر، ثم شرم الشيخ،،، الخ.
تتالت فصول التدهور والانهيار، وفي مطلع الألفية، زمن توسع الفقر والبطالة وتضاعف المديونية، واشتداد حرائق الحروب الأهلية في الجزائر والسودان والصومال،،، اهتزّ العالم على وقع أحداث 11 سبتمبر. ودخلت المنطقة في مرحلة عودة الاستعمار المباشر.

دون الدخول في التفاصيل، تراكم الجوع، وتفاقم الأزمة على امتداد العقود الفائتة، وفساد النخب الحاكمة المرتبطة بالاستعمار، جعل أوضاع المنطقة لا تُطاق. وهذا ما أدّى الى انفجار الشارع في كل مكان.

لماذا سردت عليكم هذه الأحداث؟
لكي أردّ على الناس الذين يصفون الثورات بالمؤامرة الخارجية!
مؤامرة من على من؟

الحقيقة الأول ، الحكام الذين أسقتطهم الثورات كانوا خدمًا عند الأمريكان. وهل نسيتم ذلك؟
والحقيقة الثانية، الدول الاستعمارية قد تتآمر على منطقة متماسكة تحكمها أنظمة وطنية صاعدة تهدد مصالحها. ولا تتآمر على موظّفين عندها ينفذون آوامرها بالحرف.
وهل هنالك عاقل يتخيل أن الولايات المتحدة تآمرت على حسني مبارك رجلها الأول في الشرق بعد الشاه؟
وهل الولايات المتحدة تآمرت على بن علي لأنه وطني؟

ما حدث في 2010/ 2011 كان خارج عن السيطرة. ولم يكن بتدبير أحد. لا من الخارج ولا من الداخل. هذه أوضاع تورّمت حتى انفجرت. لا أكثر ولا أقل.

تقول لي بأن الغرب تدخل لإفساد نتائج الثورات، وتحويلها الى حروب أهلية؟ نعم هذا صحيح.
كون هنالك دعم مالي واعلامي وسياسي لقوى متطرفة معادية للثورة؟ نعم هذا صحيح أيضا.
أما الكلام عن مؤامرة أمريكية ضد بن علي. فهذا كلام سخيف حقيقة. وبالمناسبة، ليس هنالك مثقف واحد محترم في العالم وصف الثورات العربية بالمؤامرة. بل أن كل الذين يردّدون هذا الكلام، هم مجرد فلول.

مرّة أخرى تتهافت الألسن هذه الأيّام حول رسائل هيلاري كلنتون المسرّبة. ومرّة أخرى نحمل أسلحة تطلق إلى الخلف ونتصرّف كالدّببة، جُثث بلا أمخاخ. "نحرق شجرة مُثمِرة لنشوي بيضة" على حد قول محمد الجابلّي.

عندنا جماعة عندهم خلل عميق في بنيتهم الأخلاقية. وعندي شك أنهم مختلون حتى عقليا.
تذكرون نحن كنا مع الثورة منذ كنا تلاميذ مداري. يعني منذ عهد بورقيبة.
اندلعت الشرارة الأولى للثورة عام 2008 وتم وأدها في الحوض المنجمي بعد صراع مرير. فكنا مع الاحتجاجات بكل ما عندنا من جهد.
لما بدأت أحداث الثورة في أيامها الأولى على إثر استشهاد البوعزيزي، وجوبهت بالرصاص، دعونا للصمود. وقلنا إن نظام بن علي يتهاوى.
سقط بن علي، ولأن أوضاع الفقر والظلم متشابهة، جاء الصدى من مصر وليبيا وسوريا واليمن. وبطبيعة الحال كنا مع الثورات العربية لأن الديمقراطية حق من حقوق العرب كسائر أمم الأرض.
لكن لما تدخلت فرنسا في ليبيا لتفسد الثورة ومسارها.، ولما تسلحت الثورة السورية وتم إغراقها بالإرهاب بشكل منهجي ومقصود، حينئذ كنا ضد كل أشكال التدخل الخارجي على اعتباره تعفينا للثورة واستنزافا للمنطقة. وليس لأننا مع الثورة في تونس وضدها في سوريا.

بطبيعة الحال، السبب الأصلي للخراب والفقر والارهاب والمآسي هي نظم الحكم الدكتاتورية. وكان من الطبيعي أن تتدخل الدول الاستعمارية حليفة هذه الأنظمة الطغيانية لتخريب الثورات..

المضحك أن هنالك جماعة كانوا مترددين في تعريف الثورة التونسية، لأنهم لحظة سقوط بن علي لم يكونوا جاهزين لأي شيء. ولذلك فيهم من سماها انتفاضة لأنه يريد ثورة كما يتخيل هو. ولأنه يعتقد أنه أهم ثوري في العالم. وأن أفكاره الصغيرة الفاسدة حول نفسه أغلى من دماء الشباب الذين سقطوا في مواجهة بوليس بن علي. ومع الأيام وبعد حل الحزب الحاكم ومؤسسات النظام الصورية، وتواصل اعتصام الشباب في القصبة مطالبا باستكمال إسقاط النظام، حينها التحق بالموجة وأصبح يسميها ثورة.
ولما اندلعت الثورة في ليبيا وسوريا، وتدخل الاستعمار وسلح المجموعات الارهابية لتشويهها، قالوا هذه مؤامرة على القذافي والأسد وليست مؤاموة على الثورة!
وبعد مدة، قالوا لا حتى الثورة التونسية مؤامرة. وفي هذا الإطار، بطبيعة الحال سرب الأمريكان عديد التقارير العنصرية المفبركة وادعوا أنهم وراء الثورات العربية، أولا لإحباط الناس وتشكيكهم في قدرات الأمة العربية على الانخراط في العصر والمطالبة بالحرية. وثانيا لوضع أيديهم على نتائح الثورات، وثالثا لتعميق الانقسام داخل المجتمعات العربية. فكان أن اختطفت "جماعة المؤامرة" تلك التقارير وروجوها على أوسع نطاق فرحين مسرورين. وإلى يوم الناس هذا، بدل المشاركة بقوة في بناء بلادهم والحرص على ترسيخ دعائم الديمقراطية، مازالوا ينددون بالثورة ويحبطون العزائم في مشهد سخيف..

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية