أهل لبنان أدرى بِشِعابها.

عزالدين بوغانمي
2020 / 11 / 19

توانسة كثيرون يعشقون لبنان. ويغارون عليه. وهم بلا شكّ أناس وطنيون وحسّاسون للمسّ من عروبة لبنان، تمامًا كشعورهم بأنهم أصحاب قضية في علاقة بفلسطين. ولكن من حين إلى آخر نقرأ في ثنايا المواقف وردود الفعل ما يُشير إلى أنّ هؤلاء الأصدقاء غير ماسكين بخيوط التاريخ. وعندئذ سرعان ما يتعرّى نِشاز النّشيد خارج المقام.

باختصار شديد، بعض الناس ينظرون للمسيحيين في لبنان كما لو أنهم أقلية فرنسية بقيت بعد الاستقلال. أو طائفة طارئة على البلد، ومعظمهم عملاء لإسرائيل وللغرب. وهذا انطباع خاطئ تمامًا ، ولابدّ من تصحيحه:

١/ صحيح أنّ المسيحيبن أقلّية في المنطقة العربية، ولكنهم أغلبية في لبنان. بحيث كانوا يُشكّلون 65% من مجموع السكان سنة 1974. وتناقصت هذه النسبة خلال الحرب الأهلية، بسبب موجات الهجرة، لتصل الى حدود ال 50%. وليس صدفة أن لبنان هو الدولة العربية الوحيدة التي يرأسها مسيحي. ويُخطئُ من أصدر حكمه على المسيحيين كونهم حلفاء الكيان الصهيوني من خلال حصار بيروت 1982، لأنّ حزب الكتائب وبشير جميّل فقط تحالفوا مع شارون. وليس كلّ المسيحيين، ويكفي التّذكير بالمسيحيين الكبار الذين كانوا في قيادة المقاومة الوطنية مع كمال جنبلاط وياسر عرفات وجورج حبش. وعلى رأسهم الشهيد جورج حاوي، إلياس عطا الله ... وآخرون.

٢/ المسيحيون يعود تاريخهم في لبنان إلى القرن الأول ميلادي. يعني أقدم بكثير من المسلمين، وبهذا المعنى، هم أهل البلد وليسوا ضيوفا في ديار المسلمين، ولا هم محتلّون.

٣/ إلياس الحويك، البطريرك الماروني الثاني والسبعون، رجل وطني ولعب دورا رئيسيًّا في استقلال لبنان.
بشارة الخوري أول رئيس جمهورية وزعيم المسيحيين، رفض الوصاية، فسجنته فرنسا مع كلّ أعضاء حكومته بسبب مطالبته بالاستقلال وصمد. ومن ذلك الصّمود ولدت وحدة اللبنانيين، الذين اعتصموا دفاعًا عن الحكومة. ووُلد النشيد الوطني الرسمي:
"كُلّنا للوطن للعلى للعلم
ملء عين الزّمن سيفنا والقلم
سهلنا والجبل منبت للرجال"!
...

المسألة الأخرى، صراع الطوائف لم يبدأ عام 1975، بل لعلّه بدأ ينتهي في تجربة الحرب الأهلية، لأن التعدد عنده جذور تعود لما قبل ميلاد المسيح، ارتباطا بالتعدد الأقوامي والخليط الذي كوّن هذه الجماعات القادمة من اليمن ومن العراق ومن هضبة الأناضول ومن اليونان، والتي سكنت على طول ساحل سوريا الكبرى. يعني من غزة، عسقلان، الرملة، يافا، مرورا باللاذقية، وصولا إلى طرطوس.

أما التعدد الطائفي، فيعود إلى مطلع القرن السابع ميلادي. ثم تعمّق منذ الحروب الصّليبية.
وبكلّ الأحوال، ولكي نفهم خلفيات الصّراعات في لبنان، علينا العودة على الأقل إلى المحطّات الكبرى التي شكّلت مواقع الوجع الجذرية مُخلّفة آلام مختلفة الحدّة مستمرّة في الزمن اللبناني. لازم العودة إلى أوائل القرن الخامس عشر (بداية العهد العثماني)، وما تلاه من تقطيع لوحدة لبنان الجغرافية والبشرية، من خلال إلحاق طرابلس والبقاع بولاية دمشق، وجعل بيروت مركز الولاية العثمانية. ثم استقلال جبل لبنان بعد التدخل الفرنسي عام 1860 لحماية المسيحيين، وقيام متصرفية جبل لبنان. ثمّ نتعرّف على ولادة لبنان الكبير، ثم الأمارة الشهابية، وأعوام الفتنة، وحكومة جبل لبنان، وكل الحقائق المثيرة والأليمة التي عرفها لبنان في تلك الفترة. والتي لها علاقة خفيّة بأيام الحروب الصليبية لما انحاز المسيحيون الموارنة إلى الصليبيين خوفا من اضطهاد المسلمين. وكيف تلاعبت القوى الغربية لاحقًا، وخاصة فرنسا، بالأقلية المسيحية في الشرق عموما، وفي لبنان على وجه الخصوص في إطار صراعها مع الإمبراطورية العثمانية. إذ دفعت المسيحيين منذ عام 1840 لجعل جبل لبنان وطنا قوميا مسيحيا. الأمر الذي أثار روح الانتقام لدى السلطان في الباب العالي، فأوعز للدّروز بارتكاب مذابح عام 1860 المروّعة ضدّ المسيحيين. وهنا سيتدخل عسكر فرنسا، لِيُقيم متصرفية جبل لبنان (المستقلة) تقريباً. ويفرض معاهدة على الامبراطورية العثمانية، جوهرها هو الوصاية الفرنسية على المناطق المسيخية. والتي ستدوم إلى غاية 1915 قبل انهيار الحكم العثماني، وبداية عهد الانتداب الفرنسي.

والحقيقة أنّ المتتبع لتاريخ هذا الشعب، يفهم بسهولة بالغة أنّ الشعب اللبناني شعب كبير وغني بتنوعه الثقافي. وهو اليوم شعب موحّد وغير طائفي على الإطلاق. ولكن الضغط الأجنبي العنيف والمتكرّر على هذا الجسم الصّغير هو الذي أحدث تشوّهات مختلفة، وفجّر البلد من الدّاخل في شكل اقتتال طائفي تُساعد التدخلات الخارجية في تحويله إلى حرائق لا يتوقف لهيبها. أمّا المتشبث بالطائفية فهي النخب المحلية الرّجعية، التي تتكون منها الطبقة الحاكمة، وجزء من طبقة التجار وأعيان المدن وعصابات المال المتضامنة مع إدارة فاسدة، من كل الطوائف والمستفيدة من النظام الطائفي القائم على اقتسام الغنائم والوظائف العليا في الدولة. كما يجب الإقرار بأن الدول الأجنبية، هي سبب كل مآسي اللبنانيين. فهي التي أتت بعائلات مسيحية ودرزية ومسلمة، وزرعت بينها الفرقة والخلافات، حتى تجبرها على الولاء. إلى أن تم إعلان دولة لبنان الكبير. ومن بعدها جاء الاستقلال حيث أرست الحكومة اللبنانية دستورًا ينص على أن لبنان وحدة تاريخية، ومجموعة من الطوائف المتآلفة ضمن إطار سياسي واحد. وهذا الدستور وُلد من الميثاق الوطني، أو التعاهد بين بشارة الخوري ورياض الصلح. والذي يقوم على رفض المسيحيين للوصاية الأجنبية، مقابل رفض المسلمين لإلحاق لبنان بسوريا.

عندما نكوّن فكرة شاملة عن كل هذا التاريخ، عندئذ سوف يكون من الصّعب على تونسي عاقل أن يحشر أنفه في علاقة المسيحيبن اللبنانيين بفرنسا مثلا، وهو ما يجعل بعضهم أحيانا في موقف سخريّة، كأن يُرحّب حزب الله بالمبادرة الفرنسية، ويرفضها سياسي تونسي لا يعرف حدود لبنان الجغرافية. أو حقوقية تونسية من الدرجة العاشرة، تحسب أنّ نبيه برّي ملاكم أرجنتيني، تحتجّ على علاقة الشيعة اللبنانيين بدمشق.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا