عُسر الانتقال الديمقراطي.

عزالدين بوغانمي
2020 / 11 / 19

كما هو واضح، بعد عشرة سنوات من الثورة، تمرّ تونس اليوم بأزمة شاملة على جمبع المستويات الإقتصادية والاجتماعية والأمنية والصحية. هذا كلّه زائد عُسر تحقيق إجماع عام بين الفاعلين السياسيين على قواعد العملية الديمقراطية في ظلّ تصاعد التوجهات اليمينية والشعبوية. وغياب تام للعدالة ومبدأ تكافؤ الفرص. واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء. وعزوف عن الانخراط في الحياة السياسية، وتراجع للمشاركة في الانتخابات والانخراط في الأحزاب، وازدياد الشعور بالاحباط وخيبة الأمل وبأن السياسة قائمة على الخداع وبالتالي فقدان الثقة في النُّخب الحاكمة والمعارصة معا وحتى في المؤسسات العامة.. وهذا يعني بكل وُضوح أن المسار الذي فُتح بعد 14 جانفي مهدد بالنكوص والفشل. وهو أخطر ما يمكن أن يحدث. ذلك أن الفشل في مثل هذه الحالات لن يُعيد تونس إلى في عهد بن علي كما يتوهّم البعض. بل إلى ما قبل ظهور الصناعة.

أعتقد أنّ مواجهة هذه الأزمة الخطيرة والمعقدة تتطلب من الأحزاب السياسية أوّلا تشخيص الأزمة وفهم أسبابها، ثمّ بلورة برنامج مرحلي للإنقاض مفتوح على مشاركة أوسع ما يمكن من أحزاب وفعاليات وشخصيات وهيئات شعبية تتقاسم نفس الرّؤية أو جزء منها. وهنا أهمس بلطف لصديقي العزيز أيمن العلوي: إن الجبهة، والعمل المشترك، وبرنامج الحد الأدنى الديمقراطي، كلها ضرورات تاريخية فرضتها إكراهات الأولويات الوطنية.

ثانيًا، يتعيّن على أيّ حزب وطني يحترم نفسه أن يبعث هيئة خاصّة تدرس بجديّة تجارب بناء النظم الديمقراطية في العالم، حتى تفهم قيادة الحزب متطلبات المرحلة، وبالتالي ترسم سياسة الحزب على ذلك الأساس، وليس بشكل اعتباطي ووفق الأهواء والرّغبات أو ضمن ذهنية اجترار شعارات منقولة من الكتب القديمة تفتقر إلى أيّ محتوى واقعي.

والحقيقة أن الانتقال الديمقراطي حصره العلماء في اتجاهين رئيسيين:

الإتجاه الأول يقرّر بأن النجاح يتطلب شروطا اجتماعية واقتصادية مُسبقة تسمح بنشوء نظام ديمقراطي، ويمكن اعتبار سيمور مارتن ليبست رائد هذا الاتجاه، وهو يرى أن التنمية الاقتصادية وارتفاع مستوى التعليم شرطان أساسيان لبناء الديمقراطية. ويمكن دراسة كتابه "الرجل السياسي" عام 1960.

الاتجاه الثاني يُركز على دور النخب السياسية والفكرية والاقتصادية والإعلامية وخياراتها. وأعتقد أن أهمّ مّنظر لهذا الاتجاه هو دانكوارت روستو، الذي يرى أن الديمقراطية تنمو حتى في مجتمع زراعي، ولكن ذلك يتطلب شرطين: التوافق الوطني على أساس المشترك. والتزام النخب بخيارات ناجعة وذات نفع ملموس.

وللانتقال الديمقراطي أنماط مختلفة حدّدها العلماء. ويؤكدون على إمكانية تداخلها في بلدان معينة:
نمط الانتقال من أعلى، ويعني بإيجاز، مبادرة النظام الاستبدادي بإصلاحات تدرجية من داخل النظام نفسه. وفي هذا النمط مخاطرة لا أحد يستطيع توقع نهايتها، بما في ذلك اندلاع صراعات دموية، بحكم أنها تتضمن إعادة توزيع للموارد السياسية من جهة، وزيادة المشاركة الشعبية من جهة أخرى.

نمط التفاوض بين الحكم والمعارضة، ويحدث هذا عندما يكون هنالك توازن بين القوى المؤيدة للنظام وبين القوى الاجتماعية والسياسية المؤيدة للمعارضة. وهو ما تكرر في عدد من دول أميركا اللاتينية وفي جنوب افريقيا، وفي بواونيا والمجر وتشيكوسلوفيكيا.

النمط الثالث: الضغط الشعبي والتعبئة الجماهيرية ضد النظام القائم، دون سيطرة المعارضة التقليدية على الشارع، وهذا حدث في أوكرانيا والفلبين، وتونس والجزائر خلال الحراك الأخير.

النمط الرابع: الثورة على الثورة المضادة.
أي انتفاضات ديمقراطية لم تكتمل. ثمّ تشهد عودة للنظام السلطوي، مما يدفع إلى تحركات اجتماعية ونقابية لمواجهة النظام القدبم. ومثال ذلك ما عرف باسم "الثورات الملونة" في سلوفاكيا1998، وصربيا 2000، وجورجيا2003، وأوكرانيا2004.

بطبيعة الحال يجب التفريق بين موقف الحزب مما حدث في أوكرانيا عام 2004. كأن يرى في تلك الأحداث أيادي غربية أو نحو ذلك. فهذه قضية. وقضية ما تلاها من بناء مؤسسات وإطلاق الحريات وتنظبم الانتخابات، هذه قضية ثانية يجب الاطلاع عليها وفهمها والوقوف على أعطابعا.
وبصفة عامة، لابدّ لقيادة الحزب من سند فكري ومرجعية علمية هي عبارة عن استنتاجات جوهرية وقواعد عامة تحكم عملية الانتقال إلى الديمقراطية، وأنماطها وسماتها، والتحديات التي تواجهها، دون نسيان الخصوصية الاقتصادية والجغىافية والثقافية والتاريخية لكل دولة، مما يجعل الفارق في سرعة البناء، في مدة المرحلة الانتقالية، في درجة استجابة الأغلبية الشعبية، في دور القيم الوطنية، في منسوب التدخل الأجنبي،،، ذلك أن لكلّ بلد مواريثه وموازينه وظروفه المحيطة.. ولذلك فإن التشديد على دراسة التجارب، لا يعني نسخ الحلول ونقلها. فما ينجح هنا قد يخفق هناك. ولكن أهمية الدراسات المقارنة كونها تتيح لقادة الأحزاب وقادة النقابات وصناّع الرّأي العام، معرفة أسباب النجاح في بعض البلدان، وعوامل القصور والإخفاق في بلدان أخرى، حتى لا تتكرّر نفس الأخطاء التي ارتكبت في تجارب سابقة. وحتى نتهيّأ للسير في الطريق الأقل مطبّات وألغام. ذلك أنه لا توجد عمليات انتقال واحدة من الاستبداد الى الديمقراطية، دون عقبات وتحديات. ففي مثل هذه الأوضاع كل شيء يُنجز تحت الضغط وفيضان الرغبة في التغيير السريع. وهنا تصدر قرارات متسرعة تقفز على التخطيط والاستعداد، فتترتب عنها نتائج كارثية أحيانا، رغم أنها غير مقصودة. ثم أن هذه الظروف تتميز بتراجع قوى كانت حول الحكم، وصعود قوى جديدة. وما تلبث تلك القوى الجديدة أن تفقد مواقع احتلتها لحظة سقوط النظام، لأنها ليست متدربة عليها وعلى إدارتها. وتترك مكانها للقوى الأكثر تنظيما وخبرة.
ومن التحديات التي يجب أن تُد س بشكل جادّ ومتيقّظ، التحدي الاقتصادي، حيث يسود عدم اليقين ويغيب الاستقرار ويتراجع الاستثمار بأنواعه. وتتراجع معدلات التنمية ويتعمق الركود الاقتصادي. كما تسود الاجواء السياسية حالات من الاصطفاف الغريبة، وانعدام الثقة، والتنافس غير الشريف على مواقع النفوذ وعلى الموارد. كما أنه خلال مراحل الانتقال تزداد احتمالات التفكك الاجتماعي ومخاطره..

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا