عراق بلا -وطنيه- ولاعقل فعّال؟/4

عبدالامير الركابي
2020 / 11 / 17

عبدالاميرالركابي
انتهت الدورة الثانية العباسية القرمطية من تاريخ موضع التحولية الازدواجي الامبراطوري على "وعد بالتحقق،" انتظاري مهدوي"، بعد الوعد الأول المواكب لختام الدورة التاريخيه الأولى السومرية البابلية الابراهيميه، كما تمثل في "الوعد خارج ارضه"، لتنتهي زمنيا وبحسب الدورات، حالة اللاتحقق، وزمن غلبة الاحادية المفهومية المجتمعيه، وفي سامراء قبل الف عام من اليوم، اعلن عن ختام الدورة الثانيه كاحتماليه تحقق، بعدما ثبت في حينه تعذره مرة أخرى، في حين استمرت الدورة الثانيه تنتظر الانهيار والانقطاع، الى ان ختمت في 1258 بسقوط بغداد، وانفتح الأفق التاريخي على الزمن التحولي"المنتظر".
ولم يطل زمن الانقطاع هذه المرة كثيرا، فمع القرن السادس عشر بدات طلائع الدورة الأخيرة التحققية الثالثة اللاوعدية ، بينما كان مركز الفعالية التاريخيه قد انتقل الى المنقلب الاخر من البحر المتوسط، موطن الصيغة الازدواجية الأعلى، والأكثر دينامية داخل نمطها الأحادي، ليدخل العالم منذ النصف الثاني من الالفية الثانيه، طور "التفارقيه الرباعية التحوليّة" المقترحه هنا كبديل يعين طبيعة حركة التفاعلية التاريخية، مقابل الصيغة المعتمدة في النظر الى التاريخ والعالم ابان صعود الغرب وحداثته المعاصرة، والمؤسسة على طمس الحقيقة الأساسية التحولية التي ينطوي عليها الطور، او الدورة الراهنه من حركة التاريخ، والغايات القابعه خلفها كما هي منهجية تكريس المركزية الاوربية.
يبدا العصر الحديث بتشكلين، آلي اوربي، وازدواجي ختامي تحولي امبراطوري، الأول تكون ساحته اوربا، وتكوينها الأنشطاري الأحادي الطبقي، والثاني هو الرافديني المنبعث المتجدد في دورة ثالثة تحولية تحققية مقابله، متجاوزه للدورة الثانيه الاوربيه الالية، وجدت وبدأت الياتها بالعودة للعمل قبل الاوربية، فالعراق كتشكل وطني ازدواجي امبراطوري، حديث سابق كبدء تشكلي "وطنيا" على بريطانيا وفرنسا، وعموم اوربا، منطوياته اعلى وابعد، وارفع أغراضا ومستهدفات من تلك التي انطوت عليها نهضة اوربا الالية المصنعية، مع مجمل منجزها العلمي والمفهومي، وتشكلاتها الكيانيه (الوطن/ قومية)، علما بان التشكل الرافديني السومري الحديث، وجد اليوم ضمن اشتراطات غير مساعدة على اظهار حضوره، او التدليل على نوع المنجز الحاسم والفاصل المنتظر منه، ان لم يكن العكس هو الصحيح، وهو الذي ميز وطبع مسارات التشكل العراقي الراهن تحت وطاة الغلبة الغربية ونموذجها.
ومع ان ارض الرافدين وجدت اليوم، ومع عودتها للتشكل الحالي الثالث في القرن السادس عشر،متقدمه بدورة تاريخيه على اوربا الماخوذه بمفاعيل دورتها الثانيه بعد الاغريقية الرومانيه،( المقياس هنا هو مدى الاقتراب او الابتعاد عن نطاق"التحولية"، الهدف المضمر ومنتهى الصيرورة المودعة في الظاهرة المجتمعية)، الا انها لم تكن قد وجدت في وضع، او توفرت على الأسباب التعبيرية الابتدائية المطابقه لمستوى وحقيقة منطويات زمنها الراهن، فلم تعرف اليوم ماعرفته من التأسيسات التصورية واشكال التعبير والاعقال التي رافق نشاتها ابان دورتها البدئية التاسيسية الأولى، ولا الثانيه (القرمطية الإسماعيلية التشيعية التصوفيه المعتزلية الاخوان صفائية، مع حزمة المنجزات الشامله في الميادين المختلفة)، فلم تبد اليوم عناية او تركيزا على الجانب التعبيري من سيرورتها التي تاجلت بناء على الاشتراطات الراهنه، الى الطور الأخير النهائي من دورة، كانت أصلا مختلفة تحققا نوعيا، بالمقارنه بالدورتين التاريخيتين السالفتين.
فالدورة الحاليه وجدت ضمن اشتراطات معاكسه للقاعدة التي حكمت وظلت حاضرة كقانون مميز للدورتين الأولى والثانيه بحسب ما تتمثل في شرط انتفاء المنافسه والحضورالكياني المحاذي الاحادي، في الأولى بحكم الاسبقية التشكليه الرافدينيه السومرية زمنيا، قياسا الى الكيانات الشرقية والغربية، التي تبلورت لاحقا وبعد زمن طويل، وثانيا بحكم تكرار غياب المنافسه التقليدية، الشرقية الغربية بفعل التحريرية الاحترابيه، والفتح الجزيري الى الشرق والغرب بعد اسقاط تعبيراتهما الإمبراطورية الرومانيه والفارسية، وعودة الأفق للانفتاح على االمنقلبين. الامر الذي ماكان متاحا في القرن السادس عشر، ابان عودة التشكل الذاتي الارتكاز مجددا، وكما في الدورة الاولى للخاصيات البنيوية التكوينيه من جديد، خلافا للانبعاث الثاني الذي اسهم فيه، وفي توفير أسباب انطلاقته، التحرير الجزيري والفتح للاليات الرافدينيه المعطله وقتها، لاسباب ذاتيه واحتلالية فارسية.
تبدل كهذا في الاشتراطات، كان من شانه ان يغير الأولويات، بحيث يمنح جانب التحقق الذاتي الصعودي التشكلي بالدرجة الأولى باعتباره نفيا للاحتلالات، كأولوية يمكن تشبيهها بحالة امتزاج للدورة الأولى الذاتيه النشوء والتشكل، والثانيه التحريريه، فكان العراق السومري ( المنتفكي/ الانتظاري ) الحالي ابتداء، محكوما بالدرجة الأولى والرئيسية لتشكلية تحررية، تبدا أولا من جعل العثمانيه مستحيله وبرانيه، لصالح الكيانيه العراقية الاستبداليه (1) السائرة الى التحقق.قبل ان تنهار هذه وتختفي باعتبارها الجزء المتبقي من الدورة الثانيه شرقيا، بعد تجلي الإسلام بين الأمم والشعوب الشرقية بعد هضمها له، وتمثيله للطور اللاحق على اسلام ارض المنشا والامبراطورية، في وقت يأخذ فيه الغرب موضعه كقوة غالبه ومهيمنه على مستوى المعمورة، وليتواجه الغرب الصاعد في دورته الثانيه الالية المصنعية، مع شرق هو من بقايا الدورة الثانيه المنبثقة في غير ارض المنشا، الى حيث تزول الاخيره على يده، كاول عنصر مختف من عناصر التفارقيه الرباعية، تحت وطاة علو دينامياته، وماقد ميز نهضته من انقلابية مادية ومفهومية، وعلى مستوى النموذج الكياني، مع نزوعه السيادي الاستعماري على مستوى المعمورة .
تعود ارض الرافدين الى التشكل راهنا باعتبارها حالة "ختام" لبدء اول سومري، كان مكتوبا له في حينه ان لا "يتحقق"، وان يضطر لاجتياز دورة ثانيه، يتعذرخلالها التحقق تكرارا بانتظار الدورة الراهنه الثالثة، حيث تكون الأسباب والوسائل الضرورية اللازمة للتحول الى مابعد مجتمعية قد صارت متاحة ومتوفرة، والتحول المنتظرمفتقر الى الرؤية التحولية، وهو مالايمكن توقع انبثاقه الا كمهمه تشكلية أخيرة، دلاله على تأخر الحاجة للمنظور راهنا، مقارنه بما سبق ان وجد عليه في الدورتين الأولى والثانيه، فالمنظور اليوم لاحق، ولا يبدا بالانبثاق الا عند أواخر الدورة الحالية، وبعد استنفاد التجربة المجتمعية والاحادية منها منتهى وغاية ممكنها،هذا مع الاخذ بالاعتبار التبدل الحاصل في المنظور والجانب التصوري من العملية التاريخيه، ومكانته، ودرجة ضرورته وفعاليته.
فرؤية الخلاصة والمنتهى، لاتشبه مخاضات وتشكلات الزمن الأحادي على مدى تمظهرها عبر الدورات والمراحل التاريخية، وهنا أيضا يمكن ان نتذكر احدى مقولات ماركس المتعلقة بتفسير العالم، وهو ماكان يقوم به العقل من قبل، وصولا الى تغييره، وقد صار واقعا وحقيقة كما اعتقد نبي حلم الاشتراكية المستحيل، فالرؤية التحولية النهائية، تحتل داخل العملية التاريخيه ومنعطفها الاستثنائي، موقع الأداة مافوق المادية التي لا تحقق ممكن من دونها وخارج تبلورها، مع كل مايحبط بمثل هذه العمليه من اشتراطات استثناء، لايمكن، ولايجوز ان تقارن باي من حالات التجسد المفهومي والتاملي العقلي المتعارف عليه، او المعتاد خلال التاريخ الماضي "الانسايواني"، عودة الى التمييز بين نوعي نشاطه العقلي واستهدافاته، ونوع محركاته.
هنا حيث تكون الوطنية لاوطنية، مرتكزها الازدواج المجتمعي التحولي الرافديني، مع انها نفي له، تذهب الى تعدي احتمالية تحققه لصالح زواله، مع زوال ماكان يمكن ان يبرره من "مجتمعية" هي اليوم في طور الاختفاء كظاهرة مؤقته، محكوم عليها بالزوال باعتبارها الطور الأخير من اطوار النشوئية الارتقائية العقلية، المفضية الى نهايه علاقة الكائن الحي بالكوكب الأرضي، وقبله بالجسدي، والارضوية الملازمة له، وكل هذا يكفي للتمييز الضروري، بين تفكرات البدء، وتفكرات الانتهاء، باعتبار الأولى مسار بداية ايله للانتهاء والزوال، والأخيرة لحظة انقضاء وتحول الى مابعد.
ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ليس حضور الغرب وصعوده اللاحق هو مايكرس كحالة نهائية مطلقة وغالبه فقط، بل العثمانيه قبله من خلال القول ب "الاحتلال العثماني"كحالة غير ممحصة، من دون تحديد حقيقته ونوع وجوده واشكال ممارسته، وفتراتها وماطرأ عليه، بظل حال تقول البرتين جويده عنه: " قلما تعدت سلطة العثمانيين اسوار المدن الرئيسية و "ألحواضر"، ونظرا لتضامن المجتمع القبلي، ولتصميمه على الدفاع عن أراضيه ضد كل القادمين، فان تاريخ الحكم التركي قد كان تاريخ صراع مستمر" البرتين جويدة / القبيله والمجتمع الحديث في العراق/" مجلة " الواقع" اللبنانيه، العدد الثاني 1981 . ويقول لونغريغ ان " سطوة الايلخانيين لم تتعد حدود المدن"/ اربعه قرون من تاريخ العراق الحديث/ ص 27 ويوم وصل العثمانيون الى العراق، وجدوا مغامس المانع شيخ مشايخ المنتفك حاكما على البصرة، فابقوه في منصبه، وهذا برأي مستشرق بدائي مثل على الوردي "بداوه" مناقضه لما يعتبره او يظنه "حضاره" ليتفق معه في ذلك كل الحداثيين الافذاذ، اكاديميين وحزبيين.