جدلية الصراع الطبقي محليا وعالميا

عبد السلام أديب
2020 / 11 / 17

في رسالته الى روج في غشت 1843، يخبر كارل ماركس هذا الأخير بما يلي:

"سيكون شعارنا هو: إصلاح الوعي ليس من خلال أفكار دوغمائية، وإنما من خلال تحليل الوعي الغامض الذي لا يمكن فهمه في ذاته، سواء كان ذلك تجليًا في شكل ديني أو سياسي. سوف يصبح من الواضح بعد ذلك أن العالم كان يحلم منذ فترة طويلة بامتلاك شيء ما، وكان ينقصه الوعي الواضح فقط لكي يمتلكه حقيقة في الواقع. فالمسألة ليست وصفة فكرية عميقة تربط بين الماضي والمستقبل، وإنما العمل على انجاز أفكار الماضي. أخيرًا، سيتضح أن الجنس البشري لا يشرع في انجاز عملً جديدً، ولكنه يستكمل عمله القديم بشكل واع".

1 - منذ انكسار الجماعات الشيوعية البدائية تحت وقع الثورة الزراعية وتحويل القيم الاستعمالية الى قيم تبادلية وسيطرة البعض على البعض الآخر من اجل استغلال قوة عمله في الإنتاج والاغتناء وتسخير المرتزقة كشرطة وجنود لحماية حقوق الملكية الخاصة المفروضة بالقوة، ظهرت المجتمعات الحديثة ونشأت الدول الوطنية والحضارات، انطلاقا من العصر الحجري الأعلى خاصة في بلاد الرافدين وحول حوض البحر الأبيض المتوسط.

2 – يعود تاريخ المجتمع الطبقي المنقسم الحديث الى حوالي 12 الف سنة قبل الميلاد، أي منذ حدوث الثورة الزراعية وعلاقات الإنتاج التي أسست لها، ومنذ هذا التاريخ لم يفتأ الصراع الطبقي يتراوح بين القوة والضعف والذي شكل في الكثير من الأحيان عامل تحولات جذرية في الأنظمة السياسية والاقتصادية القائمة.

3 – الزمن الذي استغرقته الجماعات الشيوعية البدائية هو أكبر بكثير من الزمن الذي عاشته المجتمعات الطبقية المنقسمة. فمنذ مليوني سنة عاشت الجماعات الإنسانية الشيوعية متضامنة بدون طبقات وبدون انقسامات وبدون دول، واستطاعت ضمان استمرارها عبر عمليات انتاج وإعادة انتاج الحياة الإنسانية، فاثني عشرة الف سنة لا تمثل سوى 0,6 في المائة من 2 مليون سنة التي عاشتها الإنسانية في ظل الشيوعية البدائية.

4 – ان الحنين الى الزمن الشيوعي ورفض المجتمع الطبقي المنقسم هو المحرك الأساسي للصراع الطبقي، لان المجتمع الطبقي المنقسم هو تحريف لجوهر الانسان واغتراب قسري لإنسانية الانسان الى درجة ان اقلية صغيرة من الطبقات المهيمنة المصطنعة والتي نسميها اليوم بالمجتمع المدني، هي التي تعيش حياتها الإنسانية كاملة بينما الأكثرية التي تصل الى 90 في المائة من البشر تعيش على هامش الحياة الإنسانية مضطهدة ومستغلة ومغتربة عن جوهرها الإنساني.

5 – التعريف البسيط الذي يمكننا ان نخصصه للصراع الطبقي ينطلق من إرادة مواجهة الهيمنة الطبقية وما تختزنه من اشكال الاستغلال والاضطهاد والاغتراب والقمع المادي والايديولوجي وحيث يلعب الدين دورا رائدا في هذا الاغتراب والقمع. فمضمون الصراع الطبقي يختزن اذن:
أ – هيمنة طبقية للبعض على البعض الآخر؛
ب – استعمال وسائل مادية وايديولوجية لتكريس هذه الهيمنة الطبقية؛
ج – تسخير هذه الهيمنة الطبقية لاستغلال جيوش المستغلين والمضطهدين في انتاج ومراكمة الثروات؛
د – تشكيل الدول كأداة لحماية البنية الطبقية وإعادة انتاج السيطرة وعلاقات الإنتاج وقوى الإنتاج لضمان استمرار مؤسسات الهيمنة؛
ه – حركة دائمة وسط الطبقات المحكومة للتخلص من نير الاستغلال والعبودية والاضطهاد؛
و – الوعي والادراك العفويين وسط الطبقات المحكومة يتطور ذاتيا نحو وعي وادراك علمي بضرورة الثورة على النظام الطبقي القائم.

6 – كما أشار الى ذلك مارل ماركس في البيان الشيوعي فإن تاريخ كافة المجتمعات القديمة هو تاريخ الصراعات الطبقية. فإذن للصراع الطبقي جدليته الداخلية والتي لن تتوقف الا بانهاء المجتمعات الطبقية عبر ثورات الأغلبية على الأقلية الحاكمة وإقامة المجتمع الاشتراكي الشيوعي والذي وصفه كارل ماركس في رسالته لروج سنة 1843 بانه ليس فكرة مختلفة جديدة وانما هو حركة استعادة ذلك الحلم القديم الذي يختزنه وجدان الإنسانية، أي التضامن الإنساني الشيوعي الذي دمرته المجتمعات الطبقية المنقسمة.

7 – النظام الطبقي الذي تعيشه الإنسانية اليوم يقوم على نمط الإنتاج الرأسمالي، والذي عرف منذ ظهوره مرحلتين، مرحلة الهيمنة الشكلية أي منذ ظهور هذا النمط في القرن الثالث عشر وتواجده الى جانب أنماط إنتاجية تقليدية عبودية واقطاعية بتعدد مراحلها فلم تكن هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي كاملة لذلك سماها كارل ماركس في فصله السادس غير المنشور بمرحلة الهيمنة الشكلية. لكن هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي ستنتصر على كافة أنماط الإنتاج السابقة وتتغلغل في كافة اشكال الإنتاج والخدمات المرتبطة بها بمعنى تعميم أسلوب الإنتاج الرأسمالي والسيطرة على عملية العمل الى درجة يخضع فيها الجميع لعلاقات الإنتاج الرأسمالية والعبودية المأجورة وهيمنة القيمة التبادلية لكافة اشكال السلع المادية والخدماتية من اجل انتاج فوائض القيمة والربح الرأسمالي.

8 – الصراع الطبقي الدائر اليوم في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي يحركه عاملان اثنان بالإضافة الى العوامل التي سبقت الإشارة اليها في النقطة الخامسة، وهما ميل معدل الربح الرأسمالي للانخفاض وضيق الأسواق الرأسمالية عن استيعاب الإنتاج الزائد. فهذان العاملان الهيكليان اللذان يشكلان أساس التحولات الدائمة الثورية لقوى الإنتاج من اجل التوسع اكثر عبر العالم لايجاد أسواق جديدة لتصريف الإنتاج الزائد وتقليص اليد العاملة والزيادة في الآلات والتكنولوجيات للإنتاج المكثف والسريع وبتكاليف اكثر انخفاضا لضمان المنافسة عبر تخفيض الاسعار والربح عبر البيع الواسع للسلع عبر العالم. فالتأثيرات المصاحبة لتدابير تجاوز هذان العاملان هو الذي يعمق حدة الصراع الطبقي ويزيد احتمالات الثورات الجماهيرية الواسعة.

9 - ومنذ تفكك الاتحاد السوفيتي وإمبراطوريته سنة 1989، بدأنا نعيش عملية مذهلة من إعادة إنشاء نظام عالمي اقتصادي وسياسي جديد. تحت مصطلح "العولمة" المضلل، حيث يمطرنا الاقتصاديون البرجوازيون والبرجوازيون الصغار بالمنشورات وكتابات حول هذا الموضوع. لكن قلة قليلة من هؤلاء من يستوفون المتطلبات العلمية، لا سيما تلك المتعلقة بالوقوف على الأسباب الاجتماعية لهذا التطور.

10 - في اطار الحركة الماركسية-اللينينية والحركة العمالية العالمية، لا زال هناك نقص في التقييم العام الدقيق والشامل. مما يؤدي إلى سوء تفسير التطورات الجديدة في المجتمع، مع ما يترتب عن ذلك من عواقب وخيمة، والوصول الى استنتاجات خاطئة للنضال ضد الإمبريالية ومن أجل الاشتراكية.

11 - كانت نقطة الانطلاق السياسية لعملية إعادة تنظيم الإنتاج العالمي الجديد للالتفاف على تدهور معدل الربح وانحسار الاسواق هي نهاية حقبة الاتحاد السوفيتي الاشتراكي الإمبريالي. حيث لم يعد ممكنا استمرار وجود الاتحاد السوفيتي ومجلس التعاون الاقتصادي ( كوميكون) كمنطقة اقتصادية معزولة نسبيًا عن بقية العالم وبالتالي المحافظة عليها. فالثورة العلمية والتكنولوجية التي سببتها الإلكترونيات الدقيقة والأتمتة الكاملة وتدويل الإنتاج الرأسمالي لمعالجة تدهور معدل الربح قوضت إلى حد كبير الأساس الاقتصادي والسياسي للاتحاد السوفيتي ذي القوة العظمى. فقد أصبح الاندماج الكامل لمناطق النفوذ السوفييتية في سوق عالمي موحد يخضع لمنافسة شرسة والاستيعاب النسبي لعلاقات الإنتاج في مواجهة علاقات إنتاج أكثر إنتاجية في الغرب ضرورة اقتصادية فورية.

12 - الاضطرابات التي تلت ذلك في روسيا والدول الأخرى في مجلس التعاون الاقتصادي السابق لم يكن لها، بالطبع، طابع عام لتغيير النظام. لقد فقد الاتحاد السوفياتي بالفعل طابعه الاشتراكي منذ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في فبراير 1956. مع استيلاء برجوازية جديدة على السلطة من البيروقراطية المركزية للحزب والاقتصاد والدولة، قانحط الاتحاد السوفياتي إلى رأسمالية احتكارية بيروقراطية من نوع جديد. حيث كان الشيء الوحيد المشترك بينها وبين الاشتراكية هو الاسم.

13 - إن مقولات "نهاية الاشتراكية"، و"نهاية التاريخ"، شكلت مجرد خطابات جوفاء للقوى الغربية المنتصرة التي هزمت منافسها الاشتراكي - الامبريالي في معركة منافسة لا هوادة فيها. كما عملت بشكل أساسي على التلاعب بالمضطهدين والمستغلين في جميع أنحاء العالم الذين، في حالة من السخط، يبحثون بشكل متزايد عن بديل للمجتمع الرأسمالي.

14 - لم تكن الاشتراكية هي التي هزمت عندما تفكك الاتحاد السوفياتي، بل كانت التحريفية الحديثة لخروتشوف وبريجنيف وغورباتشوف. كانت هذه التحريفية الحديثة الدعامة الفلسفية لحكم البرجوازية الجديدة في الاتحاد السوفيتي وتطلعاتها إلى التفوق على خصمها اللدود، الولايات المتحدة، واكتسبت لنفسها الهيمنة باعتبارها القوة الإمبريالية العظمى الرائدة في العالم.

15 - شكل إفلاس القوة العظمى السوفييتية الاشتراكية-الإمبريالية تعبيرا عن تعفن وتآكل النظام العالمي غير الواقعي بشكل عام والرأسمالية البيروقراطية الاحتكارية للدولة على النمط السوفيتي بشكل خاص. أدى هذا الفشل إلى إحداث أزمة عميقة في التحريفية الحديثة وشعوبها المتوافقة معها. لقد فتح الطريق أمام الحركة الماركسية-اللينينية العالمية وحركة الطبقة العاملة لإعادة تقييم جذري لهذا التطور السلبي والتغلب عليه.

16 - ففي عملية سياسية أيديولوجية طويلة، يجب توضيح أسباب وآثار الانحطاط التحريفي وعودة الرأسمالية الى جميع البلدان الاشتراكية سابقًا بدون استثناء. يجب أن يترافق ذلك بإعادة تشكيل صفوف الماركسيين اللينينيين في جميع أنحاء العالم على أساس استنتاجات إبداعية لمستقبل النضال الثوري من أجل التحرر ومن أجل تصاعد النضال العالمي من أجل استعادة حلم الاشتراكية والشيوعية.

17 - شكلت إعادة تنظيم الإنتاج العالمي، نقطة الذروة المؤقتة في تدويل نمط الإنتاج الرأسمالي للالتفاف على تدهور معدل الربح. لقد أدخلت العالم نحو مرحلة متقدمة جديدة في تطور النظام العالمي الإمبريالي من الهيمنة الفعلية لرأس المال على العمل.

18 - وعبر ازالة العديد من العقبات الرئيسية أمام الانفتاح الحر للسوق العالمية، حدثت قفزة هائلة في تطور القوى المنتجة. بحيث لا يمكن لأي بلد في العالم أن لا يتأثر بها. فقد بدأت عملية غير مسبوقة من التركيز والمركزية العابرة للحدود في الصناعة والزراعة والتجارة والمصارف والخدمات، مما أدى إلى تغيير جذري في المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي والمحلي.

19 - إن السوق العالمية الموحدة الجديدة، التي تتمتع الاحتكارات الدولية بولوج مجاني نسبيًا إليها، تطرح بشكل جذري تساؤلات حول مختلف الهياكل التقليدية، والتي لا تزال منظمة على المستوى الوطني للإنتاج والتبادل، والأشكال المقابلة من الاتصالات والمنافسة والتعاون. ومع ذلك، فإن القوى الحاكمة لا تتمكن حتى، على المستوى الدولي، من خلق علاقات إنتاج وبنية فوقية سياسية فاعلة تتوافق مع هذه الثورة في قوى الإنتاج.

20 - على الرغم من كل أناشيد الثناء البرجوازية حول مجد "العولمة" التي من شأنها أن تجلب الخلاص، إلا أن العلاقات الرأسمالية للسلطة والملكية باعتبارها الأساس الاجتماعي لإحداث التغييرات لم تتأثر. على العكس من ذلك، أظهرت الطبقة الجديدة لرأس المال المالي الدولي الذي يعمل على المستوى العالمي، طبيعتها الجشعة واللاإنسانية بوضوح. فقد باتت تفرض شروطها، أكثر من أي وقت مضى، على مختلف الاقتصادات الوطنية وعلى البرجوازية غير الاحتكارية في جميع البلدان.

21 – لقد تم اجبار الدول الوطنية على فتح حدودها على مصراعيها والتخلي عن كافة تدابير الحماية الوطنية ضد المنافسة الدولية. كما غزت الاحتكارات الدولية، مثل أسراب الجراد، الاقتصادات الوطنية الخاضعة للاستعمار الجديد في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. في حملة نهب فريدة من نوعها، استولت خلالها على قوتها العاملة وعلى قواعدها السلعية وعلى مؤسساتها العامة وعلى صناعاتها المربحة وأخضعت أسواقها. كانت الولايات المتحدة، القوة الاقتصادية الإمبريالية الأكبر، هي المستفيد الأكبر من حملة النهب الاستعمارية الجديدة.

22 - فتحت الحكومات الرجعية في البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد في معظم الحالات أبوابها طواعية لرأس المال المالي الإمبريالي. حيث كانت تأمل في الحصول على نصيب مناسب من الغنائم من خلال بيع بلدانها. ولكن فرض على الصناعات التقليدية، في كل مكان، أن تفسح المجال أمام الأنظمة الدولية للإنتاج، من صناعة احتكارية عالية الإنتاجية أو لتدفقات التجارة منخفضة السعر في جميع أنحاء العالم. ولذلك حرمت هذه الدول في كثير من الأحيان من آخر بقايا السيادة الاقتصادية والاستقلال.

23 - وفي ظل الدعاية المضللة لـ "النيوليبرالية" بدأت عملية عالمية من الخصخصة ومن احتكار الشركات والمؤسسات الوطنية التي التهمت بلا رحمة المكاسب الاجتماعية التي تحققت بشق الأنفس والتي بدت لفترة طويلة أنها مضمونة باستمرار.

24 - في ظل هذه العملية، أفسح الدور التقليدي للدولة البرجوازية بصفتها المنظم المركزي للاقتصاد الوطني المجال أكثر فأكثر أمام نظام المنافسة العالمية بين الدول الوطنية بهدف تقديم أفضل الخدمات للاحتكارات الدولية، من أجل التنمية المثلى لرأس مالها وتهيئة الظروف السياسية المواتية.

25 - إن جوهر التنظيم الجديد للإنتاج الدولي هو الاتجاه نحو التفكيك النسبي لتنظيم علاقات الإنتاج والتبادل بين الدول الوطنية. فقد تم استبداله بتشابك عبر وطني لأساليب الإنتاج والتبادل الأكثر تقدمًا تحت سيطرة رأس المال المالي الدولي. من هنا بدأت موجة دولية من عمليات الاندماج والاستحواذ عبر الحدود في إعادة تشكيل مشهد الأعمال. واتخذ الصراع التنافسي بين الاحتكارات العالمية طابع حرب الإبادة المتبادلة.

26 - في الوقت نفسه، ظهرت بروليتاريا صناعية عالمية في أماكن إنتاج الاحتكارات الدولية والمناطق الاقتصادية الخاصة المصاحبة لها، والتي تم دمجها بشكل أساسي في نظام إنتاج عالمي.

27 – كما أدى التطور المزدهر للاتصالات السلكية واللاسلكية، ولا سيما الإنترنت، إلى نمو غير عادي في رأس المال المالي الدولي، وفي أسواق الأوراق المالية، ظهرت مكاسب مضاربة ضخمة. كما تزامن ذلك مع قفزات هائلة في إنتاجية عمل الأجراء عندما تم إدخال الإنتاج المخفف الخالي من الهدر lean production في الصناعة والإدارة، وتم نشر المرونة المعممة في وقت العمل. أدى هذا إلى بُعد جديد في أساليب الاستغلال الرأسمالي لليد العاملة. قاد ذلك الى تحول ساحة الاندماج الدولي بشكل أسرع قبل أن تتعثر في أزمات اقتصادية عالمية عنيفة متوالية 2001-2003 و2008-2014 وحاليا 2020.

28 - شكل التنظيم الجديد للإنتاج العالمي، محاولة فاشلة لوقف زعزعة استقرار النظام الإمبريالي العالمي عن طريق إخضاع العالم بأسره لإملاءات رأس المال المالي الدولي بشكل أكثر اتساقًا لوقف تدهور معدل الربح وانحسار الأسواق المشبعة بالإنتاج الزائد. ومع ذلك، فإنها لم تنجح في حل أي مشكلة للنظام الإمبريالي. على العكس من ذلك، تفاقم وتعمق نزوعها نحو الأزمات.

29 - وهكذا نشأت أزمة هيكلية دولية جديدة أصبحت حافزاً لأزمة متواصلة لإنتاج عالمي زائد يصعب تصريفه وتحقيق فوائض القيمة الضرورية لزيادة معدلات الأرباح المتدهورة. وقد أغرقت هذه الأزمة على الخصوص الأنظمة الخاضعة للاستعمار الجديد. كما تفاقمت الأزمة البيئية العالمية بشكل خطير. واتسع نطاق البطالة الهائلة، والعمالة الناقصة، والفقر، والدمار الهائل لسبل عيش الفلاحين الفقراء، وتراجع ظروف معيشية الجماهير على نطاق عالمي. كما برزت أزمة نظام الاسرة البرجوازية. وأدت الصدمات الاقتصادية الملحوظة إلى حد ما في الاقتصادات الوطنية إلى تفاقم الأزمة السياسية الكامنة في جميع البلدان. حيث تأثرت حتى البلدان الإمبريالية، التي كانت مستقرة نسبيًا. بينما تواصل انهيار النظام الإمبريالي العالمي، وفي ظل سعى الحكام بشكل متزايد إلى تحقيق خلاصهم عملوا على تعزيز جهاز الدولة القمعي وقمع الحقوق والحريات الديمقراطية البرجوازية.

30 - لقد فتح التطور غير المتكافئ مرحلة جديدة من الصراع من أجل إعادة تقسيم العالم بين أكبر الاحتكارات العالمية وأكبر القوى الإمبريالية. فسيادة ثنائية الحرب والرجعية أصبحا العلامة المميزة لنظام اجتماعي عفا عليه الزمن.

31 - إن ما أعلن عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب سنة 1990 وبتباهى بأنه "نظام عالمي جديد" تحول إلى فوضى سياسية دولية عارمة. وقد اتخذت هذه العملية المدمرة أبعادا هائلة وعالمية. ومع ذلك، يجب أن تظل الحاجة المتأصلة لإيجاد حل أساسي لدى التحريفيين والاصلاحيين
حلما غير قابل للتحقيق ضمن الحدود الضيقة للنظام الاجتماعي الرأسمالي. في النهاية، لا يمكن تصور الخروج من هذا المأزق الا على شكل انتفاضة ثورية من أجل نظام اجتماعي اشتراكي.

32 - يتميز النظام العالمي الإمبريالي اليوم بتكثيف شامل لجميع التناقضات الأساسية وعدم الاستقرار المتزايد. فالمرحلة الحالية من الهيمنة الفعلية لرأس المال على العمل تفجر مختلف التناقضات، خاصة المزيد من الإنتاج الزائد وانحسار الأسواق وتدهور معدل الربح المزمن، وتفاقم الصراع
الطبقي.

33 - إن تطور القوى المنتجة يعرف مرحلة جديدة من التحول التاريخي الذي تجلى بوضوح في الانتقال نحو مستوى أعلى من الصراع الطبقي العالمي. فالمستغلين والمضطهدين في العالم لم يعودوا يطيقون الهلاك في ظل الهمجية الرأسمالية ويتطلعون نحو تحقيق تغييرات اجتماعية عميقة. فحتى في المراكز الإمبريالية، استيقظ الوعي الطبقي لدى الطبقة العاملة على جبهة عريضة، بعد سنوات طويلة من الهدوء النسبي. كما أدى اهتزاز الاستقرار الاجتماعي بسبب سياسات تدبير الازمة الإصلاحية الفاشلة في العديد من البلدان الخاضعة للاستعمار الجديد، التي خضعت للاستغلال والقمع من قبل الإمبريالية، خاصة في أمريكا اللاتينية، إلى ظهور عمليات انقلابات ثورية عبر وطنية. كما قاومت حركات عالمية "مناهضة للعولمة"، وبيئية ومن أجل السلام، الآثار اللاإنسانية للتنظيم الجديد للإنتاج الدولي والاضطراب السياسي الذي يصاحبها.

34 - تقوم مهمة الماركسيين اللينينيين على ضرورة القيام بتحليل شامل للظواهر الجديدة للنظام العالمي الإمبريالي ومحاولة تقديم إجابات واقعية للأسئلة الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية الناشئة عن الصراع الطبقي البروليتاري. فمن الأهمية بمكان اكتشاف تلك العوامل في التطور الاجتماعي الجديد التي هي تعبير عن الإعداد المادي المتسارع لمجتمع جديد بدون استغلال واضطهاد والتي تمهد الطريق أمام اندلاع جديد للنضال من أجل حلم الاشتراكية والشيوعية.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير