الجذور و الأصول الرافيدينية الفرعونية للإسلام: موسى و عيسى و محمد و أساطير أخرى

سهيل أحمد بهجت
2020 / 11 / 16

المقال متوفر كفيديو على قناتنا #سوشو على الرّابط: https://youtu.be/22CgSH8hNLc
لكي نفهم الإسلام ، لابدّ من مراجعة جذور الأديان الإبراهيمية ، تحديدا التوراة و الأناجيل و كتب الرُّسُل المسيحيين الأوائل. و لكي نضع صورةً أوضح ، فلابدّ من دراسة جذور الكتاب المقدس اليهودي (التناخ) و كتب العهد الجديد المسيحي لأنّ معرفة هذه الكتب سيتيح لنا معرفة جذور تدين 3 مليارات إنسان – من يهود و مسيحيين و مسلمين – و ستعثر على عدد هائل من المفاجآت في هذه الرحلة. فهم هذه الجذور الّتي خلقت الكتاب المقدس اليهودي-المسيحي مفيد ليس في معرفة و فهم الثقافات الغربية كأوروبا و الولايات المتحدة و الأمريكيتين فحسب ، بل و سيساعدنا على فهم منابع القرآن و مصادره و كيف أن الأديان الإبراهيمية الثلاث اليهودية و المسيحية و الإسلام لم تنقطع كلياً عن الأديان الوثنية و المذاهب الآسوية أيضا كالهندوسية و البوذية. لا زال الأطراف الثلاثة المتعادون من يهود إسرائيل و مسيحيي الولايات المتحدة الأمريكية و إسلاميي السنة و الشيعة يستخدمون ذاتَ المعايير و الموروثات الدينية في تقييمهم للطرفين الآخرين و تقييمهم للعالم. هذه الدراسة هي رحلة طويلة و لكنها محفوفة بأهوال و تحديات فكرية لا تختلف كثيرا عن قصص السندباد أو علاء الدين و مصباحه السحري. فرغم رفض المتعصبين داخل كل واحدٍ من هذه الأديان الإبراهيمية لفكرة أن الدينين الآخرين يعبدان نفس الإله الواحد حيث نجد كل دين يقدّس ما كتبه من سبقه كموسى و إيليا و داوود و سليمان و عيسى أو يسوع و أخيرا نجد محمد الذي طرح نفسه كنبي خاتم أو أخير، و ظهور البابية و البهائية كانت نماذج إمكانية استمرار تطور الإسلام لخلق أديان أخرى. الأنظمة القضائية الغربية لا تزال تشهد مساجلات و مناظرات حول عقوبة الإعدام و زواج المثليين و قوانين مساعدة الفقراء و المحتاجين بسبب نصوص دينية لا تزال موضوع جدال. و لكن ما هو الكتاب المقدّس؟
الكتاب المقدس أو كما يسمّى بالانكليزية Holy Bible ليس في الحقيقة كتاباً واحدا بل العديد من الكتب التي امتدَّ تأليفها طوال 800 سنة ممتدةً من حوالي القرن السادس قبل الميلاد إلى القرن الثاني الميلادي و هي تتراوح بين السَرديات و القَصص و الأشعار و كتابات تتعلق بالتشريعات. الكتاب المقدس يُقَسَّم بشكلٍ عام إلى قِسمين ، العهد القديم اليهودي – و الذي لا يسمّيه اليهود بهذا الإسم كونهم لا يؤمنون بالقسم المسيحي العهد الجديد – و العهد القديم هو القِسم الأكبر من هذا الكتاب و تمتدّ أصوله من القرن 6 قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي بينما العهد الجديد تمتد أصوله من القرن الثاني إلى الثالث ، و هذا الكتاب بعهديه القديم و الجديد هو كتاب مسيحي لأن المسيحيين – الكاثوليك و الپروتستانت و الأرثوذوكس – يؤمنون بهذا الكتاب ، مع اختلافات في إضافة أو حذف كُتُبٍ من العهد القديم و هو الّذي يسمّيه اليهود الكتاب المقدس العبري.
و الآن لنذهب للجانب المشوق. الكتب المقدّسة الثلاث التوراة و الأناجيل و كتابات القديسين و القرآن و التراث الحديثي كلها تملك جذوراً في ثقافات و حضارات الشرق الأدنى القديم و الّتي تمتلك تراثاً هائلاً في حضارات بلاد وادي النهرين (امتداداً من جنوب الأناضول التركي إلى سوريا و العراق جنوباً) و وادي النيل (مِصر و السّودان) و هي مناطِقُ أتحفت المتاحِف العالمية بآثار و مخلفات فنية و أدوات استخدمت في الحياة اليومية لشعوب الشرق الأوسط طوال عشرات الآلاف من السنين و قد تَمّ اكتشافها من مخلفات مدنٍ و بلدات عفى عليها الزمن. و سنرى نماذج من تأثير هذه الحضارات و بعض مخلفاتها الّتي تسمى بمخلّفات ما قبل التاريخ في الأديان الإبراهيمية الثلاث اليهودية و المسيحية و الإسلام. من المهم أن نعرف أنّ المجمعات السكنية الأولى كانت صغيرة و محدودة و أنه فقط في الفترة حوالي 3500 قبل الميلاد بدأ سكان هذه المناطق يكوّنون مجمّعات بشرية كبيرة. و بدءاً مِن هذه الفترة بدأ السومريون تدويناتهم التي كانت لتسيير الحياة اليومية كالتجارة و العقود ، ثم تطورت هذه الكتابات إلى قصص الآلهة و قصص الخلق و ما بعد الموت و غيرها من الحكايات الّتي أثّرت في الكتاب العبري اليهودي و القرآن العربي. و إذ بقيت مدن سومر محدودة و مستقلة عن بعضها البعض ، قام الأقباط القدماء في وادي النيل بتوحيد مدنهم في مملكةٍ ذات حكمٍ مركزي في الألف الثالث قبل الميلاد. الشعب العبري و الّذي ظهر في التاريخ نوعاً ما بشكلٍ متأخر (حوالي القرن ال9 قبل الميلاد) كانت أرضه محطّ صراعٍ و غزو من هذه الحضارات المحيطة كالفراعنة و البابليين و الآشوريين و الفرس و الإغريق ، و ينبغي أن لا ننسى تمازج العبريين مع قبائل و شعوبٍ سامية أخرى ، و كان لكلّ هذا أكبر التأثير في خلق هيئة و صورة الكتب السماوية. نجد في كتابِ يوشع الفصل 24 الآية 2 حيث يخاطب يوشع العبريين – و هو خليفة موسى – يقول: "وَقَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «هَذَا مَا يَقُولُهُ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: لَقَدْ أَقَامَ أَجْدَادُكُمْ، وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ تَارَحُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو نَاحُورَ مُنْذُ الْقِدَمِ فِي شَرْقِيِّ نَهْرِ الْفُرَاتِ حَيْثُ عَبَدُوا آلِهَةً أُخْرَى." فالكتاب العبري – التوراة – تظهِر لنا بوضوح اعترافَ النّص المقدس بأنّ هذا الشعب امتلكَ أصولاً من بلاد الرافدين. و يوشع يطلب من العبرانيين أن يُخلِصوا ليهوه – الرّب الواحد – و يقول "والآنَ اتَّقُوا الرَّبَّ وَاعْبُدُوهُ بِكُلِّ أَمَانَةٍ، وَانْزِعُوا الأَوْثَانَ الَّتِي عَبَدَهَا آبَاؤُكُمْ فِي شَرْقِيِّ نَهْرِ الْفُرَاتِ وَفِي مِصْرَ وَاعْبُدُوا الرَّبَّ." (يوشع 24 – الآية 14) فالتوراة تعُجّ بالنّصوصِ الّتي تُظهر أنّ الإسرائيليين كانوا يتعبّدون و يحتَرِمون آلهةً من شَرق الفرات و من بلاد النيل مع كلِّ ما تحمله هذه الآلهة من عقائد و قصص و معتقدات كانت تتعلّقُ حتى بقِصة طوفان مدمرة. غضب يهوه الإله العبري الّذي يسمّى أيضا إلوه تجاه هذه الآلهة و عبادَتها واضحٌ و بارزٌ في الكتا ب العبري. الأرض وراء النهر الّتي يتحدّث يوشع عنها هي بلاد الرافدين – جنوب العراق – و الّتي سمّاها اليونان ميسوپوتاميا. هذه الأرض وصفها اليونانيون بأنها أرضٌ منبسطة و ذات مستنقعات أو مياه كثيرة – كالأهوار حاليّا – و أنّ هذه المنطقة و نهرا دجلة و الفرات كانا يحيطان بجنّة عَدَن التي كانت تحيط بها أربعة أنهارٍ كما يخبرنا سفر التكوين (الفصل 2: آيات 10-14) و أيضاً فإنّ قِصّة الشعب الإسرائيلي من الفصل ال12 من سفر التكوين و حتى كتاب الملوك الثاني الفصل 25 تبدأ و تنتهي في بلاد الرافدين. فحسب سفر التكوين فإنّ إبراهام – إبراهيم في العربية – كانَ قد ولِدَ في مدينة أور Ur و هي إحدى أقدَم المدُن في بلاد الرافدين و من هناكَ هاجَرَ هو و عائلتهُ إلى حَرّان Haran الواقعة شمال بلاد الرافدين. عندما دعى يهوه – الله – إبراهيمَ لاتبّاعه ، سارَع إبراهيم و عائلته و نفرٌ معه إلى السفر عبرَ أرضِ كَنعانَ إلى أرض القبط – مِصر – و عادَ مجدداً مِن نفس الطريق إلى حيثُ كانَ و رحلته هذه تغطّي كلّ مسرحِ أحداث قصّة العبرانيين و بني إسرائيل (التكوين فصل 11 آية 26 إلى فصل 13 آية 1).
في خاتمة كتاب الملوك الثاني فإن أحفاد إبراهيم الإسرائيليين يقومون بدورةٍ كاملة إذ نجد سكان يهوذا – الّذين سيتمّ تسميتهم باليهود لاحقا – يذهبونَ قسراً إلى بابل عاصمة الإمبراطورية الجديدة. و هنا بابل ستكون المكان المتميز الّذي سيأخذ منها الكاهن-الكاتب عزرا ما سيسمّيه "كتابَ شريعة موسى" إلى حَشدٍ من المهاجرين اليهود العائدين إلى أورشليم (عزرا 7: نحميا 8). اعتمادا على تقليد ثنائي يقولُ بوجود أصلٍ رافديني للإسرائيليين و معَ وجود نصّ توراتي يعترف بأن جزءاً لا بأس به من الشريعة الموسوية تمّ كتابته في بابل ، ليس غريباً أن نجد تأثير الميثولوجيا الرافدينية على الكتاب المقدّس العبري. فمن فكرة أنّ الوجود قبل الخلق كان كمّا غير محدود من المياه الهائجة ، إلى فكرة أن عائلة واحدة نجت من طوفانٍ عالمي و إلى عالمٍ سفلي قاتم (كان البابليون يؤمنون ككثيرٍ من الشعوب القديمة بأن الأموات ينتهون إلى ذلك العالم السفلي لكنهم كانوا يتجاهلونه كما سيفعل اليهود إلى اليوم). و رغمَ أنّ كثيرا من القصص التوراتية تمَّ استعارتها من الحضارات الرافدينية و الفرعونية و بدون ترَدّد ، إلا أنها حُوِّرَتْ من قِبَل مؤلفي التوراة إلى قَصص مختلفة بشكلٍ مذهل. فبينما مارَس الرافدينيون و الفراعنة الأقباط أدياناً تؤمِن بتعدّد الآلهة و الآلهات ، أتّخذ اليهود لأنفسهم ديناً توحيدياً ، و هو ما اعتبره الكثير من الباحثين كـسـگموند فرويد و ستيفن ل. هاريس أمراً ثورياً ، إذا قامَ الكتّاب العبريون بتحوير صفات الآلهة المتعددة – خيرها و شرّها – و نسبتها جميعاً لإله إسرائيل الأوحد ليصبح هو وحده الخالِق و المُدَمّر معاً ، و هي صفات تنطبق على إله الإسلام أيضا. سنرى كيف أن عقائداً و ممارسات الحضارات الشرق أوسطية كانت الشرنقة الّتي أثمرت لنا مفاهيم تمّ تقديمها في الكتاب العبري المقدس.
لآلاف السنين قبل مجيء إسرائيل للمشهد التاريخي ، كان الهِلال الخصيب الممتدّ من الخليج الفارسي-العربي جنوباً نحو سوريا شمالاً و مِن ثمّ جنوباً مرّة أخرى إلى حدود مصر الفرعونية ، كان هذا الهلال يعج بالقرى و التجمعات السكنية و المستوطنات البشرية. في مدينة أريحا Jericho التي تخبرنا التوراة أنّ أسوارها تهدّمت أمام أبواقِ جيش يوشع ، تمّ حديثاً اكتشاف مواقعَ سكنية تعود ل9 آلاف سنة قبل الميلاد. أريحا الواقعة ستة أميالٍ غربَ نهر الأردن و شمالَ البحر الميت هي أقدم مدينة مسوّرة في التاريخ لحدِّ الآن. أيضا كشفت الحفريات في هذه المدينة مخلّفات حجر مستديرٍ يُقَدّر ارتفاعه ب30 قَدماً كما تمّ اكتشاف جماجِم مغطاة بالجص بينما الأعين معمولة من صُدَف البحر. هذه البقايا الّتي تعود لما يَقرب من العصر الحجري كان لها على الأرجح غاياتٌ دينية ربّما يستحيل علينا معرفتها. هذه البقايا و الأثار هي على الأرجح لمساكن تم هجرها و العودة لاستيطانها طوال آلاف السنين و بفعل التراكم أصبحَتْ تلاًّ. هذه الأطلال و الأنقاض تتكوّن من طبقات و كل طبقة تمثّل فترة استيطان بشري و لتعقبها فترة جديدة في طبقة فوقها.
سومر و مهد الحضارة
في حوالي سنة 3500 قبل الميلاد قام شَعْبٌ يسمّى بالسومريين بتشييد عدة مدنٍ منها أور الّتي تُعتبَر المدينة الّتي وُلِدَ فيها النبي إبراهيم على حَسب زعم التوراة ، و أيضا مدنٌ ك"أوروك" موطِن الملك گلگاميش (أول بَطَلٍ للأدَب الغربي) ، و مدن لگش و أريدو و غيرها. أبدعَ السومريون في إنشاء أنظمةِ ريِّ متطورة و معابِدَ شاهقة لتقرّبهم من الآلهة و أنشأوا أول القوانين في التاريخ البشري لحماية السّلم الاجتماعي و تأمين المِلكية و معاقبة من يخرق هذه القوانين. كان لإختراعهم للعجلة في الألف الرابع ق.م. دورٌ كبير و أساسي في إنجاحِ تجارتهم و نشرِ حضارتهم. كذلك نجحَ السومريون في الذهاب بعيدا للتجارة مع الفراعنة الّذينَ كانت حضارتهم تتطور بشكل متزامن مع السومريين. حوالي سنة 3200 قبل الميلاد كان السومريون قد طوّروا نظاماً للكتابة يسمى بالخَط المسماري أو Cuneiform كما يٌسمّى بالإنكليزية و هذا الخط كان يتم كتابته عبر أداةٍ حادّة على ألواح طينية كان يَتمّ تجفيفها تحت أشعة الشمس أو في فرن و بعد أن تجف كانت تصبح صلبة غير قابلة للتدمير تقريبا و وَصَلت إلينا عشرات الآلاف من هذه الألواح القيّمة و رغم أنّ هذه الألواح تمّ اختراعها بداية لتدوين العقود التجارية و جرد المحاصيل و المداخيل و ما يتعلّق التعاملات التجارية ، و لكنّها تطوّرت لتصبح كتاباتٍ تتعلق بالسحر و قصص الآلهة و الأبطال الأسطوريين. من ضِمن هذه القصص هي قصة كانت متداولة لدى السومريين عن طوفان عالمي هدّد وجود الإنسان على الأرض ، و هذه القصة وجدتْ لنفسها طريقاً إلى الكتاب العبري المقدس أو التوراة و هي مذكورة في القرآن أيضا. كذلك قصّة خلق العالم بعد أن كان هناك عالم متكون من فوضى مائية عارمة حيث تبدأ التوراة بسرد قصة الخلق من نفس الفكرة. التراث الّذي قدّمته سومر للبشرية يتنوع بين الدّين و الأدَب و أيضاً الرياضيات و العمارة و البناء. قامَ السومريون بتصميم نظام ستيني في الحساب و كان رَقَمهم المقدّس الّذي كانَ يرمز لإلههم الأكبر آنو و من هذا الرقم استمدّوا تقسيمَ الساعة إلى 60 دقيقة و تقسيم الدائرة إلى 360 درجة. و رغم أن الباحثين اليوم يعرفون عن الأهرامات و المعابد الفرعونية أكثر مما يعرفون عن العمارة السومرية لكنّ هندسة السومريين لا تزال تثير الإعجاب. رغم أن حجارة سومر كانت عبارة عن طابوق مطبوخ مصنوع من الطّمي و هم كانوا يفتقرون إلى حجر الگرانيت و الحجر الجيري الّذي كانَ وفيرا في بلاد الفراعنة لكن السومريين أبدعوا بحجارتهم المطبوخة بناء مدن منيعة بأسوارها و في وسط كلّ مدينة من هذه المدن كان يرتفع معبد ضخم لذلك الإله الحامي لتلك المدينة. تميز السومريون ببناءٍ شاهِق عُرِفَ بـ"الزقورة" و هو بناء يرتفع بسهولة عبر تعدّد مستوياته ، و في القمّة كان المكان الأقدس أو المعبد و هو مخصّص للإله – الإله آنو مثلاً – حيث يحمي الإله المدينة من قمة ذلك البناء. محتمل جداً أن الأبراج المستدقّة للكنائس المسيحية و مآذن الجوامع هي امتداد لفكرة السومريين في الارتباط بالإله في قمة المعبد. ارتباط المدينة بالإله الحامي كان صفة امتدّت إلى عموم بلاد الرافدين عبر ظاهِرة الزقورة أو معبد الإله الحامي و من هنا استمدّت بابِل اسمها من إلهها مردوخ حيث أنّ اسمها هو باب إيل و تعني باب الإله. كانت زقورة الإله مردوخ تسمى ايتيمناكي Etemenanki و تعني البيت الذي هو وتَد الأرض و السماء. عندما رآى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم في المنام سلّماً ضخماً صاعداً للسماء حيث يصعد و ينزل الملائكة و المقربون من الإله فأن رؤياه هذه تعكس وظيفة الزقورة الدينية حيث يكون هناك مكان للقاء الإنسان و الإله و من هنا نجد يعقوب يسمّي المكان "بيت إيل" أو "بيت الإله" و هو ما يذكّرنا بالكعبة الّتي يسمّيها المسلمون بيت الله ، و هي بوابة السماء حسب يعقوب. هنا نرجو عدم الخلط فإن قصة يعقوب الواردة في سفر التكوين الفصل 28 الآيات 10 – إلى 19 لا تحيل إلى الكعبة. قصّة يعقوب هذه هي أقرب إلى المفهوم الرافديني من تلك القصة الواردة في سفر التكوين الفصل 11 الآيات 6 إلى 9 الّتي تقول: وَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَشْهَدَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ شَرَعَ بَنُو الْبَشَرِ فِي بِنَائِهِمَا. فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنْ كَانُوا، كَشَعْبٍ وَاحِدٍ يَنْطِقُونَ بِلُغَةٍ وَاحِدَةٍ، قَدْ عَمِلُوا هَذَا مُنْذُ أَوَّلِ الأَمْرِ، فَلَنْ يَمْتَنِعَ إِذاً عَلَيْهِمْ أَيُّ شَيْءٍ عَزَمُوا عَلَى فِعْلِهِ. هَيَّا نَنْزِلْ إِلَيْهِمْ وَنُبَلْبِلْ لِسَانَهُمْ، حَتَّى لَا يَفْهَمَ بَعْضُهُمْ كَلامَ بَعْضٍ». وَهَكَذَا شَتَّتَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ كُلِّهَا، فَكَفُّوا عَنْ بِنَاءِ الْمَدِينَةِ، لِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْمَدِينَةُ «بَابِلَ» لأَنَّ الرَّبَّ بَلْبَلَ لِسَانَ أَهْلِ كُلِّ الأَرْضِ، وَبِالتَّالِي شَتَّتَهُمْ مِنْ هُنَاكَ فِي أَرْجَاءِ الأَرْضِ كُلِّهَا." يرى كَثيرٌ من الباحثين أنّ هذه القصة التوراتية هي تحوير مقصود لتسخيف الدّيانة الرافدينية و زقوراتها الّتي لم تكن تطمح لغزو السماء و مجابهة الإله كما صورها الكاتب العبري.
الغزو الأكدي و أول إمبراطورية عرفها التاريخ
حوالي سنة 2500 قبل الميلاد ، قام شعبٌ سامي يسمّى بالأكديين بغزو وادي الرافدين و المدن السومرية. و عندما نقول أنّ شعباً من الشعوب هو سامي فإننا نعني أنه ينتمي لعائلة لغوية و عرقية تجمع العرب و العبريين – اليهود – و الكنعانيين و الفينيقيين و الأقباط و شعوباً أخرى. قام الآكديون بتبني الكتابة المسمارية السومرية لكن اللغة السومرية كلغة منطوقة بدأت بالاختفاء رغم أن الآكديين قاموا بتجنيد الطبقة السومرية المثقفة لتسيير إمبراطوريتهم الّتي هي أول امبراطورية في التاريخ. كان سرجون أو سرگون الأكدي الأول (2334 – 2279 قبل الميلاد) قد بَرز فجأة كقائد قوي ليوحّد منطقة كانت تعتبر محكومة بمدنٍ مستقلة عن بعضها البعض. لكن قبل أن نمرّ على سردٍ مختصر لسرجون الأكدي و امبراطوريته ، جديرٌ بنا أن نذكر تشابها مثيراً بين قصة موسى الرضيع بقصة سرجون الأكدي الرضيع - حيث أنّ أمّ موسى تخلّصه من الموتِ قتلاً على يَد فرعون (كما في سفر الخروج الفصل 2 و نفس القصّة استوحاها القرآن من التوراة سورة القصص آيات 7 – 13) بوضعه في سلّة و تلقيهِ في النهر لينتشله أفراد من عائلة فرعون و يتمّ تربيته بين أفراد أسرة ملك أعداء شعب إسرائيل ، هذه القصة تمّ اكتشافها من بين الكتابات المسمارية الأكدية الّذي هو أقدمُ من موسى بقرابة 1000 عام حيث أنّ الملك السومري أور-زبابا كان يأمر بقتل كل مولودٍ ذكر أكدي لأنه سمع نبوءةً عن ولادة طفل أكدي سينتزع ملكه. الأساطير القديمة حافلة بقصص أطفالٍ يتعرضون لمحاولة قتل بسبب نبوءة ما عن نجاهم و يتم تخليصهم من قِبَلِ إلهٍ أو آلهةٍ حامية و ليصل هؤلاء الأبطال الأسطوريون إلى تحقيق نبوءتهم. كمثال ، الأساطير اليونانية حافلة بهكذا أبطال ، على سبيل المثال ، البطل الأسطوري هيركوليس أو هرقل الّذي تخبر التنبؤات أنّه يقتل وحوشاً و يدافع عن مظلومين ، تهاجمه ثعابين و هو في المهد و لكنّه يخنقها بيديه القويتين ، كذلك الملك الأسطوري أوديب ينجو من حيوانات البرية المتوحشة حيث يتمّ تركه ليموت ، و كذلك ديونيسيوس ، الّذي يصبح إلهاً معبوداً ، يتم قطعه و قتله و لكن والده الإله زيوس يحييه مرّة أخرى. و أشهر أسطورة أطفالٍ رُضّع في الحضارة الرومانية هي قصّة التوأمين المؤسسين لمدينة روما ريميلوس و ريموس الّذين يتمُّ رميهما في العراء لكن أنثى ذئب ترضعهما و ترعاهما. هذه القصة تكرّرت مع موسى الرّضيع حيثُ تتطابق مع قصة سرجون الأكدي الأول. نجد إنجيل متّي الفصل 2 آيات 1-18 أيضاً يخبرنا عن الملك هيرود الذي أقام مذبحة للمولودين الجدد و لكن الله ينقذ يسوع الرضيع عبر الوحي إلى أبيه بالتبنّي – يوسف – ليأخذه إلى مصر. كذلك نجد محمد نبي الإسلام و هو محاط بحماية إلهية – و منها قصة الملائكة الذين يشقّون صدره و يخرجون "حظّ الشيطان" من قلبه كما في سيرة ابن اسحاق. فلنعد إلى تاريخ سرجون الأكدي و امبراطوريته حيث أنّه عندما قامَ بغزو مدينة أور ، سارعَ بأن نصَّبَ ابنته كبيرة كهنة معبد إله القمر سين. و في ال1800 سنةً اللاحقة سيتخذ ملوك بلاد الرافدين هذا التنصيب سُنّة تتّبع حيث ينصّب الملوك بناتهم كبيرات كهنة لمعبد إله القمر. يرى بعض الباحثين أنّ جبل التجلّي في سيناء Sinai حيث التقى موسى بالله وجهاً لوجه هو في الحقيقة اسم مستوحى من إله القمر سين Sin. من ثمّ لاحقا قام نارام سين حفيد سرجون الأكدي بإعلان نفسه ملك الأركان الأربعة للعالم بعد سيطرته على مدن سومر. مِن ضمن إنجازات نارام سين الّتي يخبرنا التاريخ عنها هو تدميره مدينة إيبلا المهمة في شمال سوريا. من ضِمن الاستنتاجات المقترحة من الباحثين هي أنّهم عثروا على اسم إلهٍ يُسمّى "يا" ضمن آلهة مدينة إيبلا و أنّه قد يكون مصدر تسمية اليهود لإلههم "يهوه" إلى جانِبِ ملكٍ يسمّى "إبروم" الّذي قد يكون سليلاً محتملاً لإبراهيم التوراتي. لكنّ باحثين آخرين يجادلون أن الاستنتاج يُمكِنُ أن يكون مُتَعَجِلاّ. مع ذلك ، فإنّ هذه الاكتشافات يمكنُ أن تكون مهمةً جدا لبحثٍ مستقبليّ عن علاقة هذه المدينة بحوادث الكتاب العبري. بل إنّ هناك اسمُ وارد في الوثائق يبدو أبعدَ من كونه مصادفة حيثُ أن اسم "إشرا-إيل" يبدو كنسخة أقدم لاسم "إسرائيل" الّذي سيتخذه يعقوب بن اسحاق بعدَ ذلك بقرون ، كما يخبرنا سفر التكوين في الفصل 32 الآيات 22 إلى 32:
"ثُمَّ قَامَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَصَحِبَ مَعَهُ زَوْجَتَيْهِ وَجَارِيَتَيْهِ وَأَوْلادَهُ الأَحَدَ عَشَرَ، وَعَبَرَ بِهِمْ مَخَاضَةَ يَبُّوقَ، وَلَمَّا أَجَازَهُمْ وَكُلَّ مَالَهُ عَبْرَ الْوَادِي، وَبَقِيَ وَحْدَهُ، صَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. وَعِنْدَمَا رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَتَغَلَّبْ عَلَى يَعْقُوبَ، ضَرَبَهُ عَلَى حُقِّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ مَفْصِلُ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. وَقَالَ لَهُ: «أَطْلِقْنِي، فَقَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَأَجَابَهُ يَعْقُوبُ: «لا أُطْلِقُكَ حَتَّى تُبَارِكَنِي». فَسَأَلَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَأَجَابَ: «يَعْقُوبُ». فَقَالَ: «لا يُدْعَى اسْمُكَ فِيمَا بَعْدُ يَعْقُوبَ، بَلْ إِسْرَائِيلَ (وَمَعْنَاهُ: يُجَاهِدُ مَعَ اللهِ)، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ». فَسَأَلَهُ يَعْقُوبُ: «أَخْبِرْنِي مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟» وَبَارَكَهُ هُنَاكَ. وَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ فَنِيئِيلَ (وَمَعْنَاهُ: وَجْهُ اللهِ)"
بعدَ أن سادت الإمبراطورية الأكدية حوالي قرنين من الزّمن ، كانت نهايتها على يدِ شعب يسمّى بـ"العموريين" و تعني التسمية "القادمين من الغرب" و قد استطونوا في الهلال الخصيب امتداداً من بلاد الرافدين و حتى بلاد كنعان في إسرائيل و المناطق الفلسطينية المعاصرة. كما أنّ العموريين قاموا بتوسيعِ مدينتين بل و تأسيسهما مجدّدا في بلاد الرافدين و هٌما ماري في الفرات الأوسط و بابل التي تقع في منطقة الفرات الجنوبي. مدينة ماري الّتي تقع قرابة الحدود العراقية السورية منحتنا حوالي 20,000 لوح من الكِتابات المسمارية التي تعود إلى حوالي سنة 2000 قبل الميلاد. بعض هذه الألواح تحوي معلومات وافية عن العلاقات و العقود الاجتماعية الّتي تعود للعصر البرونزي الّتي يمكنُ أن تعطينا خلفية فكرية و علمية لحياة الآباء العبريين الأوائل كإبراهيم و إسحاق و يعقوب. بعض الباحثين يرى أنّه من الصعب أن نستنتج وجود علاقة بين هذه النصوص و بين الآباء العبريين حيث لا توجد أدلة تاريخية تثبتُ وجود إبراهيم و إسحاق و يعقوب.
ملحمة گلگامش
إلى جانب العقود و المواثيق الاجتماعية الّتي تحويها آلاف الألواح الطينية الرافدينية ، اكتشفَ علماء الآثار كتابات أدبية ثمينة تعود لتلك العهود السحيقة في القِدَمْ و الّتي تحوي تشابُهاً كبيرا معَ نصوص الكتاب المقدس و القرآن المُقدّس الإسلامي. في أواسط القرن ال19 الميلادي اكتشفَ علماءُ الآثار مكتبة الألواح الطينية الّتي امتلكها الملِك آشور بانيپال الرابع (668 – 626 قبل الميلاد) الّذي كان آخر الأباطرة الأقوياء للدولة الآشورية المحاربة و الّتي امتدّت من القرن ال11 و حتى القرن ال7 قبل الميلاد. في خرائب قصر الملك آشوربانيپال في مدينة نينوى – الموصِل – تَمَّ العثور على نسخة نادرةٍ كاملة لملحمة گلگامش إلى جانبِ أعمالٍ أدبيةٍ أخرى. رَغْمَ أنّ نُسَخاً قديمةً من هذه الملحمة تم تأليفها في عصورٍ سومرية قديمة عن الحاكِم الأسطوري لمدينة أوروك – الّذي هو الجذر اللغوي لكلمة عراق – ذلك المدعو گلگامش ، إلاّ أن النّسخة الأكدية الّتي تمّ اكتشافها في مكتبة الملك آشور بانيپال تُعَدُّ الأكثَرَ ثراءاً لغويا و أدبيّاً للباحثين. على اللوح الحادي عَشر من الملحمة الّتي تتكوّن من إثني عشر لوحاً ، قامَ المترجم و الكاتب الأكدي بإضافة سردٍ طويل لمغامرة أخرى لگلگامش الّتي تحوي قصة طوفانٍ عالمي. قصة الطوفان العالمي هذه على ما يبدو استوحاها الكاتب من أساطيرَ أكدية قديمة عن البطل أتراهاسيس و تَمّ دمج القصة مع قصّة گلگامش و المثير أن القِصّة تشبه كثيرا قصّة طوفان نوح الواردة في سِفر التكوين (الفصول 6 إلى 8) و الواردة في القرآن أيضا حيث يغرق يهوه التوراتي – الله القرآني – العالَم أجمع عدى عائلةٍ واحدة. سنتحدث عن مقارنة قصة الطوفان في ملحمة گلگامش و كيفَ أن كُتّابَ التوراة استعاروا منها و أثّروا بالتالي على النّص القرآني ، لكن دعونا الآن نتكلّم عن ملحمة گلگامش بشكل سريعٍ أوّلاً. تمَّ العثور على العديد من أجزاءٍ مختلفة من الملحمة و بعضها مكسور في مخلّفات حضاراتٍ قديمة عدّة منها واحدةٌ في عاصِمة الحيثيين Hittite في آسيا الصغرى. بل إنَّ هذه الملحمة كانَت مقروئة حتى في مملكة إسرائيل – فلسطين حيث تمّ العثور على لوحٍ مكسور منها في منطقة ماجيدو في الجليل الأدنى كما أن اسم گلگامش وردَ في مخطوطات البحر الميّت في وثائق تقدّر بين سنة 250 قبل الميلاد إلى 68 ميلادية. ملحمة گلگامش تتميز بقسمين: القسم الأول يتميز بعلاقته الحميمة مع الإنسان-النصف-حيواني انكيدو الّذي خلقته الآلهة من طينٍ ليكون شريك-حياته ، قد يبدو هذا كعلاقة مِثلية بين گلگامش و انكيدو. هناك أيضا قصّة مثيرة في هذا القسم حيث أنّ انكيدو يتحول إلى إنسان كامل بعد وقوعه في غرام شامات الّتي علّمته أساليب الحياة المدنية و لكنّه خسر قوته الحيوانية الخارقة بعد هذا ، بعد أن ينجح گلگامش و انكيدو في قتل الوحشين همبابا و ثور السماء اللذين جَسَّدا الجفاف و الزلازل ، يرتكب گلگامش خطأً جسيماً في رفض عروض العشق و الغرام من الإلهة عشتار إلهة الحُبِّ و الحرب و حامية مدينة أوروك الّتي كان گلگامش حاكمها ، تذهب عشتار و تطلبُ من مجلس الآلهة أن تعاقب گلگامش عبرَ ابتلاء انكيدو بمَرضٍ مميت ، يصابُ گلگامش بحزنٍ عميق و رعبٍ خلال رؤيته و مشاهدته لموت صديقه و معرفته حقيقة أنّه هو نفسه ميّت في النهاية فيقرّر بتصميم و همّة أنّه سيبحث عن طريقة للنجاة من الموت. القِسْم الثاني من ملحمة گلگامش يحوي رحلة البطل الأسطوري في سعيه لبلوغ الخلود و الحياة الأبدية و تبدأ الرحلة بمغادرته لمدينته أوروك ذات الأسوار و التحصينات. يتجاوز گلگامش العالم المعلوم و يتجاوز "مياه الموت" مارّاً بأرضٍ مُظلمةٍ كليّاً ليصلَ إلى جزيرةٍ حيثُ يسكن أحد أسلافه المدعو "أوتناپشتم". هذه الشخصية المدعوة "أوتناپشتم" يهبها الآلهة الخلود و النجاة من "طوفانٍ عالمي" و هذه شخصيّة مماثلة لـ"نوح" المذكور في التوراة و القرآن. بعدَ رحلةٍ شاقة و صعبة ، يصل گلگامش إلى حيث يسكن أوتناپشتم في جنّة الخلود. هنا يسخرُ أوتناپشتم من حفيده گلگامش لسعيه في سبيلِ الخلود و أن خلودهُ – أي أوتناپشتم – إنما ينبع من هبة فريدة و ظروفٍ خاصّة حيثُ أنّه أُعطيَ الحياة الأبدية لتنفيذِ مهمة للإلهة العظيمة "إيا" حيث كلّفته ببناء سفينة عظيمة و أن عليه أن يُحَمّلها زوجين اثنين من كل حيوان لكي تنجوا الأنواع من طوفان مُهلِك. زوجة أوتناپشتم ترثى لحال گلگامش و بؤسه فتطلب من زوجها أن يخبر گلگامش عن النبتة الّتي تجدد الشباب و أنها موجودة في عُمْقِ البحر. و بعدَ أن يحصل گلگامش على النبتة التي تجدد الشباب ، و أثناء عودته في رحلته الشاقة إلى موطنه أوروك ، تقومُ حيّةٌ بسرقة النبتة منه. المفارقة أن الحية استطاعت الحصول على نبتةٍ تساعدها على تجديد نفسها بينما بقي البشر ينتظرون موتهم كالعادة حسب ملحمة گلگامش هذه. على طريقه للقاء أوتناپشتم ، يلتقي گلگامش نادلة خَمْرٍ حكيمة و هي إلهةٌ صغيرةٌ أيضا ، اسمها "سيدوري" ، فتذكّره أنّه لن ينجحَ أبدأً في الحصول على الخلود لأن الآلهة قد قرّرتْ أنها وحدها هي من يملك حق الخلود و تقول له "سيدوري":
"أمّا لكَ ، گلگامش ، إملأ بطنكَ بأشياءَ جَيّدة ، نهارا و ليلاً ، ليلاً و نهاراً ، أرْقُصْ و امْرَح ، إتخذ و ليمةً و ابْتهج. دعْ ملابسك جديدةً ، استحِمَّ في الماء ، اعْتَزْ بالطّفلِ الّذي يُمْسِكُ بيدك ، و اجعل زوجَتَكَ سعيدةً في حُضنكَ. لأنَّ هذا أيضاً من نصيب الرّجل."
و نحنُ نسمعُ ما يكادُ أن يكونَ صدىً حرفيّاً لنصيحة "سيدوري" في سِفر الجامعة في الكتاب المقدس العبري الّذي يُكرّر الأسف على نهاية كل شيء في الحياة بالموت و أن لا لذة إلاّ في تلك اللحظة التي نعيشها إلا بتقبّل ما وهبه الإله:
"فَامْضِ وَتَمَتَّعْ بِأَكْلِ طَعَامِكَ، وَاشْرَبْ خَمْرَكَ بِقَلْبٍ مُنْشَرِحٍ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ رَضِيَ الآنَ عَنْ أَعْمَالِكَ. لِتَكُنْ ثِيَابُكَ دَائِماً بَيْضَاءَ، وَلا يُعْوِزَنَّ رَأْسَكَ الطِّيبُ. تَمَتَّعْ طَوَالَ أَيَّامِ حَيَاتِكَ الْبَاطِلَةِ الَّتِي أَعْطَاكَ إِيَّاهَا الرَّبُّ تَحْتَ الشَّمْسِ مَعَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَحْبَبْتَهَا، لأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَظُّكَ مِنَ الْحَيَاةِ وَمِنْ عَنَاءِ تَعَبِكَ الَّذِي تُكَابِدُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ" (الجامعة الفصل 9 الآيات 7 إلى 9)
و الآن لنلقي نظرة مقارنة سريعة بين ملحمة گلگامش و التراث الإبراهيمي. عندما اكتشف علماء الآثار ملحمة گلگامش وجدوا أنَّ هناك العديد من نقاط التّباين بين قصة الطوفان التوراتية و نظيرتها الأقدم في ملحمة گلگامش. فحسبَ ملحمة گلگامش فإن الإله إنليل الشرس أقنع الآلهة بأنّه يجب تقليل الضّجيج البشري عبر إرسال طوفانٍ مُدمّر. فقط الإلهة الحكيمة إيـا تقرّر إنقاذ الجنس البشري عبر إرسال تحذير إلى "أوتناپشتم" (الّذي يسمّيه ستيفن ل. هاريس أحد أبرز باحثي الكتاب المقدّس بأنّه النسخة البابلية لنوح التوراتي – القرآني) و تأمره الإلهة إيا بأن يبني سفينة و يضع من كلّ حيوانٍ زوجين اثنين و يركبها هو و عائلته و خدمه و أن يُعدّ نفسه ليستوطن الأرض نسلُه بعد فناء البشرية. "كلُّ شيء مضيء تحوّل إلى ظلمات" – تقول الملحمة – لستة أيّام "زعيق الرياح و بلل الأمطار غطّى الأرض ، محوّلاً البشر إلى طين" و أنّه "عندما توقّفت العاصِفة في اليوم السّابِع ، امتدّت مياه الطّوفان من الأُفُق إلى الأفُق مظهرةً أنّه لم يكُن هناكَ أيّ أثرٍ للحياة في أيّ مكان و بعدَ انحسار المياه و بدأ النّاجون يخرجون بزوارق من السفينة باحثين عن أرض ، يقوم أوتناپشتم بإرسالِ طيورٍ لاستكشاف الأرض ، الأوّل طائِر سنونو و بعدها حمامة ، يذهب الطائران لكنّهما يعودان خائبين ، لكن الطّائر الثالث الغُراب ينجح في العثور على أرض و طعام و لا يحتاج للعودة. قارن هذه التفاصيل بسفر التكوين الفصل 8 الآيات من 7 إلى 12:
" وَبَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَحَ نُوحٌ نَافِذَةَ السَّفِينَةِ الَّتِي صَنَعَهَا. وَأرْسَلَ غُرَابًا. فَطَارَ الغُرَابُ مِنْ مَكَانٍ إلَى آخَرَ إلَى أنْ نَشِفَتِ المِيَاهُ عَنِ الأرْضِ. ثُمَّ أرْسَلَ نُوحٌ يَمَامَةً مِنْ عِنْدِهِ لِيَرَى إنْ كَانَ المَاءُ قَدِ انْحَسَرَ مِنْ سَطْحِ الأرْضِ. وَلَكِنَّ اليَمَامَةَ لَمْ تَجِدْ مَكَانًا تَحُطُّ عَلَيْهِ لِأنَّ الأرْضَ كَانَتْ مَا تَزَالُ مُغَطَّاةً بِالمَاءِ. فَعَادَتْ إلَى نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ. فَأخرَجَ نُوحٌ ذِرَاعَهُ وَأمْسَكَ بِاليَمَامَةِ، وَأدخَلَهَا إلَى السَّفِينَةِ. وَانتَظَرَ نُوحٌ سَبْعَةَ أيَّامٍ أُيضًا. ثُمَّ أرْسَلَ اليَمَامَةَ مِنَ السَّفِينَةِ ثَانِيَةً. فَعَادَتِ اليَمَامَةُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ المَسَاءِ، تَحْمِلُ فِي مِنْقَارِهَا وَرَقَةَ زَيْتُونٍ خَضْرَاءَ. فَعَرَفَ نُوحٌ أنَّ الميَاهَ قَدِ انخَفَضَتْ عَنِ الأرْضِ. فَانتَظَرَ نُوحٌ سَبْعَةَ أيَّامٍ أُيضًا، وَأرْسَلَ اليَمَامَةَ. فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ."
أيضاً قارِن كيف أن أوتناپشتم عندما هبطَ من السفينة قدَّمَ الذّبائح و القرابين و أشعَلَ النار في لحوم القرابين لكي تشمَّ "آلهة السماء العِطر اللطيف" بالنّصِّ التوراتي
ثُمَّ بَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا للهِ. وَأخَذَ مِنْ جَمِيعِ أنْوَاعِ الحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ وَالطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ، وَقَدَّمَهَا قَرَابِينَ عَلَى المَذْبَحِ. وَرَضِيَ اللهُ عَنْ هَذِهِ الذَّبَائِحِ وَقَالَ: «لَنْ ألْعَنَ الأرْضَ ثَانِيَةً بِسَبَبِ النَّاسِ، لِأنَّ قَلْبَ الإنْسَانِ مَيَّالٌ إلَى الشَّرِّ مُنْذُ صِغَرِهِ. فَلَنْ أعُودَ إلَى إهلَاكِ كُلِّ مَخْلُوقٍ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ الآنَ.
التكوين الفصل 8 آية 20
تخبرنا ملحمة گلگامش أيضاً أن الآلهة حامَت كالذّباب على دخّان القرابين و أنّهم أدركوا أنّهم بحاجة لصلوات البشر فقرّروا أن لا يُدَمّروا البشرية مرةً أخرى. و عندما انضمَّت الإلهة عشتار إلى مجلس الآلهة و قبلت هذا العهد ، رَمَت بقلادتها الثمينة إلى السّماء لتتحوّل إلى "قوس قزح" علامةً على عهدها مع البشرية. و في سفر التكوين الفصل 9 آيات 12 و 13 هنا نجد أنّ القصة انتهت إلى القرآن من دون هذه التفاصيل و يبدو أنّ الّذين كتبوا القرآن لم يملكوا القصة بشكل مكتوب بل اعتمدوا على السّماع و الذاكرة و بالتالي كتبوا فقط خطوطا عامّة لقصة نوح كطول عمره و بناء سفينة و أضافوا قصة ابنه الذي قرّر صعود جبل كما في سورة هود للنجاة من الطوفان لكن لم ينفعه ذلك.
قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴿٤٣﴾
هذا الحدث على ما يبدو من ابداع كاتب يعيش في بيئة بدوية و لم يعطِ القصّة تفاصيل أكثر أو حبكة ذات مغزى.
العالم السفلي في ثقافة بلاد الرّافدين
يستغرب الكثيرونَ كيف أنّ الكتاب المقدّس اليهودي يهمل كُلّياً أي حديثٍ عن الآخرة أو أيّ حديثٍ عن حياة ما بعد الموت. بشكل عام ، فإنّ كُتّاب و مؤلفي أسفار الكتاب المقدس يتجاهلون مسألة ما بعد الموت أو أنهم يؤمنون بأن أرواح الموتى ، الصالحين و الأشرار معا ، تذهب إلى عالمٍ سفلي جوفي قاتِم و بائس في حالةٍ تختلف عن هذه الحياة. ينعكس التراث الرافديني بشكل واضح و جلي على كُتّاب الأسفار حيثَ أن أنبياء الشّعب الإسرائلي لا يقدمون أيّ وعودٍ آخروية أو وعودٍ بجنّات عدنٍ حتى في أحلك الظروف الكارثية الّتي مرَّ بها الشعب الإسرائيلي. على عكس الفراعنة الّذين أنفقوا أموالاً طائلة على تحضير الموتى و تحنيطهم للحياة الّتي سيعيشونها بعد الموت مع المعدّات و الأثاث الّذي سيحتاجونه ، فإن الإسرائيليين لم ينظروا إلى الموت كمرحلة أو بابٍ يؤدي لحياة أخرى. كتّاب الأسفار الإسرائيليون يرسمون للعالم السّفلي "شيول" صورة قاتمة و مغبرة هادئة شبيهة بالوصف الّذي يتلقاه گلگامش من روحِ صديقهِ الميت إنكيدو الذي يعود إليه كروح من عالم الأموات السفلي. فقط هناك اثنان من أسلاف الإسرائيليين المذكورين في الكتب اليهودية المعتمدة ممن أُخِذوا – دون أن يموتوا – إلى الجّنة (سفر التكوين الفصل 5 آية 24) و النّبي إيليا (سفر الملوك الثاني الفصل 2 آية 1 إلى 12) و لكن عدى هذين النبيين فإنَّ كُتّاب الأسفار لا يذكرون عن تلقي أي شخصٍ آخر لهذا المصير و في الإسلام يبدوا أن عيسى بن مريم (يسوع في المسيحية) هو الوحيد المرفوع للسّماء و اختلف المسلمون هل أنّه حيّ في السماء أو أنّه متوفي. فقط في كتاب دانيال الفصل 12 آية 2
فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، سَيَقِفُ الرَّئِيسُ العَظِيمُ مِيخَائِيلُ المَسؤُولُ عَنْ خِدْمَةِ شَعْبِكَ، وَسَيَكُونُ هُنَاكَ وَقْتُ ضِيقٍ لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ مُنْذُ صَارُوا أُمَّةً وَحَتَّى ذَلِكَ الوَقْتِ. فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، سَيَنْجُو كُلُّ شَعْبِكَ الَّذِينَ أسمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةٌ فِي الكِتَابَِكُلُّ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأرْضِ سَيَقُومُونَ، بَعْضُهُمْ إلَى الحَيَاةِ الأبَدِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ إلَى العَارِ وَالِازدِرَاءِ الأبَدِيَّينِ. وَالحُكَمَاءُ سَيُشرِقُونَ كَقُبَّةِ السَّمَاءِ اللَّامِعَةِ، وَالَّذِينَ قَادُوا كَثِيرِينَ إلَى البِرِّ سَيَصِيرُونَ كَالنُّجُومِ إلَى أبَدِ الآبِدِينَ.
نَصّا صريحاً عن إيمانٍ بالجنة و النار ، ربّما بتأثير فارسي زردشتي أحدث من الأسر البابلي.
قوانين حمورابي
يبدأ تاريخ بابل العظيم عندما أسَّس الأموريون أو العموريون (و اسمهم يعني سُكّان الغرب) سلالة حاكمة في بابل في ظل الملك حمورابي ، الملك السادس في هذه السلالة. في ظلّ حمورابي أصبحت بابل امبراطورية تضارع في حجمها امبراطورية سرجون الأول الأكدي و تحديد تسلسل الأحداث لحمورابي و عصره بالغ التعقيد و التناقض أحيانا بسبب شحة المصادر و اختلاف المؤرخين في تحديد تواريخها. بعض المؤرخين يجادل أنّ حمورابي حكم من 1792 إلى 1750 قبل الميلاد ، بينما يجادل آخرون – و هؤلاء أيضا مؤرخون لهم ثقلهم – أنّه حكم من 1728 إلى 1686 قبل الميلاد ، لكن ما يتّفق عليه المؤرخون هو أنّه حكم 42 سنة.
حمورابي معروف كقائدٍ عسكري ناجح و كإداري محترف و لكنّ شهرته العالمية تتمثّل في تشريعه المعروف بمسلّة حمورابي. هذه التشريعات المنحوتة على صخر الديوريت الباسلتي الأسود مقسّمة – حسب المؤرخين المعاصرين – إلى 282 قسماً و الصخرة ارتفاعها يبلغ 8 أقدام – يعادل 2.4384 متراً – و كانت صخرة القوانين هذه قد نُصِبَت في مدينة سيپار البابلية و لاحقاً قام العيلاميون بالاستيلاء عليها و أخذوها إلى عاصمتهم سوسة ، ليكتشفها علماء الآثار بعد 3000 سنة في أنقاض المدينة. قوانين حمورابي هذه هي في حقيقتها تراثٌ سومري-بابلي و فيه كثيرٌ من التّشابه مع الشريعتين اليهودية-الإسرائيلية و الإسلامية لاحقاً و من أبرز أُسُس هذا التشريع أنّه هِبة الإله شماش (إله الشمس) إلى الملك حمورابي الّذي يبدو أمام الإله الجالس ليستقبل الشريعة على هيئة عصا في يد الإله. شريعة حمورابي لها أسلوب سفسطائي يشبه كثيراً لغة الاحتمالات الموجودة في الشريعتين الموسوية و المحمدية بحيثُ يقول النّص أنّه "إذا حدثَ شيءٌ بكذا شكل فإن العقوبة أو الحَل الشرعي القانوني يكون كذا." و كما أن قانون حمورابي و شريعته كانت هبةً و أمراً إلهيّاً ، فإن شريعة موسى (كما في سفر الخروج 20 الآيات 22 و 23) أيضاً هي هبة يهوه و كذلك شريعة محمد هي حكم إلهي مُنَزّل على محمد. تشترك التقاليد القانونية السومرية-البابلية و الموسوية و المحمديّة – و الأخيرة تأثرت ببعض الأعراف العربية – في ضرورة حماية الضعفاء و الفقراء ، على الأقل نظرياً طبعا ، كحماية الأرامل و الأيتام من الاستغلال.
يعلن حمورابي أنّه يقصد من تشريعه "لخير الناس ... لنشر العدل في البلاد ، لإهلاك السيء و الشرير ، لكي يمنع استغلال القوي للضعيف." لكن هذا القانون الّذي يزعم الإنصاف ، حاله حال قوانين أخرى سومرية أقدم ، لا يقدّم الحماية لفئات مسحوقة معيّنة. أعضاء الطبقة النبيلة ، على سبيل المثال ، كانوا يعاملون باحترام أكبر حسب هذا القانون و كان الأغنياء يستطيعون تفادي العقاب عبر دفع غرامة و أيضاً كان الغني الارستقراطي قادراً على تفادي عقوبة القصاص بالموت في حال ارتكب جريمة قتل عبر دفع ديّة مالية – كما هو سائد في الشريعة الإسلامية في بلدان كالسعودية مثلا. بالمقابل كان العبد يُقَدَّم فوراً إلى عقوبة الموت. من ضمن عقوبات هذا القانون كان إذا اعتدى شخص على شخصٍ آخر من طبقة أعلى يتعرض لعقوباتٍ أشدّ من عقوبة قتل عبد من العبيد. يوصى قانون حمورابي كما في شريعتي موسى و محمد بعقوبة الموت لعدة جرائم ، كما أنّ هذا القانون كهاتين الشريعتين توصي ببتر الأعضاء كاليد و الأذرع و الأرجل عقوبة لجرائم أخرى. في قانون حمورابي كانت عقوبة النبيل الغني مساوية للضحية إذا كانت الضحية من نفس الطبقة الغنية ، إليكم بعض النماذج من هذا القانون:
"إذا اعتدى سيد من النبلاء بإتلاف عين شخصٍ من نفس طبقته فعقابه هو إتلاف عينه"
"إذا كسر سيد من النبلاء عظم شخصٍ من طبقته فإن عظمه يُكْسَر"
"إذا قلع نبيل من النبلاء سِنَّ نبيلٍ من طبقته فإن سِنَّه يجب أن تُقْلَع"
(قانون حمورابي الأقسام 196, 197, 200)
مُتّبعا نفس الأحكام في قانون حمورابي ، فإنّ شريعة موسى توصى بنفس العقاب بالمثل:
"إنْ آذَى شَخْصٌ جَارَهُ، فَمَهمَا كَانَ مَا فَعَلَهُ يُفعَلُ بِهِ: كَسرٌ بِكَسرٍ، وَعَينٌ بِعَينٍ، وَسِنٌّ بِسِنٍّ. مَنْ يُؤذِي يَنْبَغِي أنْ يُؤذَى بِمِثْلِ أذِيَّتِهِ." سفر اللاويين الفصل 24 الآيات 19 – 20 غير أنّ شريعة موسى لا تبدو طبقية كما في حمورابي ربّما لأن غالبية الشعب الإسرائيلي كان بدويا لا يملك الكثير و كذلك الحال بالنسبة للشريعة المحمدية ، لكن النظرية شيء و الواقع شيء آخر إذ كان قِسم الدّيّات في الشريعة المحمّدية – التعويض المادّي – يساعد الغني في تفادي العقوبة و هو المتّبع في السعودية حيث يستطيع الغني تفادي العقوبة بدفع تعويض ، هذا إن "ثَبُتَ" ارتكابه الجريمة طَبعاً. توصي شريعتا موسى و محمد بأن يتمّ تطبيق الحدود بدون رحمة ، في التوراة مثلاً نجد في سفر تثنية الاشتراع الفصل 21 الآية 19 تقول:
"لَا تُشفِقُوا عَلَيْهِ، بَلِ عَاقِبُوهُ حَيَاةً بِحَيَاةٍ، وَعَينًا بِعَينٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَيَدًا بِيَدٍ، وَرِجْلًا بِرِجْلٍ." و هذه توصية بتطبيق قانون الإنتقام و نجد في القرآن في سورة النور آية 24 "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" و هناك حكم أكثر إنسانية في شريعة موسى عن تلك البابلية إذ تخبرنا التوراة أن على السّيد الّذي يؤذي عبده أن يحرّر العبد كتعويضٍ له حيث يقول سفر الخروج الإصحاح 21 الآيات 26 و 27:
"إنْ ضَرَبَ رَجُلٌ عَيْنَ عَبدِهِ أوْ جَارِيَتِهِ فَأتْلَفَهَا، يُطْلِقُهُ حُرًّا مُقَابِلَ عَيْنِهِ. وَإنْ أسْقَطَ سَيِّدٌّ سِنَّ عَبدِهِ أوْ جَارِيَتِهِ، يُطْلِقُهُ حُرًّا مُقَابِلَ سِنِّهِ." و في شريعة محمد رغم ورود حديث كـ"مَن قَتَل عبدَه قتَلْناه، ومَن جَدَع عَبْدَه جَدَعْناه" الذي رواه البخاري في العلل الكبير 223 و الّذي يبدو لأول وهلة و كأنّه كان نوعا من الحماية للعبيد من ظلم أسيادِهم ، لكن الفقهاء كانوا دائما يجدون حيلاً شرعية لتبرير قتل و تعذيب العبيد من قبل سادتهم.
لكن قياساً بتخلف و جهل البشرية في تلك العصور المظلمة فإنّ مجرّد فكرة قبول انتقال عبدٍ أو عبدةٍ إلى الحرية كان خطوة إيجابية في هذه الشرائع البدائية.
مِصر الفرعونية أوّل دولة مركزية في التّاريخ
كان الفراعنة القدماء يسَمّون بِلادهم "هوت-پتاح" أو معبد بتاح و من هذا الاسم اشتقَّ الإسم قبط و قبطي و كذلك الاسم الإنگليزي Egypt المشتق من ترجمة يونانية للاسم. استعمل الفراعنة هذا الوصف لينسبوا خلق الشعب و بلاد وادي النيل بأكمله للإله پتاح الخالق. و على مسافة قريبة من وادي النيل الأخضر الضيق فإن مصر كانت دوماً محاطة بصحارى قاحلة غربا و جنوب غرب النيل و الّتي ساهمت في عزل هذه الحضارة عن محيطها لآلاف السنين. على عكس بلاد الرافدين التي كانت طريقاً سهلا للفاتحين و الغزاة ، كانت مصر نادرا ما تتعرض للغزو بسبب جغرافيتها القاسية و الّتي يسهل الدفاع عنها. كان لوجود البحرين الأحمر و الأبيض المتوسط و وفرة مياه النيل أكبر الأثر في انتعاش الزراعة و التجارة و تقوية مركز السلطة. و لننظر كيف انتقلت مصر الفرعونية من كونها مملكة إلى إمبراطورية. بدأت مصر تتكون سياسيا من تحالف مجموعات سياسية صغيرة تسمى "نوميس" و لتتحول شيئا فشيئا إلى مملكتين تسمى إحداها مملكة مصر العليا و أخرى تسمّى مملكة مصر السفلى. و حوالي سنة 3100 قبل الميلاد توحدت المملكتان على يد الملك نارمر الّذي كان حاكم المملكة العليا (جنوب مصر) و تسمّى العليا لأن نهر النيل يمرّ بها أولا نحو مَصَبّه في البحر المتوسط. و منذ لحظة توحيد المملكتين فصاعداً قام فراعنة مصر بارتداء تاجٍ يجمع بين تاج مصر العليا الأبيض و تاج مصر السفلى الأحمر في تاج أبيض و أحمر يرمز للوحدة. يًقسّم المؤرخون التاريخ المصري القبطي القديم إلى ثلاث فترات. أولا العصر القديم أو المملكة القديمة أو عصر الأهرامات الّذي يُقدّر امتداده من سنة 2686 إلى 2160 قبل الميلاد و يتضمن الأسرة الحاكمة الثالثة إلى الأُسرة السادسة. ثمّ عصر المملكة الوسطى أو العصر الإقطاعي الّذي يتضمن الأسرة الحادية عشرة إلى الأسرة العشرين و يمتد من 2030 إلى 1720 قبل الميلاد. ثمّ عصر المملكة الحديثة أو العصر الإمبراطوري متضمنا الأسرة الثامنة عشرة إلى الأسرة العشرين بين سنة 1570 إلى 1075 قبل الميلاد. تحت حكم الإمبراطورية الفرعونية و في ظل حكم تحتموس الأول قامت مصر ببسط سيطرتها على أرض كنعان شمال شرق مصر فلسطين و إسرائيل حديثا. حوالي سنة 1490 ق م هزم الفراعنة تحالفاً سورياً كنعانياً يتكون من حوالي 100 ملكٍ و حاكم محلّي في معركة ماجدو Megiddo و هو مكانٌ سيشهد هزائم متكررة للإسرائيليين لاحقاً. اسم هذه المعركة استخدمه كُتّاب التوراة لاحقاً ليحوّر و يطلق على معركة الله – يهوه – الأخيرة و الحاسمة إلى الأبد ضدّ أعدائه و تسمّى أرماگدون Armageddon و هو تعبير يتكرر في الكنائس و المعابد اليهودية إلى اليوم. استمرت مصر في قوتها الإمبراطورية إلى حين سقوط المملكة الحديثة و طوال هذه الفترة استطاعت صدّ هجمات الإمبراطوريات من وادي الرافدين و آسيا الصغرى.
التراث الفرعوني المتواصل
تمّ اختراع الكتابة الصّوريّة الهيروغليفية hieroglyphics الفرعونية بفترة قصيرة بعد اختراع الكتابة المسمارية في بلاد الرافدين. أيضا كان الفراعنة أساتذة في الحساب و الرياضيات و الفلك و اخترعوا تقويماً شمسيّاً يتكون من 365 يوماً. و لأبقاء هذا التقويم ذو الإثني عشر شهراً و أيامه الثلاثين كان يتمّ ضبطه عبر إضافة 5 أيّامٍ من الأعياد الدينية و جديرٌ بالذكر هنا أنّ الشمس كانت إلهاً معبوداً لدى الفراعنة و أيضا تقسيمنا اليوم إلى 24 ساعة و احتسابنا تقسيم الليل و النهار من السّاعة 12 ظهرا و ليلاً كانَ أيضاً اختراعاً فرعونيّاً. كذلك فإنّ علم الهندسة هو من العلوم الّتي أهداها الفراعنة للعالم و قد أحسنوا تخيّل مجسماتٍ هندسية بحيث قاموا بتطبيقها عمليا في إنشاء أبنية ضخمة و شاهقة. من ضمنها بناءٌ هرمي ضخمٌ متعدّد المستويات تمّ بناءه للفرعون جوسر حوالي سنة 2650 ق م. بعدها بفترة وجيزة تمّ بناء الأهرامات العظيمة الّتي أعتبِرَتْ من عجائب الدّنيا السّبعة. كان أبو الهول و الأهرامات الشاهقة قد عفى عليها الزمن عندما دخل أسلاف الإسرائيليين – إبراهيم و إسحاق و يعقوب – إلى مصر هرباً من المجاعة في أرضِ كنعان للتنعم بوفرة الغذاء في وادي النّيل. كانت أرض پتاح – كما كانت تُسمّى مصر - توفر الكثير من المحاصيل الزراعية للفراعنة حتى عندما كانت منطقة الهلال الخصيب و أرض كنعان تعاني الجفاف فيهرع البدو إلى مصر طلباً للقوت و الغذاء. و حسب الكتاب المقدس اليهودي فإنّ يعقوب "إسرائيل" هرب مع أبناءه إلى مصر للاستقرار في دلتا النيل.
هناكَ نظريةٌ سائدة بينَ كثيرٍ من الباحثين حول أنّ السّبب الّذي جعل المملكة المصرية ترحّب بهذه القبائل السّامية – كالإسرائيليين و غيرهم – هو أنّ البلد كان محكوماً ببعض القبائل السامية الغريبة عن سكّان مصر الفرعونية و كانوا يُسَمَّوْن بالهكسوس Hyksos. رغمَ أن الأقباط الفراعنة قلّما سمحوا لبلدهم أن يقع فريسة للغرباء إلاّ أن الهكسوس كانوا قد استطاعوا اختراق المملكة – و إن بشكلٍ تدريجي – و انتزعوا الحكم من الفراعنة. في سنة 1560 قام المصريون بثورة عارمة تمكّنت من طرد الهكسوس و استعادة الحكم و تأسيس العائلة ال18. هذه العائلة الحاكمة تضمنت بعض أشهر الشخصيات في التاريخ الفرعوني القديم كالملكة القوية حتشبسوت و الفرعون تحتموس الثالث و آمونحوتب الرّابع. آمونحوتب تميّز عن جميع ملوك مصر القدماء لأنه و بعد فترة قصيرة من بدء حكمه فقد قامَ بعملٍ أغضب جميع الكهنة و الطبقة الدّينية عبر إعلانه تأسيس دينٍ جديد و غيّرَ اسمه من آمونحوتب الرّابع إلى إخناتون "الفعّال للإله آتون" ، وقد حكم من 1364 إلى 1347 قبل الميلاد داعياً الجميع إلى تدمير أصنامهم – حيث كان الإله آمون و صنمه يُعتَبر كبير الآلهة – و أن يتّجهوا لعبادة آتون أو الشمس الّتي اعتبرها تجسيداً لإلهٍ واحد مع الإعتراف بآلهة غيره كتابعين للإله الحي Henotheism. جدير بالذكر أنّ آمون رع كانَ أيضا إلهاً متّصلاً بتقديس الشّمس ، كغالبية أديان الحضارات القديمة.
أما عن عقيدة التوحيد – رغم حكمها لفترة قصيرة في مصر– إلا أنها أزيحت من الحُكم حيث قام إبن أخناتون ، المدعو توت عنخآتون بتغيير اسمه إلى توت عنخآمون و العودة للدين القديم ، إلاّ أنّ فكرة عبادة إله واحد لرُبّما ساهمت في خلق عقيدة التوحيد الموسوية – موسى مؤسس الدّيانة الإسرائيلية-اليهودية – و لاحقاً الإسلام ، رغمَ أنّنا لا نملك أي دليل تاريخي على وجود موسى و لا دليل على قِصّة خروجه مع الإسرائيليين من مصر. يعتمد الباحثون و علماء الآثار على خرائب و بقايا عاصمة أخناتون و التي كانت تُسمى أخيتاتون و الّتي تقع في منطقة تسمّى "تل العمارنة" و آخيتاتون تعني "أفق الشمس" و قد جعلها أخناتون عاصمة حكمه و دينه الجديد. بحلول سنة 1306 قبل الميلاد و عند قيام رعمسيس الأول بتأسيس الأسرة ال19 كان عهد أخناتون و دينه التوحيدي قد أصبحوا في طي النسيان. و في عهد رعمسيس الثاني 1290 – 1224 ق م بلغت مصر الفرعونية إوج قوتها العسكرية و الاقتصادية و الهندسية. رغم أن كثيراً من المؤرخين يعتقدون أن رعمسيس الثاني المختال و المغرور كان هو فرعون الخروج الّذي ينتهي مصيره بالغرق – كما هو مذكور في التوراة و القرآن – لكن الأدلة التاريخية و مومياء الفرعون المحنطة لا تشير بتاتاً إلى موته غرقاً. رعمسيس الثاني كتب لنفسه تاريخاً مليئا بالانتصارات ، و حتى هزائمه حولها إلى انتصارات مجيدة على الجدران و هروب عددٍ صغير من العبيد العبرانيين – الإسرائيليين – إن كان حصل فعلا لم يكن ليستحق الذّكر من قِبل كتّاب الفرعون. أقدم نصٍّ مكتوبٍ يذكر اسم إسرائيل هو نقش يصف انتصاراً للفرعون مرنپتاح 1212 – 1202 ق م ابن و خليفة رعمسيس الثاني و الذي يخبرنا فيه أن شعبَ إسرائيل هذا قائمُ في مملكة خاصة به و أنّه قَد دمّر ذريتهم.
تشابهات بين الثقافتين الفرعونية و الإسرائيلية
من مميزات التشابه بين الإسرائيليين القدماء و الفراعنة هو تشابه اسم موسى و خلفاءه من كهنة المعبد الإسرائيليين مع اسماء ملوك فراعنة ، حيث أن اسم موسى مشتق من الفعل "مسو" الفرعوني الّذي يعني مولود أو إبن كما في الإسم ميسو الّذي نجده واضحاً في اسماء فراعنةٍ ك"أحموس" و "تحتموس". كثيرٌ من الباحثين يعتقد أن مفهوم "مئآت Ma’at" و الّذي جسّده الفراعنة على هيئة إمرأة ذات جناحين و كانت توحي بمفهوم العدالة و التلاؤم و السلام ، قد أثّر هذا المفهوم الفرعوني في المفهوم الإسرائيلي اليهودي عن فكرة العدل الإلهي و الّذي وجد لنفسه طريقاً إلى الإسلام أيضاً. كذلك يوجد تشابه بين الشعبين في طريقة وضعهم الآلهة في بيوت العبادة حيث كان المصريون يضعون تماثيل الآلهة المرئية الّتي تمثّل آلهةً غير مرئية في حجرات دون نوافذ ، حيث اعتقدوا أنّ إخفاء الآلهة عن الأبصار و وضعها في أماكن سرّية بعيداً عن الأعين كان يعطي هذه التماثيل قوة سحرية. كان يمكن للكهنة و للملوك وحدهم أن يمتلكوا حق دخول حَرَم الإله و تقديم القرابين لها حيث نجد الملك سليمان ، حسب التوراة ، يبني معبداً ليهوه و أنّه لم يكن يُسْمَح لأحد ، غير الملك و الكهنة ، بالدخول الحّرَم حيث عظمة الإله مستوطنة. و رغم أن كتبَ التوراة تخبرنا عن أن الملك سليمان بن الملك داوود اتخذ إبنة فرعون زوجة له و نصّبَ أماكِنَ عبادة لآلهةٍ عبدتها زوجاته الكثيرات كما يخبرنا سفر الملوك الأول الفصول 9 و 11 و 18 غيرَ أن الاحتمال الأكثر منطقيةً هو أنّه لم يحظى بشرف مصاهرة الفرعون لأن ملوكاً أقوى منه ، كالحيثيين مثلا ، لم يستطيعوا نيل هذه المصاهرة حيثٌ كان ملوك الفراعنة يتزوجون نساءاً أجنبيات ، بناتِ ملوك و أباطرة ، لكن مصر لم ترسل يوماً بنات الفراعنة للأجانب. لكن الشعيرة الأكثر أهمية الّتي كانت شعاراً يهودياً ثم أصبحت لاحقاً رمزاً إسلامياً و اقْتُبِسَت أصلاً من الفراعنة فكانت خِتان الذكور و يخبرنا أبو التاريخ هيرودوت ( The Histories, Book 2, 37.) المؤرخ اليوناني (484 – 425 ق م) أنّ المصريين يميزون أنفسهم بالختان و أنّ شعوباً أخرى تعلّمت هذه العادة من المصريين بينما بقيت شعوبٌ أخرى تثق بخلق الطبيعة رافضة للختان. و الإسرائيليون منذ القديم و إلى اليوم يجرون عملية ختان للصبيان عندما يبلغون 8 أيام من العمر. هذه الشعيرة الأساسية في اليهودية تسمّى في الإسلام "سُنّة" بمعنى أن المسلم مخيّر في الختان و لكن المجتمع المسلم يتعامل معها بجدية و كأنها فرض و واجب كاليهودية.
الممالك الشرقية و شعب إسرائيل
عندما ظهر الإسرائيليون في التاريخ القديم وجدوا أنفسهم بين منطقتين تنازعتا السيطرة على الهلال الخصيب و المنطقة شمال شرقي شبه جزيرة سيناء. بلاد الرافدين و فراعنة وادي النيل كانوا أقوياء باستمرار فيسعون إلى غزو المنطقة و ضمّها بين حينٍ و آخر و هو الأمر الذي جعل المملكة الإسرائيلية تميل إلى الانعزال و اتخاذ سياسة تتحاشى التوسّع. هذه الجغرافية جعلت الشعب الإسرائيلي و اليهودي لاحقاً يتمسّك بعقيدة ترى أن كلّ ما نزل بالشعب الإسرائيلي من هزائم و كوارث لم يكن سوى عقاباً إلهيا و هذه النظرية الدّينية أثّرَت لاحقاً في المسيحية و الإسلام. تاريخ مملكة إسرائيل ، خصوصا فترة حكم شاؤول و داوود و سليمان ، لا يزال يُنْظَر إليها على أنّها تاريخ أسطوري غير موثّق من مصادر غير الكتاب المقدّس العبري الّذي يخبرنا أنّ إسرائيل كانت مملكةً مستقلة لفترة قصيرة في عهد شاؤول و داوود و سليمان بين القرنين ال11 و ال9 قبل الميلاد في فترة ضعف الإمبراطوريات الرافدينية و وادي النيل لكن بعد وفاة سليمان انقسمت المملكة إلى مملكتي إسرائيل في الشمال و مملكة يهوذا في الجنوب و عاصِمتها أورشليم أو مدينة السلام الّتي يسميها المسلمون بالقدس اليوم. الأرض التي وعد الله بها اليهود كانت مستقلة فقط عندما كانت إمبراطورية الشرق و وادي النيل ضعيفة و لكن ما إن جاء القرن الثامن حتى توسّع الآشوريون و البابليون من بلاد الرافدين ، ونجح الآشوريون في غزو مصر ، و في فترة أخرى جاء الميديون-الفرس و من ثم الإغريق و أخيراً الرومانيون. لولا هذه الجغرافية لكان تاريخ إسرائيل مختلفاً و لكانت الأديان الإبراهيمية مختلفة أيضاً.
المنطقة المعروفة اليوم بإسرائيل و فلسطين – أرض كنعان كما سمّاها القدماء - هي المنطقة الجغرافية الّتي ساهمت في خلق اليهودية و المسيحية و الإسلام طولها يبلغ 150 ميلاً و عرضها 70 ميلاً. قد يستغرب البعض فيقول أنّ الإسلام قد نشأ في الجزيرة العربية – منطقة الحجاز تحديداً – و أنّ الإسلام لا علاقة له بأرض كنعان. الجواب هنا هو أنّني كمؤرّخ متّبع لخط نشوء الإسلام بشكل علمي لا أستطيع أن أفسّر الظاهرة الدّينية بمعزلٍ عن تلك الأسباب الاجتماعية و البيئية و الاقتصادية و الجيوسياسية. فنحن نعرف أن القرآن يردّد نفس القصص التوراتية و المسيحية مع إضافة أسماء بضعة أنبياء عرب كما يوردها القرآن و نحن نعرف أيضاً أن نبي الإسلام التقى بأحبار و رجال دين مسيحيين و أن مجرّد زعم المسلمين أن محمد لم يكن يعرف القراءة ليس بالمقنع كفاية لأن المعرفة بالسماع هو واردٌ جدّاً. ما نستطيع قوله أيضاً عن أصول العبريين و العرب ، خصوصا سكّان كنعان القديمة ، هو أنّ الشعبين يشتركان في أصلٍ واحد و اللغة متشابهة بينهما إلى حدّ التطابق.
شارك الفيديو و اعمل لايك و اشترك في القناة إلى لقاء و إليكم المصادر:
Arnold, Bill. Who Were the Babylonians? (Archaeology and
Biblical Studies). Boston: Brill Academic Pub., 2005.
Baines, J., and Malek, J. Atlas of Ancient Egypt. New York:
Facts on File, 1980.
Coogan, Michael D. The Oxford History of the Biblical World.
New York: Oxford University Press, 1998. Provides
archaeological and historical background for each period
of Israelite development, from the patriarchal age to the
Greco-Roman epoch.
Dalley, Stephanie. Myths from Mesopotamia: Creation, the
Flood, Gilgamesh, and Others. New York: Oxford University
Press, 1989.
Foster, Benjamin R. From Distant Days: Myths, Tales, and Poetry
of Ancient Mesopotamia. Bethesda, Md.: CDL Press,
1995.
Foster, John L. Hymns, Prayers, and Songs: An Anthology of
Ancient Egyptian Lyric Poetry. Atlanta: Scholars Press,
1995.
Gordon, Cyrus, and Rendsburg, Gary A. The Bible and the
Ancient Near East, 4th ed. New York: Norton, 1997.
Gray, John. Near Eastern Mythology. New York: Peter Bedrick
Books, 1982.
Hallo, William W., and Younger, K. L., ed., 3 vols, The Context
of -script-ure. Leiden, The Netherlands: Brill, 1997–2003.
Examines ancient Near Eastern literature to highlight
biblical parallels.
Harris, Roberta L. The World of the Bible. London: Thames &
Hudson, 1995. An illustrated survey of biblical history
and archaeology.
Hobson, Christine. The World of the Pharaohs: A Complete
Guide to Ancient Egypt. New York: Thames & Hudson,
1987.
Jacobson, Thorkild. The Treasures of Darkness: A History of
Mesopotamian Religion. New Haven, Conn.: Yale University
Press, 1976.
Kramer, Samuel N. Cradle of Civilization. New York: Time-
Life Books, 1967.
Kark, Ruth. The Land that Became Israel: Studies in Historical
Geography. Translated by Michael Gordon. New Haven,
Conn.: Yale University Press, 1990. An informative
study.
Pritchard, James B. The Atlas of the Bible. San Francisco:
Harper San Francisco, 1997. A lavishly illustrated guide
to the archaeology and historical geography of Canaan
and other biblical lands.
Rainey, Anson F., and Notley R. Steven, The Sacred Bridge:
Carta’s Atlas of the Biblical World. Jerusalem: Carta, 2005.
Offers excellent historical discussions, with detailed
maps.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول