زمن القناع.

عبد الغني سهاد
2020 / 11 / 15

زمن القناع...
يسيطر الضباب على كل شيء بلا رحمة وترتفع درجة حرارة الاشاعات بشكل ممل..والناس تركض تحت صدمة صفارات الانذار التي لا تتوقف..تو..تو..اووو...اووو..كما لو كان يمكنهم الهروب من الموت..يمكنك مشاهدة بقايا اسمال الكمامات من مختلف الاشكال وهي ذائبة تحت اشعة الشمس الخارقة وفوق الاسمنت هنا وهناك. والسماء الزرقاء والارض المتحجرة والناس حيارى يحاولون الفرار من اشباح تطاردها وهي تترنح من شدة الخوف من المرض والقلق والجوع...هنا على هذه الارض الواسعة تتعفن الاشياء..وتتلاشى العلاقات الاجتماعية وينهار الاقتصاد وتنتشر روائح الموت بطعم الادوية والعقاقير الجديدة..بسرعة اسرع من كذب القنوات الرسمية وزيف الخطابات التي تنمق الفواجع والاعطاب..ما الذي افعله هنا بحق هذا الجحيم…!..
امامي بائع الكمامات يهرول وراء الناس وهي هاربة في كل منعطف..وطنين الذباب وقطعان الكلاب الجرباء تجوب بحرية الطرقات وهي اقرب للماعز المحلوقة فروتها ..بل قطيع ماعز مستنسخ من جينات كلاب مستوردة من وراء البحر..الامراض والسرطانات والفيروسات المصطنعة حولت الناس الى قطعان منسجمة في اسلوب عيشها وتفكيرها الجميع يهرول عند كل اشارة او علامة او نذير..يفزعون من كل صوت او نفير..يسيرون في صمت رهيب في جنازات الاحياء الاموات..
والطرق تزدحم بسيارات الاسعاف ونقل الاموات…
سيارات تسير الى حيث لا يعلم الجميع…
تسير زاعقة..بسرعة فائقة..
ما الذي نفعله هنا بحق في هذا الجحيم…!
لو حصد هذا الموت في ومضة كل الاحياء دفعة واحدة .لماذا يجتاحنا على دفعات وامواج متتابعة .ليدب الهلع والقلق في ارواحنا وتتوالى التقديرات الرسمية للضحايا كل يوم..كاذبة كانت ام صادقة ..بالمئات ..بالالاف..بالملايين..ولن تشبع لا الاحصاءات ولا الارض بابتلاع الجثت الى حين تعود القطيع على الفناء بالتدريج..ولن تصمت الاهات ولا الانين ولن ينقطع النواح..الا حين تنقضي مناعة القطيع..وتنقرض البشرية .هل هو وجه الراسمالية الحقيقي..ان كان هو ..امر فظيع..
تسير الاحداث في منزلق البشاعة الى حيث لا يعلم الجميع..
هل هي حرب جرثومية داخل الانسانية التي فقدت اي معنى لها في مضمار السعي وراء كسب المعرفة والمال والسطوةعلى الطبيعة ..هل امسى الانسان خواء لا فائدة فيه ..وغير مرغوب فيه..هل يؤسس في هذه اللحظة ولادة الانسان الماجد القوي اثر فناء القطيع..هل سيستبدلون ذكاؤنا الفطري بذكاء اصطناعي منيع..من كل وباء قادم في المستقبل القريب…؟..
ما الذي افعله هنا بحق الجحيم...؟
في الليل بينما اتقلب في الفراش صاحيا تطاردني افكارا رهيبة وتخيلات مرضية مؤلمة كاني اقف على باب مشفى عظيم في المدينة اراقب سكون الجثت وتعفنها على الاسرة البيضاء مكومة في لحافات بقماش ابموت ينزف منه الدم..اشعر كاني اسرق الحياة في مكان الموت ولا اجد شيئا..الذي تحول فجأة الى مستودع كبير للموتى ..في كل جهة منه تتراكن اجهزة التنفس الاصطناعي المعكلة ..تتخرك فيه جثت الية تشبه الزومبي في احجام مختلفة..اصواتها دقيقة لا تتعدى ..بيب..بيب..بيب.كاني والالة والموت في سباق على سرقة الحياة..وارجاعها الى الموتى..اسلك الاجنحة كلها ..تخاصرني لوحات بالاحمر ..في كل ركن ومنعطف..وعلى واجهات الاسرة..كوفيد 19..ابتعد..وما يعذبني اكثر من صوت الزومبيات صوت الجثت المتروكة هنا وهناك..كان التفكير فيما يحدث داخل العلب الجوفاء ..يصيب المرء بالقيء وابغثيان..وكل مايصرح به على الشاشات الفسيحة المعلقة على الحدران كان كالابر الدقيقة تخز الاذان..ابق في دارك..حافظ على التباعد..الاجتماعي..وكن على يقين ان كل شيء سيكون على مايرام ؟..
والامهات والاطفال يذبلن سريعا في قاعات الانتظار وعلى الابواب الرئيسية..من ظغط القلق وكره البقاء على قيد الحياة..ما ينقص تلك الجثت سوى الروح والنفس التي اختنقت في الصدور...قبل ان اعرف ان الناس كانوا يموتون في المشفيات..بسرعة..كنت اتصورهم يختفون فقط..في جهات مجهولة او يهجرون منازلهم ويتبخرون ويتركون الاهل والاقارب في حيرة شاملة..وهم ينظرون الى اسرتهم الخالية..
لا يمكن رؤيتهم ولا حتى تسليم جثتهم او دفنهك ..بكل احترام..لينتهي الامر في الواقع الى الاعتقاد انهم احياء..هناك عند خالقهم يرزقون..
في الشوارع تحول الناس الى زومبي باقنعة ملونة ..جثت من الاحياء الاموات..يهرولون في كل اتجاه..الانسان الزومبي الجديد..اعتقد ذلك جيدا ..في غرف المشفى ..وفي المشرحة ومستودع الاموات..هذا..وفي الحدائق المجاورة..وفي مراكز الشرطة..ومكاتب الاسعاف المدني..تزدحم الوجوه المكممة..عن اخرها..الحقيقة ان الموتى يحتاجون الى موت حقيقي..ليس افتراضي..يحتاجون الى ثابوت..وجنازة مشرفة بحسب الطقوس والعادات الدينية..ودفن مقدس ودعوات..قبل ان يثم قذف اخر حفنة تراب على قبورهم..
ماذا افعل هناك بحق الجحيم...؟
ان الافكار التي تاتيك من وراء كمامة كيفما كانت قيمتها..تكون دائما مريضة ورهيبة.. كانذار كاذب بالخيبة والعدم..افكارك سوداء تتمرغ في عطور الموت..!
كلما رايت القناع..يجوب الطرقات تخيلت الحوار بينه وبين الزبناء..وتصورت ردود فعل البعض منا..انه يتاجر في الوباء..بكل ما له علاقة بالاختناق والموت..
الا يخجل من نفسه...؟ كان عليه ان يقدم الكمامات بلا مقابل..مساعدة منه على البقاء على قيد الحياة...وووو
لكنه لايابه لما يقال عنه وعن حرفته الجديدة..هذا الكلام وردات الفعل ستكون مفيدة لو وجهت للمنتج الكبير ..ارباب الشركات الكبرى المدعمة ماليا من الدولة الفاعلة..والسائدة..اما هو فلا يسعى الا للقمة عيش بفضل ظرف الوباء..وكانت حجته في ذهنه قوية …
بينما كان يفكر في امر هذه المهنة المقيتة..في رايه وفي راي الناس..وهو يقفز من زبون الى اخر..بدون طائلة..
انفلت مقود سيارة اسعاف..وصدمت القناع وطرحته ارضا..تشتتا الاقنعة على الاسفلت..وقال السائق الثمل منفجرا في الضحك..
-اللعنة..يجب التخلص من كل شيء في سلة المهملات..!
وقدف بالقماش الابيض على جثة القناع..وبسرعة حرر المحضر الرسمي للحادثة..وتوقفت صفارات الانذار..وسمع صوت غير بعيد سقول..
من كان منكم بلا خطيية..فليرمني بحجر...؟
ازدحم قطيع الزومبي المبهور بعض الوقت في المكان ..وظلت الفيروسات تقرع ابواب البيوت المشؤومة قبل ان تهرب الناس..
هل من احد هنا..صوت صاح...؟
ولا احد كان ليجيب...؟

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي