القيثارة السومرية

حمودي عبد محسن
2020 / 11 / 14

فصل من رواية الراية البيضاء (الدرفش) في قيد االكتابة
عنوان الفصل: القيثارة السومرية

أطبق مندا جفنيه، ونام في حلم ليس مثل رؤية في يقظة بل سقط وهوى في قريته منداي التي هي ينبوعه الأصلي، وتواصله الذي لا ينعدم، فقريته قد كانت وهو الآن كائن فيها لأنها في حلمه، لأنه هو منها، ولأن نشأته فيها كما أن زمنها المنقضي لا يفنى. الآن هو يراها في منامه تضيء بضوئها وتشرق بضوء حقيقي مميز يختلف عن حاضر وجوده بالرغم أن لا أحد يعرف عدد السنين المفترضة لماضيها لأنها موغلة في القدم. الآن هي ظهور وإثارة منبعثة لدى الحالم النائم مندا الذي هو منها، الذي هو هو من ماضيها البعيد حيث ذلك كان من ذي قبل، حيث هو كان موجودا فيه لكن هو هو الآن في وجوده الحاضر يحلم بها في منامه، فهو كان ماضيا وحاضرا معا. أذن قريته منداي التي انقضت في الزمن الماضي لا يعني ذلك أنها في اللاوجود. أنها تقرن حلمه الحاضر بالماضي. وهذا الحضور الذي تولد بقوة كي ينفي وجوده في هذا الكون المتداعي الجامد لحاضره، فهذا الحالم مندا كانت تتشكل في عقله صورا متداخلة من قريته التي ترعرع فيها، لذلك كان حلمه عودة شخصية لأناه الهاربة كي تختفي في كينونة شخصيته القديمة من حيز زمانه ومكانه الحاضرين إلى فردوسه المفقود الذي تلمسه وتذوقه وشم عطره، فهو الحالم النائم بعقله وجسده وإحساسه قد انتقل إلى عالم آخر. أنه هو المتمسك بعادات وتقاليد وأخلاق ذاك الزمان، وليس ما كان الخيال يبتكره له، وهذا لا يفهمه أحد إلا هذا الحالم الذي في حلمه كان يستنير في تهذيب العقل، واصطفاء القلب وتوقه إلى فضيلة وسعادة وجمال الحياة، لذلك كان هذا الحالم مندا رغم تعبه وحاجته الشديدة للنوم يحلم كشخص في عالمه الذي ما زال جزءا منه. فجأة أحس في نفس اللحظة أن ضوءا يحيط به، وأن ذراعين شعشعانين ترفعانه إلى أعلى من منامه، وتحمله خارج وجوده الآني الذي يحيط به الظلام، وتقودانه بصمت تام خارج طور عمره الكوني الحاضر المحاط أيضا بالغم والكدر كأنه أيضا حالما في حلم لأنه صار جزءا من هذا الضوء العجيب الاستثنائي الذي ساح على كامل جسده، واستولى عليه عائدا به إلى عصر طفولته، فأصابته رعشة ناعمة، وافترشت على وجهه الذاهل نظرة اندهاش، وكذلك ارتسمت على وجهه ابتسامة عذبة، فتثبت عقله ونظره في قريته بعد أن طوت ذاكرته في تناهي القرية أشبه بصورة على هذه الأرض التي رائحتها طيبة وألوانها زاهية ومنظرها حسن لطيف، ونسيمها عذب. هذا رجوع وعودة وعبور زمان، وتمثل وتجسد في شيء محبوب لنفسه كأنه ظله على الأرض، وهذا ليس تبدلا من أرض إلى أرض لأن الأرض نفسها في كل زمان، فهو فوق الأرض أشبه بنصفين من ماض وحاضر، ومن ذاته الذات الآنية في عالم مبطل مضل، وظل ذاته الذات الذي غالبا ما يثبت عقله في قريته منداي. هكذا وجد نفسه في قريته الغائبة منداي التي سكنها المندائي منذ أقدم العصور وعيناه تحدقان في تبطح المياه في محيط أرضها.
أجل، هذه قرية منداي التي تشبه مملكة فاتنة في روعتها حيث كان ضوء قرص الشمس البرتقالي المعلق في السماء يتلوى بين سعف النخيل وأوراق الأشجار وغصونها، ويتموج فوق نهر الفرات والأهوار، ليداعب القصب والبردي وزهور الماء ثم يتسلل إلى الأكواخ المشيدة من قصب وبردي وطين بينما كانت أنسام شمالية منعشة التي تسمى (ايرا زيوا) تهدهد ذرا الأشجار وتهز الأوراق التي ما تلبث تطلق حفيفها متناغمة مع تغاريد الطيور وهي على الأشجار كما الديكة كانت تصيح والأبقار تخور. أجل، أصوات تهفو وتتداخل موقظة النائمين في أكواخهم مثلما ترفرف فراشات بألوان جذابة فوق تيجان زهور تعوم في المياه أو تغطي سطح المياه، ومثلما تنقنق الضفادع والحشرات على حافات المياه، فنهضن النسوة الجميلات الرشيقات الممشوقات في الطول اللواتي ضفرن شعرهن على هيئة جدائل لتضفي سمة الجمال المتناظر مع تلك الابتسامة المدهشة المفروشة بإطلالة بهجة على وجوهن بينما بعضهن كن بشعر أحمر يتسلل على أكتافهن بضفائر سوداء تتهدهد على ظهورهن أو بتسريحات تتهدل إلى أسفل وقد شدت بشرائط بيضاء أو ملفوفة بمناديل، وبعضهن غطن رؤوسهن بمناديل شفافة، وقد كحلن الأهداب والحواجب بكحل أسود، وهناك أخريات قد صبغن باطن أياديهن بالحناء، ورسمن الوشم على اليد أو على حاجب الوجه أو على الخد المتورد وكذلك الكواحل والأقدام، إذ الوشم له رموز تتعلق بحب الحياة والخير والفأل الجيد أو زهور ترفرف عليها فراشة ربيعية، وهن يرتدين ثيابا لامعة فضفاضة مخططة بهيجة تمتد إلى أقدامهن بينما لا تخلو أعناقهن من قلائد فضية أو معاصمهن من أسوار أو خواتم وأنوفهن من الخزامى بعضها مطعمة بأحجار كريمة.
كان كل شيء في الصباح بهيج وقد دبت حركة نشطة مثابرة في القرية سيما وإن أمه نهضت مبكرة لتعد الفطور للعائلة، وراحت تعد العجين من خلط دقيق الرز بالماء والملح وتركته جانبا في فناء البيت الخارجي المكشوف المطل على نهر الفرات، والذي تنتشر فيه ثلاثة أشجار نخيل فارعة وشجرة سدر، ومحاط بسور من حزم سيقان القصب وحصران سعف النخيل، وله باب خشبي باتجاه شروق الشمس مثلما للبيت باب يتسرب عبره شعاع الشمس، وتتسرب منه أنسام الصباح والمساء المنعشة.
وضعت الصاج المعدني الذي يشبه القرص فوق مناصب طينية، وأوقدت النار في أقراص من روث الأبقار المجفف الذي على شكل قرص والذي يسمى (مطال) تحته منتظرة احتراقها واكتمال توهجها وتحولها إلى جمر لا دخان فيه. ثم فيما بعد أن أصبح القرص المعدني ساخنا سكبت جزءا من العجين السائل على القرص المعدني، فساح العجين عليه، وبدأت في تسويته بانتظام ليكون الخبز أقراصا خفيفة ورقيقة السمك الذي يسمى الساح. هذا، وقد احمر وجهها الناعم من حرارة النار وتصبب وجهها عرقا، فراحت تمسحه مرة بعد أخرى بردن ثوبها، ثم ما لبثت أن حلت الشال عن رأسها وبسطته حول عنقها. فجأة لاحظت مندا الذي لم يبلغ آنذاك ثمانية أعوام بوجهه البريء يقف قربها، وهو يقول بصوت وديع:
ـ ماما، أنا جوعان.
فطلبت منه أن يحمل خبز الساح الحار الطري إلى داخل البيت، وستأتي هي باللبن المخثر (القيمر) وإبريق الشاي. هكذا حمل مندا الخبز بصينية، وحين دخل البيت، وجد والده ما زال يغط في نوم عميق، فوضع الصينية فوق أرضية البيت التي كانت مفروشة بحصير من سعف النخيل، وراح يهز والده من كتفه ويكرر:
ـ بابا، انهض!
نهض والده ببنيته المتينة وعضلاته القوية وقوامه الممشوق وغسل يديه ووجهه ومسد براحة يده لحيته السوداء الطويلة، وشعر رأسه المسترسل إلى كتفيه، وجلس القرفصاء لا سيما وقد عادت الأم بصينية تحتوي على اللبن المخثر (القيمر) في إناء وإبريق وأقداح الشاي وهي تجلس وتصب الشاي في الأقداح الصغيرة. بدأ الوالد بقطع رغيف خبز إلى قطع صغيرة، و راح يغمسها في اللبن المخثر، ويرتشف معها الشاي بينما كان مندا ببراءة طفولته مطأطأ الرأس، فانتبه إليه والده، وقال بصوت وديع:
ـ لماذا لا تأكل؟
لم يرد على سؤال والده، وبدأ بالأكل. لم تمض لحظا وإذا بمندا يتوقف عن الأكل، وتدحرجت دموع على خديه. استغرب الوالد، وهو يتابع بنظراته الثاقبة الجذابة دموع مندا المنسابة على وجنتيه التي تثير الشفقة والعطف. فجأة تدخلت الأم بعد صمت عميق لبرهة قصيرة، وقالت بحنان مخاطبة الزوج:
ـ أنت وعدته أن تجلب له القيثارة السومرية، ولم تف بوعدك.
ارتشفت ابتسامة وديعة على شفتي الوالد، ونظر نظرة حانية ودودة إلى مندا، وقال بصوت خافت:
ـ الآن سنذهب إلى الهور ونجلب القيثارة السومرية.
نهض مندا فرحا، واندفع خارجا من بيته راكضا حافيا إلى المشحوف (البلم) الذي تخصص والده بصناعته، وقد توارث هذه الحرفة التي تحتاج إلى براعة ومهارة عن أجداده حيث امتهنوها منذ عصور موغلة في القدم. أحس مندا بنشوة عذبة عظيمة حين جلس في المشحوف منتظرا والده بينما كانت القرية قد بدأت صباحا عذريا بإشراقه وتألقه حيث فتحت ورشات الأعمال اليدوية الصغيرة، وتعالت أصوات مطرقة حداد التي راحت تصم الأذان ليصنع أدوات الاتناج الزراعية، وليس بعيدا عن هذا الضجيج بدأ صائغ بصناعة الحلي من الفضة بكفاءة قدرته الفنية الفائقة، ويضع نقوشا عليها، ويطعمها بأحجار كريمة، وفي نفس الوقت تداخلت أصوات الناس وخوار البقر، وتلاشى الدخان من مواقد الطهي، فقد انكب الرجال والنساء بنشاط وحيوية في هذا الصباح المشرق، ليكون كل شيء متناغما مع صفاء الروح في يوم جديد.
في تلك اللحظة نهض والد مندا، وهو يردد بصوت خافت:
ـ ستكون رحلة طويلة في الأهوار.
فها هو الوالد يتذكر قصة القيثارة السومرية التي أبهرت مندا وتعلق بها، وتعلق بلغز هذه القيثارة التي لم تفارقه حتى في أحلام الليل، فذات ليلة نهض مرتعبا وهو يردد:
ـ القيثارة السومرية.
وقد حاول أن يبعده عن التفكير بها إلا أنه لم يفلح أبدا، وما حدث اليوم هو دليل على إصرار مندا أن يحصل عليها، ومفاد قصة القيثارة السومرية هو أن حمدان صياد الخنازير والطيور والأسماك الماهر ابن الأهوار قد عرف بمغامراته الجريئة، وتوقه للبحث والاكتشاف عن أسرار الأهوار، فذات يوم قرر أن يبحث ‘ن أشياء غامضة وغريبة في جزيرة جلجامش الراقدة في المياه والتي أشيع عنها أن جلجامش مدفونا فيها، وقد ذهب البعض بخياله أن تعويذة الخلود مدفونة مع جلجامش في قبره، لذلك فالجزيرة موطن الجن والعفاريت والأشباح كي تحمي هذا السر المدفون فيها، لهذا كان عرب الأهوار يوصفون الجزيرة بأنها ملعونة ومغضوبا عليها، فكل من يطأها قدم إنسان تنبثق تحت قدمه زمجرة مرعبة وتهتز الأرض ثم تخرج أفاعي سامة لتنهال عليه. هكذا انتشرت الأساطير والحكايات حول الجزيرة التي صارت مخيفة في أذهان الناس عبر قرون.
هكذا قاد حمدان مشحوفه في عمق الأهوار تارة مستخدما المجدافين، وتارة أخري مستخدما المردي الذي هو عبارة عن عصا طويلة قوية من القصب، وبعد رحلة طويلة شاقة أرسى مشحوفه على جرف الجزيرة ودخلها باحثا عن أشياء غير محددة. فجأة رأى شجرة صفصاف ضخمة، وقد حطت عليها طيور بيضاء الحجم لم ير مثلها سابقا، وهو العارف بأنواع طيور الأهوار، فهي لا تشبه لقالق أو حمائم أو صقور، أنها فريدة من نوعها ثم لاحظ أن مجموعة منها كانت تنقب في الأرض، وتفتش بمناقيرها الطويلة المنحنية. وقف حمدان حائرا قلقا، وهو يحاول أن يفهم هذا المنظر العجيب الغريب، وكذلك كان يريد أن يحافظ على رباطة جأشه دون أن يفزع أو يراجع إلى الوراء لكن أثار انتباهه أيضا هو أن الطيور في الأرض شكلت حلقة حول شيئا ما في الأرض. هذا أثار استغرابه مما جعله يتقدم ببطء وهدوء، وحين اقترب من منها راحت تطلق أصواتا عالية ثم طارت مبتعدة عنه وحلقت إلى أعلى وهي توقوق خالقة ضجيجا في الفضاء، وهو يتابع تحليقها وابتعادها بسرعة. في لحظة عجيبة غريبة شاهد رأس ثور خشبي بارزا من الأرض مما حدا به أن يحفر في الأرض ويخرج القيثارة السومرية.هكذا عثر على القيثارة السومرية التي كانت بحالة جيدة رغم التشويه التي أصابها بسبب مكوثها لعصور سحيقة تحت الأرض، ثم فيما بعد عودته جلبها إلى والد مندا الماهر البارع في صناعة المشحوف فعالجها، وأعاد إليها الأوتار ورونق رأس الثور الذي ينتصب في مقدمة الصندوق الصوتي، فصارت في جودة شكلها القديم، وحين داعب أوتارها كانت تطلق صوتا متميزا في عذوبته، و أوغلوا الناس في وصف رنينها، فراحت الأحاديث تدور حولها، فهذا كان يقول أنها القيثارة الذهبية، وذاك يقول أنها تلك القيثارة التي عزف عليها أثناء زواج الإله ديموزي من الإلهة انانا في المعبد القدسي الإلهي.
ظهر والد مندا بهيبته ودشداشته البيضاء الطويلة، وهو يلف رأسه بكوفية (الشماغ) حمراء التي في الأصل هي كلمة سومرية (أش ماخ) وتعني غطاء الرأس، فبسها ابن الأهوار بعد أن طرزها بشبكة صيد وأمواج ماء، وقد انتعل نعالا بأسوار من جلد الجاموس، وهو يمشي ببطء في حين راحت تجول في ذهنه فكرة الحصول على القيثارة السومرية من حمدان. ها هو توصل إلى حل منشود أنه سوف يقايض حمدان بالمشحوف الذي صنعه له دون أن يسدد تكلفته لحد الآن، ووجدها فكرة مناسبة للحصول على القيثارة السومرية، فراح يدفع المشحوف الطويل شبه المستقيم الذي ترتفع مؤخرته ومقدمته قليلا، ثم بحركة رشيقة قفز إليه في نفس الوقت. وقف في مؤخرة المشحوف وعقد طرف دشداشته الأمامية إلى حزامه، ثم سحب المردي من المشحوف ومسكه من طرفه العلوي المطلي بالقار كي يسهل ذلك تحريك قبضته صعودا ونزولا على المردي. حينئذ قام بحركة أنيقة بغرس المردي في قاع النهر، ودفع المشحوف بدقة إلى الأمام، فاندفع المشحوف وتمايل بخفة وراح يطفو باتزان على المياه، وهو يسحب المردي برشاقة محاذيا حافة المشحوف إذ كاد يلامسها. بعدئذ عاود مد يده على طول المردي، وغطس طرفه الأسفل في القعر، وهكذا تجاوز المياه الضحلة التي غالبا ما يستخدم فيها المردي، واتجه المشحوف إلى المياه العميقة من النهر، فوضع المردي في قعر المشحوف وجلس في وسطه وراح يستخدم المجذافين، ويقود المشحوف بهدوء في وسط النهر مع جريان المياه بينما جلس مندا القرفصاء في مقدمة المشحوف وهو يراقب بدقة ما يفعله والده. كان المشحوف يطفو، وينساب بإيقاع رقيق على المياه الفضية بينما كان مندا يتأمل المدى الأخضر على جانبي النهر المأهول ببساتين النخيل التي تتمايل تيجانها من السعف مع أنسام الصباح، فكان المدى يمتد تارة ويضيق تارة ثم يتلوى وينفتح منبسطا مع امتداد عينيه، فصار كل شيء عنده رائعا يجتذب عينيه بروعة حسه المرهف ، ويخلق إيناسا ومتعة لا نهائية، فكانت عنده كل نظرة تأملية تقوده إلى أنشودة خالدة خفية في لحن نقي، وتوعز له بيقظة روحية متقدة لقلبه الصافي الذي تشرب بأصالة هذه الوجود المهيب الجليل. نعم، كان المشحوف يطفو فوق المياه التي تروي المزارع السخية، وتتدثر في الخضرة والبهاء. كان مندا مبهورا بسحر الخضرة ولطفها، ولحن خرير المياه، وحركة إيقاع المجذافين. ذلك جعله يتعايش مع نشوة تدفقت فيضا في قلبه خاصة وإن الشمس بإطلالتها المتألقة راحت تعلو فوق تيجان الأشجار الشامخة.
بغتة انحدر المشحوف في فرع من فروع نهر الفرات بينما كان مندا يتخصب ذهنه الحر بما يحيطه من ألق باهر، ويندمج حسه الطفولي البريء بمؤثرات هذا الجمال الساحر الأثير الشفاف. إذ كل شيء صار له معنى في هذا الصباح بعظمة النهر، وعظمة الأرض السخية التي أنتجت هذا الجمال. كان والده يراقبه بصمت، ويتابع انبهاره المفرط بما تبصره عيناه ليس لأنه يتوق هذا الصمت بل لأنه أراد لولده أن يغوص تأمله في ماهية هذا الكون الذي سوف يساهم بإضرام لهيب روح مندا المتحمسة بقوة وأصالة لكل ما هو رائع بديع من هذا الكون. حينئذ أدرك الوالد أن روح مندا الرقيقة تنتمي لهذه العظمة الأخاذة، وأن روحه تنضج فيه، وتندمج معه لا إراديا. تلك كانت نعمة لا مثيل لها، ورقة نادرة بهيجة مما جعل الوالد يردد مع نفسه بصمت:
ـ ولدي لديه قلب مبارك مترع بالصفاء.
ما لبث أن انحدر المشحوف في ممر مائي بين غابات البردي والقصب التي كانت تلامس أطراف المشحوف، وتلامس وجهيهما أنسام رطبة منعشة. حينئذ قال الوالد بصوت فرح، مهيب:
ـ هذه الأهوار يا ولدي.
فجأة رن شدو عذب عالي في أذني مندا بكل لحن طرب أشبه بلغة نطق خاص، فوقف مندا منتصبا على قدميه مندهشا متعجبا، فأدرك والده هذه التأثير في حسه المرهف بينما كان مندا قد دفعه الفضول ليراه، وعلى حين غرة شاهد طائرا صغيرا ظريفا بريشه يتنقل بين القصب، وهو يشدو دون توقف، فتمعن بريشه البني الداكن ناحية ظهره، والفاتح ناحية بطنه، وبجناحيه العريضين وذيله ثم حدق بعرف تاجه البني اللون على رأسه لكن المفاجأة الغريبة أن هذا الطائر راح يحلق فوق رأسه مما جعله يرفع ذراعيه إلى أعلى متمنيا أن يحط هذا الطائر على يده الناعمة الرقيقة ثم صار حالما أن يطير كاطائر غير أن الطائر عاد إلى موطنه بين القصب. هذا الطائر جعل الوالد يفكر بهذه المفاجئة الغريبة، إذا أنه كان يسمى هازجة القصب لدى سكان الأهوار، وهو معروف بعزلته وابتعاده عن الناس وزحمة الحياة، وميله الشديد إلى الهدوء، ثم راح يتساءل مع نفسه:
ـ ما سر هذا التوافق الروحي بين الطائر ومندا ؟
لم ينطق الوالد بل واصل التجذيف بهدوء، والمشحوف ينحدر بين نباتات كثيفة تعج بأسراب الطيور المائية باختلاف أنواعها، وصنوفها، وتباين طيرانها أو خوضها في المياه، فها هو مندا يرى مبهورا أعداد أعدادا هائلة منها. نعم، تلك كانت طيور تتغذى وتستريح هنا، تعشعش وتفقص هنا سواء كانت مقيمة أو مهاجرة لأن الأهوار ملجأها وموطنها، فها هي بجمالها وأصواتها المغردة تبهر عيني مندا.
توغل المشحوف أعمق ثم أعمق في الممرات المائية ببطء كما هما المجدافان ينغمسان في المياه بترو ثم يرتفعان بتأن تاركان رقرقة قطرات الماء خلفهما، ليندفع المشحوف طافيا ببراعة وخفة بين صفوف القصب ثم ينحدر إلى صفحة عريضة واسعة من الاهوار، ليدخل عالم جديد آخر بتكوينه وبنيته وسمته وعاداته. إنه عالم الأهوار الحقيقي الأصيل حيث الجزر التي شيدت اصطناعيا من طين وقصب وحصائر وحلفاء وتراب لتكون طبقة فوق طبقة تداس بقوة وعناية لترتفع فوق المياه، وتبنى فوقها أيضا الأكواخ التي تسمى صريفة عند سكان الأهوار. هذه الجزر هي بيوت لعيش الناس والجاموس ويتنقل بينها سكان الأهوار بمشاحيفهم في ممرات مائية تفصل بينها.
انحدر المشحوف بصمت نحو إحدى الجزر التي أبهرت عيني مندا إلا أن اشد انبهار كان له هو أن يرى قطيع من الجاموس يقوده طفل شبه عاري وهو يركب ظهر إحداها بينما كان الجاموس يخوض ويعوم في المياه.
ـ يا للروعة!
هذا ما انتاب إحساس مندا بهذا العالم الرائع الذي لا مثيل بجماله، فقد احتوت هذه الرحلة قلبه، وجرفت عينيه إلى ضوء الانغماس في هذه العزلة والهدوء والتأمل الذي بدل نظرته من مراعاة إعجابه بالنجوم الصامتة ليلا إلى أشعة الشمس نهارا في النهار التي تبعث الروح بابتسامة غامضة فوق الأهوار، إذ هنا ثمة صمت عظيم، وثمة أنغام الطور، وثمة حرية لا تامة.
توقف الوالد عن التجذيف حين وصل جزيرة صغيرة، وأرسى المشحوف في جرف الجزيرة، فراح كلب ينبح اتجاههما ويحرك ذيله، فظهر حمدان بملامح وجهه الذي تنم عن قوة وصرامة وطيبة في نفس الوقت. كان حمدان أسمر البشرة ناعمها، نحيف البدن لكن ذلك كان أيضا يوحي عن قوة خفية مدفونة في داخله، وهو يرتدي زي الأهوار الأنيق. تقدم إلى ضيفه مستقبلا إياه بدفء وحنان، وقاده إلى مضيفه الصغير بينما وقف مندا قبالة المضيف المشيد من حزم القصب والبواري يتطلع إليه بخشوع، فوجد نفسه أمام تشيد باهر عظيم عجيب. فجأة سمع صوت امرأة متلفعة بالسواد تناديه قائلة:
تعال يا ولدي!
ذهب إليها، وكانت يراوده الخوف أن حمدان قد لا يعطي القيثارة السومرية. وفي هذا اللحظات جلسا الضيف والمضيف على سجادة أرضية تمتد في المضيف طولا وعرضا، وقد أسندوا ظهورهم إلى وسائد محشوة بريش، قال حمدان بصوت مهيب وقور كأن في صوته سؤال:
ـ أنها زيارة مفاجئة.
فأجاب والد مندا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خجولة:
ـ أنها زيارة حاجة.
فرد عليه حمدان وهو يحرك عينيه السوداويتين الواسعتين بمثل شائع عند سكان الأهوار:
ـ لا يرد الكريم إلا البخيل.
ثم عدل كوفيته بعناية، وأردف قائلا:
ـ ابشر يا أبو مندا.
بعد لحظة تفكر قلقة قال والد مندا:
ـ أنت تعلم بما لا نعلمه نحن، فأنت كبير القوم الكريم، فها أنا ضيفك وجئت من أجل ابني الذي لا تفارق أحلامه القيثارة السومرية.
قاطعه حمدان بصوت حنون قائلا:
ـ تريد أن أعطي القيثارة السومرية لابنك التي عثرت عليها في جزيرة جلجامش.
فأجابه بصوت متقطع حائر:
ـ نعم يا طويل العمر.
فقال حمدان: تبشر، وهو ينهض بهيئته البهية، وأخرج من خلف أحد الوسادات القيثارة السومرية، وخرج من المضيف، وقد تبعه والد مندا، ووقف في مقدمة المضيف، وهو ينادي مندا أن يأتي إليه، فجاء مندا بخطوات مرتبكة، وهو يحمل كيسا بيده مملوء بالخريط وهو فاكهة يتفرد بها أهل الأهوار لأنهم يستخرجون حبوبها من طلع البردي في الربيع، ويصنعونها على بخار الماء، فيكون الخريط بلونه الأصفر الجذاب ونكهته الطرية الطيبة، ويطلقون عليه الحلوى الصفراء بينما كان الخريط في القديم يطلق عليه السومريون بالفاكهة الذهبية أو فاكهة الملوك. وقف مندا قبالة حمدان، وقد انفتحت عيناه على اتساعيهما بعد أن رأى القيثارة السومرية التي ستكون له ظل يرافقه مثل ظل شجرة مثمرة لا تنكسر غصونها من حمل ثمارها حين تهب ريح، فقدمها له حمدا، وهو يلقي نظرة متفحصة طويلة عليه ثم قال مخاطبا إياه:
ـ حافظ عليها، أنها سومرية، سومرية.
احتظنها مندا بفرح غامر، ومن شدة سروره ركض إلى المشحوف كي لا يأخذها أحد، فتجاوز مندا أعراف وتقاليد أهل الأهوار في ضيافة الضيف، فضحك حمدان والأب ثم تبعه والده، وكان حمدان يردد بصمت مع نفسه:
ـ لا أحد يعرف ماذا تخبئ الأيام لهذا الولد. أنه فعلا يحب القيثارة السومرية بصدق.

هذا مندا الآن النائم في حلم، وقد عاودته ذكريات الطفولة في هذا الحلم الذي مر عليه سريعا كرمش عين، وطاف به إلى فردوسه المفقود، فكان بصره يتنقل ويقفز به من مكان إلى آخر في تلك الأرجاء التي ترعرع فيها ونشأ فيها التي رأى العالم من منظر دفء روح أهلها وأصالتهم وصدقهم. نعم، قريته لا تصحر روحي فيها، ولا جحور ظلام فيها. قريته جعلت ذكرياتها أشبه باستجابة ذهنية مرت بلحظات، وفي نفس الوقت هو غياب ذهني في حلم لا يمكن أن يختفي من ذهنه ثانية. هذا لم يكن كل شيء. هذا فقط نقله إلى عالم آخر بعيدا من شرنقة الخراب والعبثية والفوضى العارمة، فكانت السعادة، وكان الحنان. نعم، رأى عالما موحدا لصور من ألق وفيض تدفقت فيها معاني الحياة الآمنة المفعمة بالمرح والحب. كل شيء بدا في ذلك الصباح، وبدأ يوم جديد.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي