اعتصام الكامور: استنتاجات مختصرة

بشير الحامدي
2020 / 11 / 14

لعل من أبرز التجارب التي عرفتها بلادنا في العشر سنوات الماضية هي تجربة الاعتصامات بدءا باعتصامي القصبة 1 و2 واعتصام باردو الشهير الذي جاء بحكومة مهدي جمعة سنة 2014 ثم بحكومة الحبيب الصيد وبالباجي قايد لسبسي لرئاسة الجمهورية عقب انتخابات ذلك العام.مرورا ببعض الاعتصامات الأخرى التي نظمت في الجهات وصولا لاعتصام الكامور الذي انتهي قبل أيام إلى تحقيق اتفاق مع حكومة هشام المشيشي.
لسنا هنا بصدد تقييم الاتفاق في حدّ ذاته ولكننا نريد أن نتطرق إلى جملة من المسائل التي تبدو لنا مهمة.
ـ 1 ـ
كل الاعتصامات في السنوات العشر الأخيرة انتهت إلى تسويات مكنت في حصيلتها الأخيرة مسار الانتقال الديمقراطي من الاستمرار فاعتصامي القصبة استثمرا لصالح مشروع كتابة دستور 2014 وتنظيم انتخابات 2011 التي جاءت بحركة النهضة للسلطة واعتصام باردو انتهى إلى التوافقات التي نعرف بين حركة النهضة والتيار الحداثي البوروقيبي وجاء بممثلي اليسار اللبرالي للبرلمان وفي كلا التعبئتين لم تغنم الأغلبية إلا المزيد من مصارة قرارها باسم التوافقات والانتخابات والمزيد من التفقير والاستغلال والقمع.
أما اعتصام الكامور فقد انتهي وهذا قد لا يكون ملحوظا الآن إلى الالتفاف على مطلب الحق في الثروة والموارد الذي كانت كل المؤشرات تدفع في اتجاه أنه سيكون المحمل الذي عبره سيُستأنف مسار 17 ديسمبر وعبره سنشهد تحولا نوعيا في أشكال المقاومة والتعبئة يجسد عمليا الاستقلالية التنظيمية للأغلبية ويؤشر لبداية مراكمة نحو مشروع للمقاومة من أجل التغيير الجذري للسيستام القائم بكل منظوماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الإدارية والأمنية وتحويله أي تحويل مطلب الحق في الثروة إلى مجرد اتفاق بموجبه يقع انتزاع بعض الفتات من هذه الثروة من الحكومة لصالح جهة بعينها وهو ما يجعل هذا الاتفاق يمثل بالنسبة للحكومة وللسيستام عموما متنفسا في وضع الأزمة الحالية يقطع لصالحها كل إمكانية لبروز مشروع مقاومة متجاوز للجهوية وواضح في أهدافه يوحد مختلف الحساسيات في مشروع مقاوم جامع يكون هدفه إسقاط مسار الانتقال الديمقراطي برمته والوصول لتحقيق مطلب السيادة على ثروات البلاد ومواردها.
ـ 2 ـ
استراتيجيا لم تغنم لا جهة تطاوين ولا الأغلبية في كل الجهات من اتفاق الكامور شيئا عدى بعض الفتات بل على العكس فقد وقع قطع مسار كان من الممكن أن يتحول إلى مسار مقاومة شاملة متجاوزة للطابع الجهوي الذي بقي موطنا فيه اعتصام الكامور والراجع للرؤية السياسية والتنظيمية التي كانت تحكم وعي الفاعلين فيه.
خيار الاتفاق مع معتصمي الكامور واستبعاد الحل القمعي ليس مرده ضعف الدولة كما يردد البعض بل مرده معالجة ذكية تبحث على أن تتفادي مواجهة معممة كما كان الشأن في ديسمبر جانفي 2010 – 2011 وعوض مواجهة معممة في كل الجهات غير معروفة النتائج خيرت الحكومة أسلوب التفتيت المسبق لهكذا مواجهة وقطع كل إمكانية لتشكلها عملا بالمثل "فرق تسد". وعموما يمكن القول أن مثل هذه الأشكال من التحركات وبشكل عام وبغض النظر عن قدرتها على التعبئة تحولت إلى أشكال يسهل الالتفاف عليها واختراقها و إفراغها من كل محتوى يمكن أن يراكم في اتجاه فرض التغيير الجذري الذي تنشده الأغلبية. لقد استوعب السيستام هذه الأشكال من التحركات كما خبر الفوق السياسي والمدني كيفيات الالتفاف عليها وتوجيهها الوجهة التي يريدها.
في اعتصام القصبة 1 و2 بينت التجربة أنه كان أولى بعشرات الآلاف الذين تجمعوا أمام الوزارة الأولى في مناسبتين لمطالبة الحكومة والأحزاب بإنجاز مهام الثورة أن يبقوا في جهاتهم وينجزوا هذه المهام التي يطالبون بها كذلك الشأن أثناء اعتصام باردوا فقد كان كذلك أولى بالجماهير التي رابطت في ساحة باردو أسابيع لتسلم الأمر في النهاية للباجي قايد السبسي ولنداء تونس أن تنتظم في الجهات وتشرع في التأسيس لحكم بديل عن حكم حركة النهضة حتى وإن اتخذ ذلك شكل ازدواجية للسلطة في البداية. نفس الشيء بالنسبة لاعتصام "الكامور" الذي كانت مطالبه متعلقة بالسيادة على الثروات ولكنه انطلق وانتهى في غياب أي تنسيق بين الجهات المعنية بنفس المسألة وبذلك حكم على نفسه بالانعزال وسهل عملية تفكيكه دون أن يحقق مطلب السيادة على الثروات والموارد مكتفيا بتسوية هزيلة.
ـ 3 ـ
الأمر نفسه ينطبق على الطيف النقابي الرافض لهيمنة البيروقراطية النقابية على الاتحاد العام التونسي للشغل والذي عوض أن ينقل المعركة ضد النظام سنة 2011 إلى ساحة محمد علي ويتخلص من هذا الجسم المتعفن المكبل لكل فعل نقابي جذري عبر آليات كان يمكن الاتفاق حولها نراه يركن لهذه البيروقراطية ويرفض خوض معركته معها إلى النهاية وهذا الأمر للأسف مازال متواصلا إلى اليوم حيث نشهد استسلاما تاما لهذه البيروقراطية وعجزا تاما من قبلي منتسبي هذه النقابة على مواجهتها وخوض معاركهم ضدها من أجل سيادتهم على قرارهم النقابي.
ـ 4 ـ
إذا لابد لأنصار مشروع المقاومة الجذري المنشود أن يدركوا حقيقة أنه لا يمكن لمشروعهم أن يتأسس على مثل هذه التعبئات و أنه لا معنى عملي لسؤال التنظيم المستقل والتغيير الجذري إذا لم يطرحه المعنيون به تحديدا ليس كأفراد أو ككتل أقليات حزبية أو جمعياتية أو نقابة بل كمجموعات جماهيرية محلية وجهوية لها مصالح مشتركة تحتم عليها هذه المصالح أن تنتظم مستقلة في أماكن العمل في كل قطاع وفي كل حي وفي كل معمل وفي كل شركة وفي كل معهد وفي كل كلية مجموعات مستقلة ذاتيا تكبر وتصغر انتظاماتها بحسب الوضع والإمكانيات الذاتية ولكنها كلها تعمل على أساس مهمة موحدة هي إسقاط مسار الانتقال الديمقراطي. فلا حل لضرب المركزيات المحتكرة للسياسة وللقمع والسلاح وللقرار الاقتصادي والسياسي والأمني غير هذه الاستراتيجية.
هنا يجب أن ينظر شبابنا المعطل وهنا يجب أن ينظر الخدام والموظف المفقر والعامل الفلاحي والمزارع الفقير ومن هنا يجب أن يبدأ النظر للحلول.
ــــــــــــــــــ