سلطة الفصاحة والنحو

عبدالجبار الرفاعي
2020 / 11 / 13

اللغةُ كائنٌ تنطبق عليه القوانينُ التي يخضع لها كلُّ كائن حي. اللغةُ كائنٌ اجتماعي حقيقتُه التغيّر والتحوّل. اللغةُ الحيّة ذاتُ ديناميكية داخلية، تولد فيها كلماتٌ جديدة وتندثر أخرى، تبعًا لديناميكية التطور الحضاري للمجتمع الناطق بها، لذلك تواصل كلماتُها باستمرار الولادةَ والنموَّ والشيخوخةَ والمرضَ والموت، وتبعًا لذلك تتجدّد أساليبُها البيانية، وطرائقُ التحدث بها.
استبدّت مقولةُ "الفصاحة" و"الإعراب" بالعربية، وتحولت "الفصاحةُ" و"الإعراب" بمرور الزمن إلى سلطةٍ صارمة، أعاقت الديناميكيةَ الذاتية لتحديث اللغة لنفسها، ومنعت اللغويين من تيسير قواعد النطق بها، بالشكل الذي يتمكن معه من يتحدثها مراعاتها بسهولة، ويتبادر إليه إعرابُها بعفوية يرثها من بيئته اللغوية، بلا تَعَلَّم وإتْقَان وتخصّص.
كَبَّلت الفصاحةُ والإعرابُ العربيةَ وعطّلتها عن تجديد أساليبها البيانية قرونًا طويلة، إلى أن فرضَ العصرُ الحديث على المتحدثين والكتّاب التناغمَ مع إيقاعِ التطور الحضاري، والانفتاحَ على التراكمِ المعرفي الواسع في مختلف العلوم البشرية، والإفادةَ من المكاسبِ المهمة في علوم اللغة واللسانيات، وما تتطلبه كلُّ لغةٍ تريد لنفسها مواكبةَ الحياة، وتلبيةَ احتياجات الناطق بها للحضورِ في زمانه وعصره، من الاغتناءِ بنتائج هذه العلوم ومكاسبها وأدواتها ومناهجها.
تمرّدت اللهجاتُ العربية على "الفصاحة" و"الإعراب"، وابتعدت بالتدريج عن العربية الفصيحة، ولم تأسرها قواعدُ النحو، بعد أن اتخذت لنفسِها مساراتٍ تستجيب لاختلاف المجتمعات، وتنوّعِ ثقافاتها، وظروفِ معاشها المتعدّدة، فصار كلُّ بلدٍ يتحدّث لهجَته الخاصة، وما فرضته متطلباتُ التواصل داخل عالَمه الخاص والعالَم من حوله.
يقول توشيهيكو إيزوتسو: "كلُّ واحدة من كلماتنا تمثّل منظورًا خاصًا نرى فيه العالَم. وما يسمّى مفهومًا ليس سوى بلورة لمثل هذا المنظور الذّاتي". ويصف محمد عابد الجابري رؤيةَ الأعرابي للعالَم بقوله: " الأعرابي صانع العالم العربي... لقد جمعت اللغة العربية من البدو العرب الذين كانوا يعيشون زمنا ممتدًا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة، ومكانًا بل فضاءً فارغًا هادئًا، كل شيء فيه صورة حسية، بصرية أو سمعية. هذا العالَم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، وسيظل هو مادامت اللغة خاضعة لمقاييس عصر التدوين... أن يظل الذهن العربي مشدودًا، إلى اليوم، إلى ذلك العالم الحسي اللاتاريخي الذي شيده عصر التدوين، اعتمادًا على أدنى درجات الحضارة التاريخية عبر التاريخ، حضارة البدو الرحل التي اتخذت كأصل ففرضت على العقل العربي طريقة معينة في الحكم على الأشياء، قوامها: الحكم على الجديد بما يراه القديم".
لبثت مجامعُ اللغة العربية تضيّعُ جهودَها في محاولاتٍ عقيمة، عندما انشغلت عشرات السنين بالعملِ على بعث ألفاظ متخشّبة مندثرة، بذريعة فصاحتها باستعمال البدوي لها قبل عصرِ التدوين، على الرغم من أن تلك الألفاظَ "الفصيحة" عكست رؤيةَ البدوي الضيقةَ للعالَم، وكانت مرآةً لمفاهيمه المحدودة، وأمّيته الثقافية، وأن العملَ على إحيائها وتوظيفها مجدّدًا كان مصيرُه الفشل، لأنه ينتهي إلى إرغامِ تفكير الناطق بالعربية على الارتهان لرؤية البدوي للعالَم، وتبنّي قيمه، والاحتفاءِ بمفاهيمه المحنّطة، وهي رؤيةٌ وقيم ومفاهيم يراد لها أن تأسرَ مصيرَ العربي اليوم، وتتنكّر لها اللهجاتُ العربيةُ المتداوَلة في الحياة اليومية على تعدّدها وتباعدها المتواصل بين مشرق الناطقين بها ومغربهم.كأن مجامعَ اللغة العربية تريد أن تشطب على كلِّ التطور الحضاري ومكاسبِ العصور الحديثة بالارتهانِ لرؤية العالَم القديم والانخراِط في مشاغله.
في مرحلةٍ لاحقة من نشأة النحو تشكلت قواعدُ اللغة العربية في ضوء قوالب المنطق الأرسطي، مثلما وقع غيرُها من علوم اللغة في هذه القوالب، وتحوّل هذا المنطقُ إلى بنيةٍ للتفكير في علم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، وغيرها من علوم الدين.كلُّ هذه العلوم أضحت يتحكم بها المنطقُ الأرسطي، تفكّر في إطار قواعده، وتستدلّ بأساليب محاججاته، وتبرهن بطرائق استدلالته، وتتحدّث في سياق معجمه ومصطلحاته. انتهت علومُ الدين واللغة إلى أن تقع في مدارات مسدودة يبدأ التفكيرُ فيها من حيث انتهى وينتهي من حيث بدأ، وباتت مكبلةً تعجز عن الإفلاتِ من هذه الحدود الصارمة، والبحثِ عن أفق بديل لمنطق التفكير وآفاقه. رسّخ هذا المنطقُ بنيةً للتفكير متجذّرةً يصعب جدًا التحّررُ منها، وكأننا نرى طفلًا ظلّ يتغذّى بالغذاء نفسِه الذي تلقاه في مرحلة الرضاعة، لم يغادره في فتوته ومراهقته وشبابه حتى شيخوخته، على الرغم من أن متطلباتِ الغذاء لكلِّ مرحلة من العمر تحتاج إلى عناصر أساسية لبناء الجسد ونموّه وتطوره.
لم يكن علي الوردي مسكونًا بـ "الفصاحة"، كما اشتهرْت عند اللغويين منذ عصر التدوين، ولم يكترث بالنحو وقواعده في كتاباته، بل كان يسخرُ من تشديد أهل اللغة على ذلك. لم يعبأ الوردي بكلِّ ذلك الاهتمام المبالَغ فيه بالفصاحة والنحو، بل كان يهمّه إيصالُ أفكاره بأية وسيلة، مهما كانت طريقةُ إبلاغه عنها، لذلك ظلّ يحذِّر النقادَ المتحذلقين من تسقّط الأخطاء النحوية في كتاباته، وينفر ممن يلاحقون الإعرابَ في أعماله، ويتهكّمون على ما يحسبونه عثراتٍ إعرابيةً في كتاباته.
لم تكن دعوةُ الوردي نشازًا، بعضُ علماء اللغة المعاصرين كان يفكر بذلك، فمثلًا خصّص عضوُ مجمع اللغة العربية ابراهيم أنيس فصلًا بعنوان: "قصة الإعراب" في كتابه: "من أسرار اللغة"، كشف فيه كيفيةِ نشأة الإعراب، وكيف صار نظامًا صارمًا للسان العربي، واتخذ قيمةً عليا استأثر بها النحاةُ فصنعت لهم مكانةً استثنائة، ترسّخت من خلالها سلطتُهم المعرفية على العربية. يروي أنيس هذه القصةَ بقوله: "ما أروعها قصة! لقد استمدت خيوطها من ظواهر لغوية متناثرة بين قبائل الجزيرة العربية، ثم حيكت. تم نسجها حياكة محكمة في أواخر القرن الأول الهجري، أو أوائل الثاني على يد قوم من صنّاع الكلام، نشأوا وعاشوا معظم حياتهم في البيئة العراقية. ثم لم يكد ينتهي القرن الثاني الهجري حتى أصبح الإعرابُ حصنًا منيعًا، امتنع حتى على الكتّاب والخطباء والشعراء من فصحاء العربية، وشق اقتحامه إلا على قوم سُمُّوا فيما بعد بالنحاة... ومع أن الإعراب ليس في حقيقته إلا ناحية متواضعة من نواحي اللغة، فقد ملك على الناس شعورهم، وعدوه مظهر ثقافتهم ومهارتهم الكلامية، يتنافسون في إتْقَانه، ويخضعون أقوال الأدباء لميزانه، فليس الفصيح في نظرهم إلا من راعى قواعده، وأخذ نفسه باتباع أصوله ونظامه... وصارت قواعده في آخر الأمر معقدة شديدة التعقيد، وقد تفنى الأعمار دون الإحاطة بها، أو السيطرة عليها سيطرة تامة. وصرنا الآن ننفر منها لما اشتملت عليه من تعسف وتكلف، بغّضَ إلى الكثيرين دراسة اللغة العربية في العصر الحديث".
بلا تردّد أو حذر أو خجل يعترف علي الوردي بكثرةِ الأخطاء النحوية في كتاباته، ويعلن بأنه لا يعتذر من ذلك، إذ يقول في سياق بيان موقفه من النحو: "أودُ أن أنتهزَ هذه المناسبة لأُشير إلى أمر ربما لاحظه القاريء في جميع كتبي، هو كثرة الأخطاء النحوية فيها. وهذا أمرٌ أعترفُ به ولا أعتذر عنه. لا أكتمُ القاريء أني اعتبر النحو بلاءً أبتليت به الأمةُ العربية. وأنا على يقين أن الأمةَ العربية في مسيرتها الحضارية نحو المستقبل سوف يأتي عليها يومٌ تجد نفسها مضطرة إلى إلغاء النحو كلّه من مناهج مدارسها، أو إلغاء الجزء الأكبر منه على الأقل... مشكلة النحو العربي أنه ذو قواعد كثيرة ومعقدة، دون أن تكون له أية فائدة عملية، ولم نحصل من النحو إلا على أفراد من الناس دأبهم البحث عن الأخطاء النحوية في خطب الناس وكتاباتهم لينتقدوا أصحابها بها، ويشنوا عليهم الهجمات الشعواء".

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان