مذبحة إل أمبارو التي ارتكبها الجيش الفنزويلي في فيلم روائي

سمير حنا خمورو
2020 / 11 / 12

سمير خمورو

فيلم إل أمبارو El Amparo يعتمد على واقعة درامية حقيقية، حدثت في أكتوبر / تشرين الأول عام 1988، قتل فيها الجيش الفنزويلي 14 رجلاً من إل أمبارو وهي قرية صيد صغيرة تقع على الحدود بين كولومبيا وفنزويلا ، وتحيط بها مياه نهر أراوكا العظيم. يوفر النهر للسكان الذين يعيشون على ضفافه القوت من عملهم بصيد السمك.

تشريح هذه الجريمة كان مشروع الفيلم الاولى للمخرج الفنزويلي روبرت كالثاديا، عن سيناريو للكاتبة المسرحية والسينارست الفنزويلية كارين فالسيلوس وقد سبق ان تناولت الموضوع في مسرحية، قدمتها فرقة مسرح ( تومبارانشو )، عن هذا الحدث المأساوي في عام 1988 تحت عنوان "الناجون".

تبدأ الحكاية بيوم مشرق جميل في طرقات القرية، و 16 صيادا يهيئون قاربهم الطويل للقيام برحلة نهرية عبر تلك المنطقة المتاخمة لكولومبيا. كانوا في طريقهم كالعادة لصيد السمك ، لقطات جميلة من الاعلى للنهر والقارب، ومن ثم لقطات قريبة للصيادين وهم يمزحون فيما بينهم، وتعود الكاميرا لتصور قلق اهالي وعوائل الصيادين فقد مرت الساعات ، وحل الظلام ، وبدا الفجر ولم يعد أحد منهم. عندها تم اعتبارهم بالفعل في عداد المفقودين.

لكن خوسيه أوغوستو أرياس يطلقون عليه اصدقائه (جومبو) وولمر بينيا ، نجوا بأعجوبة من الهجوم. وفِي اليوم التالي يعثر عليهم مينديثا ، شرطي من القرية يعرفهم، فيسرع احد الناجين ويخبره بما حدث، ويقول "الحمد الله انكم هنا، كنّا ذاهبين للصيد وقتلونا"، ولكن الشرطي يقول لهما "دعونا نذهب لمركز الشرطة اولا.. "، وينقلهم في شاحنة العسكرية وعندما يصلوا الى المركز تتدافع النساء لمعرف اين الباقين من الرجال. وماذا حلَّ بهم. وفِي العاصمة نرى رواية مختلقة لعسكري كبير عن دورية نهرية عسكرية قتلت 14 ارهابي. يتم التحفظ عليهم وحبسهم في الزنزانة ، رغم معرفة مسؤول المركز انهم ابرياء . ريثما يأتي من يحقق معهم. وقد برر مسؤولي الجيش المذبحة بانهم نجحوا في التصدي لمقاتلين تسللوا عبر النهر واستطاعوا ان يتغلبوا عليهم، وان اثنين من الارهابين تم القبض عليهم وسيتم عرضهم للاعلام. وتتحول حياة الرجلين الى جحيم ، حيث سيتعين عليهم إثبات براءتهم بأي ثمن. يتابع الاعلام الرسمي القضية في التلفزيون ويصفهم بالمخربين الخطرين، وهما بصوت ضعيف وفي حالة خوف، يحاولان التوضيح لهم، أنهما صيادين وليسا مقاتلين.

ترسل الحكومة الفنزويلية اثنين من محققيها للضغط على هذين الرجلين المتواضعين للاعتراف بانتمائهما إلى حرب العصابات، وياتي احد الضباط ويحاول نقلهم الى العاصمة ولكن رئيس الشرطة المحلية يرفض بقوة تسليمهم للسلطات، ويهدده باطلاق النار عليه، اذا حاول تسفيرهم بالقوة. ويفضل ابقائهم في مركز الشرطة حتى لا يبتعدوا عن عائلاتهم، مقتنعا ببراءتهم، ومراعي لضغوط السكان الذين يدافعون عنهم.

الخطأ الذي وقعت فيه دورية للجيش عندما ظنت أن الصيادين مقاتلين، ورفضت حكومة كاراكاس الاعتراف بهذا الخطأ، على الرغم من شهادات الناجين الوحيدين من المذبحة وسكان القرية ، وعدم العثور على أي سلاح معهم. ومع هذا فأن الجيش يريد ان يتخلص من الجريمة التي ارتكبها، ويجد في هذين الناجيين كبش فداء. وبعد تعرضهما لكل انواع الترهيب، تتم مساومة الصيادين، ويقدموا لهم خيارين: إذا أعلنوا عن أنفسهم مقاتلي حرب العصابات فسوف يذهبون إلى السجن وإذا أنكرا، يتم تهديدهم بالحكم عليهما بالاعدام. يقول الصياد جومبو للمحامي الذي يضغط عليه بحجة انقاذه من الموت و الاعتراف بأنه مقاتل، "أنا ، أقر بأنني رجل ليس لديه خصاوي لأكون عسكريًا ، وأن امرأتين تخلتا عني ، وأنني أعمل بصيد الأسماك ، وضرب الخرسانة ، لكنني لست شيئًا مما تقوله الرواية الرسمية، ولكن كيف تطلب منا ان نوقع على الكذب، سيدي ؟ انت جئت هنا لتستمع لنا، وتدافع عنا"
وتحاول زوجة وولمر بينيا دفع زوجها للاعتراف خوفا عليه من التعذيب والحكم عليه بالاعدام "ألا تعتقد من الافضل ان تقول لهم انك منهم، اذا لم تفعل سيقتلوك.

ينقل الفيلم حالة العزلة ومناخ عدم الثقة الذي تزرعه الدولة بين الجيران وبين أفراد الأسرة نفسها. ومع هذا، لا يمنع فقرهم وبساطتهم من التصرف بكرامة، والوقوف بقوة امام السلطة التي تتهم اصحاب الجنسيات الاخرى بالمتامرين لخدمة مصالح خاصة للحكام، يتساءل أحدهم: "إذن ، لأنه كولومبي ، هل هو مقاتل؟"، في هذا الاثناء يحاول صحفي يتابع التحقيق كشف الحقيقة وإدانة التلاعب الذي دبرته الحكومة.

لجأ المخرج لاعادة بناء الحقائق بدقة قبل وبعد المواجهة الدامية ولكن ليس أثناءها وهي فكرة جيدة. ويترك للمشاهدين تخيل الفزع والرعب الذي عاشها الصيادين، حتى لحظة مقتلهم .
لقد استطاع المخرج تحقيق الواقعية والأصالة في المشاهد التي صورها بالاعتماد على المزج بين الممثلين المحترفين والقرويين الذين تم توظيفهم للتصوير، بعد معايشة يومية للكادر الفني والتقني لمدة شهرين سبقت التصوير، كانوا يسكنون في قرية (الياگوال) التي تشبه إل أمبارو مع السكان ، فقد انضم الرجال من الفنانيين والفنين إلى الصيادين ، والنساء المشاركات في الفيلم للعمل في المهام اليومية مع نساء القرية.

يقول المخرج عندما وقعت المجزرة ، تركت انطباعًا كبيرًا لديَّ عندما رأيت وجه هذين الصيادين الناجين على شاشة التلفزيون يحاولان التغلب على الضجيج الإعلامي والسياسي والعسكري الذي كان يسحقهما. يحاولان التوضيح لوسائل الاعلام الرسمية، بأصواتهم الضعيفة وذهولهم وخوفهم، شرح ما حدث في إل أمبارو، وأنهما مجرد صيادين وليسا مقاتلين. وكذلك زملائهم اللذين قُتلوا، في تلك اللحظة صُدمت، كنتُ في الثانية عشرة من عمري ، كنت ألعب كرة القدم واذهب إلى المدرسة ، وفجأة شعرت أنهما يمكن أن يكونوا عمي وأبي أو جاري. وأعتقد أيضًا أن الأمر يتعلق بحقيقة أنني توقفت عن أن أكون طفلاً، وضعيفا حقاً، انهم كسروا فقاعة البراءة التي كنت أنمو داخلها. بالنسبة لي ، كانت إل أمباروا ، الانتقال إلى فهم أن هناك قوة - بغض النظر عن مصدرها ، إنها القوة - يمكنها أن تسحقك فورًا إذا كنت لا تتفق معها. وانه تأمل عميق حول كيفية تعامل المجتمعات البسيطة مع الغضب والحزن ، والسؤال المقلق حول من الذي يتحكم في الحقيقة التاريخية ؟

من الواضح أن هذا الفيلم سياسي وملتزم برواية الحقيقة، هناك طرق جيدة وسيئة لعرض المواضيع السياسية، المهم ان لا يتحول الفن الى خطاب سياسي مباشر، والمخرج نجح في تناول موضوع سياسي دون الوقع في مطبات البروباغاندا ومن هنا جاءت اهميتة وقوته. لقد اتيحت الفرصة للمخرج للقاء الناجين ، وولمر بينيلا وخوسيه أوغوستو أرياس، اثناء تصوير فيلم وثائقي لصالح پروفيا وهي منظمة تدافع عن حقوق الانسان، واستمع لهما وشعر انه امام موضوع سينمائي، خاصة وان كل الدول اميركا اللاتينية لا زالت تعيش نفس المعاناة حتى اليوم .

فيلم ( إل أمبارو El Amparo )،إخراج روبرت كالثاديا سيناريو كارين فالثيوس ، تصوير ميشيل ريفاس مونتاج وانتاج روبرت كالثاديا ، قام بدور الشخصيتين الرئيسيتين بشكل رائع، الممثل فيثنتي كوينتيرو بدور ( وولمر بينيلا )، وجيوفاني غارثيا بدور ( خوسيه أوغوستو أرياس ) بالاضافة الى فيثنتي بينيا، سامانثا كاستيلو ، روزانا هيرنانديز ، أورا ريفاس ، بانشو سالازار ، لويس دومينغو غونزاليس . مدة الفيلم 99 دقيقة.
حصل فيلم إل أمبارو على 25 جائزة في مهرجانات سينمائية دولية منذ عرضه الأول في سان سيباستيان حتى الآن ، مثل مهرجان بياريتز (فرنسا) ، ساو باولو (البرازيل)، هافانا (كوبا)، وفي وميلانو (إيطاليا)، وفِي مهرجان غرونوبل الأفلام الأيبيرية وأمريكا اللاتينية، وفي مهرجان أمريكا اللاتينية السينمائي في واشنطن. وتم ترشيحه من قبل فينزويلا لجوائز كويا Goya في 2018 ، لافضل فيلم لبلدان لامريكا اللاتينية. وقد كان مبرمجا لعرضه في صالات السينما في مدريد وبرشلونا ولكن بسبب فايروس كورونا وإغلاق السينمات تم تاجيل عرضه. وكان المفروض ان يعرض في 28 نوفمبر في العاصمة بوغوتا و اربعة مدن رئيسية في كولومبيا.