نقض نظرية المعرفة لدى إبن تيمية

هيبت بافي حلبجة
2020 / 11 / 12

بعد ما إنتقدناه في أقوى مقولة لديه ، درء تعارض العقل والنقل ، نود أن ننتقده في موضوعة سميت ، عادة وتجاوزاٌ ، بالنظرية المعرفية ، التي يمكن تلخيصها في الإجابة على التساؤل التالي ، كيف يحصل الإنسان على المعرفة ، وهل توجد قبليات معرفية أم كلها بعديات . لكي يجلو الأمر من الضروري أن نبدأ بالتالي :
المقدمة الأولى : يعتقد البعض ، والبعض ، والبعض ، إن المعرفة تحصل لدى الإنسان من خلال العقل ، الحس والإحساس ، الخبر والوحي ، الكشف والمكاشفة . وفي الكشف والمكاشفة ، تتمركز الفكرة حول نقطة جوهرية وهي إن كلما إبتعد الإنسان عن الأرض ، عن الملذات ، عن الشهوات ، عن النزوات ، عن الأغلال والأصفاد الأرضية ، وكلما إبتهل إلى السماء ، وتضرع إلى القوى الغيبية ، وناجى تسبيحاٌ وتحميداٌ ، كلما إرتفعت روحه عن الأدران والأوساخ وتحررت منها كافة ، وكلما إكتسبت روحه شفافية إلهية وقوة سماوية وطاقة غيبية ، كلما إنكشفت الوقائع ، الحقائق ، الأشياء ، الأمور والقضايا له . هذه الفكرة فاسدة وسقيمة ، فالإنكشاف لايحدث إلا عبر واحد من ثلاثة ، إما عبر الأشياء والقضايا نفسها ، أو عبر الشخص ذاته ، وإما عبر طرف ثالث . إن الأشياء والقضايا ليست مقيدة بشروط من جهة ، كما إنها ليست واعية بحدود من جهة ثانية ، حتى تنكشف لكائن من كان . وإذا كان من خلال جهة ثالثة ، وهي هنا وعلى الأرجح إله الكون ، فإن الإنكشاف يتحول إلى الخبر والأخبار . وأما من خلال الشخص ذاته ، فمن الضرورة أن تكون على صيغة أحداث ، لإن الأمور الآخرى قد تكون على صيغة خبر أو حالة تجريبية ، وهذه مسائل منفصلة عن المكاشفة ، وأما الأحداث فهي عملية مشتركة مابين الناس كلهم وتتحقق على صيغة الأحلام التنبؤية . وسوف نتعرض لهذا الموضوع في حلقة خاصة وسنبين عندها فساد مفهوم الكشف لدى العرفانيين ولدى أفلوطين . لكن ماحقيقة هذه الإطروحة نفسها ، فإذا كان مفهوم الكلية خاطىء من تأصيله ، فهل ثمة صدق في جزئية خاصة ، في الواقع الأمر يستند إلى مايسمى بالطاقة الدماغية ، المادة المدركة الواعية ، ولابد أن نعالج هذا ، في مادة منفصلة ومستقلة ، لكن ننوه ، منذ الآن ، إن من أهم وظائف هذه الطاقة الدماغية هي حماية الشخص نفسه ، وهي تحميه بصور عديدة ومتعددة ، وكلما كانت متحررة من قيود وأصفاد المشاكل والعوائق ، وخضعت لمحتوى الممارسة ، كلما كان أداؤها مميزاٌ ورائعاٌ ودقيقاٌ . وفي مسألة الخبر والوحي ، فإن الخبر إما أن يكون إنسانياٌ أرضياٌ ، إما أن يكون سماوياٌ غيبياٌ ، في الحالة الأولى ينعدم الخبر أصلاٌ في مفهومه ، وليس له أي معنى ، وليس له أي دلالة ، لإن الموضوع ، هنا ، يستند إلى المجال ، وتحديداٌ إلى المجال العام الموضوعي ، وإلى مجال التجربة ، وإلى مجال المقارنة والبرهان والأدلة . وفي الحالة الثانية ، أي أن يكون الخبر سماوياٌ غيبياٌ ، عندها إما أن ينم عن دلالة ، أو أن يحتفظ بطبيعة الخبر الجاف ، في الحالة الأولى فشل إله الكون في تبليغ الخبر ولم يتمكن أن يمنحنا الخبر ذي الدلالة على وجوده ، أو من خلال إطلاعه على التاريخ المفترض للبشرية ، فلم يبلغنا ، مثلاٌ ، بوجود قارة لم تكتشف بعد ، القارة الأميركية أكتشفت في عام 1492 ، ولم يبلغنا إن الديناصورات حكمت الآرض لمدة مليوني عام ، ولم يبلغنا عن حقيقة الكون ، إنما إكتفى بالرؤية البصرية . وفي الحالة الثانية ، أي فيما يتعلق بالخبر الجاف ، فإن إخباره لنا بوجود ما يسمى بالجنة والجهنم ، خبر لايستقيم ، فوجود الجهنم ، إن وجدت ، لايستقيم مع مفهوم إله الكون وعظمته وكمال رحمته ، ولايستقيم مع مدلول الإختبار المزعوم . كما إن وجود الجنة ، إن وجدت ، لايستقيم مع حقيقة إله الكون في موضوع خلق هذا الأخير لإشكالية شرطية ضرورية لدخول الشخص إلى الجنة . كما إن وجود الجنة والجهنم ، إن وجدتا ، لايستقيم مع حقيقة الوجود الإلهي ، فوجودهما ينبغي ، بالضرورة ، أن يكون خارج الوجود الإلهي ، وهذا مستحيل .
المقدمة الثانية : في خارج سياق مفهومي ، الكشف والمكاشفة ، الخبر والوحي ، يعتقد أفلاطون إن النفس البشرية قد إحترفت المعرفة حينما كانت في عالم المثل ، ذلك العالم الذي يحتضن مثل كل شيء ، يحتضن الصورة الحقيقية الأصيلة والأصلية لها كافة ، ولسبب لايعلمه إغتربت وإستلبت النفس البشرية ، وإرتمت في براثن عالمنا هذا ، العالم الحسي ، ذلك العالم الذي جعلها تنسى ما إحترفته معرفياٌ في العالم الأصلي ، لإنه ، ليس فقط ، مثقل بالمادية وبغياب الشفافية ، إنما لإنه غير حقيقي . لذلك لكي تستعيد النفس البشرية أصولها المعرفية فمن الضرورة أن تتذكر ، أي تقوم بعملية أستذكار لها ، ولاتستطيع أن تقوم بالإستذكار إلا إذا ، دنت من طبيعتها الأولية ، أي تحررت من قيود الأرض وأقتربت من شفافية السماء ، إذن أمامها شرط الضرورة هذا ، لكن أمامها شرط إشكالي آخر ، لم يدركه إفلاطون ، وهو إن الوجود الحسي ، هنا ، هو وجود ظل وظلال ، لاحياة فيها ، فالنفس ذاتها لايمكن إلا أن تكون خيالاٌ وإلا لهدم إفلاطون إطروحته بهذا الصدد ، وهاهو يضرب مثلاٌ على كل ذلك ، في مسألة الكهف ، فيقول إننا مثل شخص جالس في قاعدة كهف ووجهه إلى الجدار الداخلي ، وإذا ما أوقد ناراٌ على الباب الخارجي ومر أناس مابينهما فسوف يطبع الظلال على ذلك الجدار ، في الحقيقة ننذهل كيف يمكن لإفلاطون أن يرتكب مثل هذه الحماقات ، سنعالج ذلك في حلقة خاصة . وعلى الطرف النقيض من ذلك ، يقدم أرسطو رؤيته المعروفة ، قيعتقد إن الحس والإحساس هو أساس كل معرفة بشرية ، فإذا كان إفلاطون قد قام بعملية إستنباط الجزئيات من الكليات ، فإن أرسطو قد قام بعملية إستقراء الكليات في الجزئيات ، أي إن الحس يشاهد الجزئيات في الطبيعة ، أي المفردات المؤلفة لكل نوع وصنف ، الشجرة ، النهر ، الغزال ، الحمام ، فيأتلف عليها مفهوم الكليات من خلال تصورين هما مبدأ التشابه والمماثلة ، ومبدأ التجريد . والحس لدى أرسطو يتضمن مبدأ التجريب ، وإلا لتحول الحس إلى عملية مشاهدة جافة .
المقدمة الثالثة : كان لابد من المقدمتين كي نقترب من مفهوم ينقلنا إلى طبيعة الإشكالية لدى إبن تيمية ، وهذا المفهوم هو موضوع المعرفة القبيلية ، والمعرفة البعدية ، وتأتي الآية الكريمة في هذا الخصوص : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئاٌ وجعل لكم السمع والإبصار والأفئدة لعلكم تشكرون . لتفرض رؤيا خاصة في إدراك المفارقة مابين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية ، وإدراك إن السمع هو الخبر والوحي ، وإن الإبصار هو الحس والإحساس ، وإن الأفئدة هي العقل . لذلك ذهب بعضهم إن الإنسان يولد ، كصفحة بيضاء ، لايعلم شيئاٌ ، لإن مفردة شيئاٌ أتت بصيغة النكرة ، والنكرة ، هنا ، تفيد المطلق . وذهب البعض الآخر إن الآية تدل على ذلك المفهوم ، فلايعلم شيئاٌ أي لايعلم شيئاٌ من المعرفة المكتسبة ، لكنها تتضمن إستثناءاٌ في ثناياها ، والإستثناء يتعلق بمبادىء الضرورة ، ومبادىء الضرورة هي غير مكتسبة في تأصيلها إنما هي مغروسة غرساٌ في النفس ، أي فطرية فيها . وذهب إبن تيمية إن الإنسان يولد ، كصفحة بيضاء ، لكن الفطرة لديه ليست حيادية ، إنما هي منحازة إلى ماهو إيجابي ، وتميل إلى تصديق موضوعات الحق والصواب .
المقدمة الرابعة : وهكذا تتحول المبادىء الأولية ، والمبادىء الضرورية ، وموضوع الفطرة ، لدى إبن تيمية ، من شرطها القبلي المعرفي إلى شرطها ماهو بعدي معرفي ، ليتناسب ذلك ويوائم رؤيته المركزية في مسألة ماتسمى بالنظرية المعرفية ، والتي تستند إلى الحس ، والحس لديه يتجاوز موضوعات الحواس ، فهو ذلك الحس وكذلك الحس الداخلي الباطني ، وفي الحقيقة القضية المعرفية ، لديه ، تتجاوز هذا المخطط الأولي البسيط ، فلننتقل إلى المقدمة الخامسة .
المقدمة الخامسة : في الآية الكريمة ، والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئاٌ وجعل لكم السمع والإبصار والأفئدة لعلكم تشكرون . نشاهد في المقدمة ، لاتعلمون شيئاٌ ، ثم السمع أي الخبر والوحي ، والإبصار أي الحس والحواس ، والأفئدة أي العقل . وإبن تيمية يلتزم بموضوعة ، لاتعلمون شيئاٌ ، في البدء وفي الأصل ، ثم ينتقل مباشرة إلى الحس ، وبعد الحس يأتي الوعي ، ولا وعي بدون دماغ ، حسب تعبيره هو ، وهذه خطوة متقدمة جداٌ في موضوع الفلسفة . فالحس هو ناقل للمعرفة والدماغ هو حاكمها وهو الذي يخلق الوعي بالأشياء وبالقضايا . وهنا من الضروري أن نزيل الغبار عن ثلاثة قضايا بدت لبعصهم مشكلة في إدراك موقف إبن تيمية منها : الأولى إن إبن تيمية يؤمن بالقضايا الضرورية والأولية وبالقضايا النظرية ، وهذه لايمكن إلا أن تكون قبلية في شكلها المعرفي ، وفي الواقع إن إبن تيمية لايفترض وجودها إلا بعد الحس ووعي الدماغ بها ، أي إن الدماغ يكتشفها من خلال مقولة الحس أولاٌ ، وهذا يوضح التالي ، إن الكليات المجردة لا تأتي إلا بعد إدراك الجزئيات المحسوسة ، إن مبدأ عدم التناقض ، وكذلك ومفهوم إن الواحد هو نصف الأثنين ، ليس إلا نتيجة في علاقة المعرفة بالحس وبالدماغ وليس العكس ، إن المعرفة المكتسبة قد تتحول إلى نوع من القضايا الضرورية أو القضايا النظرية . ومن المفيد أن نذكر إن إبن تيمية ، حينما يقر بوجود هذه القضايا والتمايز مابين القضايا الأولية والنظرية ، فإنه يقر بالمبدأ فقط ولاينسب هذه القضية إلى ذلك النوع ، بل إنه يؤكد ، أحياناٌ ، إن قضية معينة قد تنسب إلى هذا النوع أو ذاك حسب الأشخاص ، حسب المجموعات . الثانية إن إبن تيمية يقترب من مذهب التصوريين ، أود أن أنوه هنا إنني لا أوافق على تسمية فيلسوف أو مفكر أنه ينتمي إلى هذا المذهب أو ذاك ، كالمادية والمثالية ، فهذه المصطلحات وغيرها هي خاطئة من جذورها وتفضي إلى نتائج كارثية في المعرفة الحقة . لنعد ، إن إبن تيمية لايمكن أن ينتسب إلى ذلك المذهب لإنه يعتقد بكل بساطة إن وجود الأشياء والمحسوسات مستقل في صورها الأنطولوجية عن وعينا ، أي إن الواقع ليس تابعاٌ لتصوراتنا ، بل إن تصوراتنا تابعة ومقيدة ومحكومة بالواقع . الثالثة يعتقد البعض إن ثمة ثلاثة وسائل للمعرفة لدى إبن تيمية ، الحس الظاهري والباطني ، ثم بالنظر والقياس بعد مرحلة الحس ، ثم الخبر ، هذا شبه صحيح من حيث الشكل ، لكن في الفعل ، تستند نظرية المعرفة ، لدى إبن تيمية ، إلى الحس وعلاقة الحس بالدماغ ونتائج هذه العلاقة ، أم بخصوص الخبر فهو لايمكن أن يكون جزءاٌ من المنظومة المعرفية حتى لو كان من مصدر إلهي ، فهو لاشيء على الإطلاق ، ولايتمتع بأي علاقة موضوعية مابين الموضوع والمحمول ، بل إنه لايملك أي نوع من العلاقات .
المقدمة السادسة : وفي قصة الفرقة الدهرية السومنية مع جهم بن صفوان ، حيث سألوه عن إلهه ، فقالوا هل رأيته ، فأجاب بالنفي ، هل أحسست به فقال كلا ، هل جسسته قال كلا ، قالوا : إذن هو غير موجود . فغاب أربعين يوماٌ ثم رجع ، وسألهم هل لديكم أرواح فأجابوا بنعم ، هل رأيتموها ، هل أحسستم بها ، هل جسستموها ، فأجابوا بالنفي ، فقال جهم إن إلهي هو كذلك ، لايرى ، ولايجس ، ولايحس به . وهنا يتدخل إبن تيمية فيؤكد ، لقد أخطأ جهم بن صفوان حينما إعتقد إن إله الكون لايحس به ، ولقد أصابت السومنية عندما إنطلقت من فكرة إن كل وجود لابد من أن يحس به ، إن كل وجود قائم بذاته لابد من أن يحس به . وهكذا يؤكد إبن تيمية إن الحس هو أساس كل وجود من حيث الدلالة ، فلاوجود إن لم يحس به ، حتى الوجود الإلهي ينبغي أن يحس به .
نكتفي بهذا القدر ، وسنحاول أن نحدد مصدر الإشكاليات في هذه الرؤيا :
أولاٌ : في موضوع الفطرة يجزم إبن تيمية إنها ليست حيادية ، إنما منحازة إلى جادة الحق والصواب والحقيقة ، والإنحياز يرجح كفة المنحاز إليه على كفة المنحاز عنه ، وهذا الرجحان يقتضي بالمطلق إرادة قابعة في موضع ما ، إرادة الراجح ، وهذه الإرادة وبالتالي هذا الإنحياز ، إذا أخذنا في الحسبان موضوع الخلق ، يمكن أن يكون من ثلاثة مصادر لارابع لها ، إما من إله الكون ، إو من طبيعة الفطرة في حال وجودها ، أولاحقاٌ لإخراجكم من بطون أمهاتكم . إذا كان من إله الكون فلابد أن يكون قبلياٌ على وجه الإطلاق وإلا سيكون الإنحياز لغواٌ ومعدوم المحتوى ، وهذا يناقض محتوى لاتعلمون شيئاٌ . وإذا كان من طبيعة الفطرة فهذا يعني ، في حال وجودها ، إنها واعية ومدركة لحقيقتها ومستقلة عن الوجود الإلهي . وإذا كان لاحقاٌ لإخراجكم من بطون إمهاتكم فإنه يكون من نتاج التربية ، والثقافة والمعتقد ، والمورثات والهرمونات . وإذا نظرنا إلى نوعية الحضارات عبر التاريخ كله ، وإلى سلوك وسلوكية الشعوب نتحقق من أن المصدر الثالث هو الأرجح ، فثمة شعوب ، سواء في الشرق الأوسط أو في بقية أرجاء العالم ، متوحشة حتى اليوم ، وشعوب عصبية وثأرية ، وشعوب جاهلة ، وأخرى لاعقل لها ، وشعوب ثالثة في غاية الآدمية والإنسانية والتطهر والشفافية مثال الزرادشتية والإيزيدية والبوذية والهندوسية .
ثانياٌ : لنرجع إلى موضوع الحس ، لنرجع إلى قصة الفرقة السومنية وجهم بن صفوان ، لنرجع إلى موقف إبن تيمية من القصة ، حيث إنه يوافق على المبدأ والمنطلق لدى الفرقة السومنية ، من إن من لايحس لايوجد ، ويعيب على جهم بن صفوان موقفه ، ويجادل تلك الفرقة بالطريقة التالية : إذا كنتم تقصدون بالحس ، هو أن أحس أنا بكل شيء حتى يكون موجوداٌ ، أي أن يحس جهم بن صفوان ، ذاتياٌ ، بإله الكون كي يكون موجوداٌ ، فلا أعتقد إن هذا هو مبتغاكم . إما إذا كنتم تقصدون إن جماعة معينة أحست بالوجود الإلهي ، فأقول لكم بالإيجاب ، فالأنبياء أحسوا بالوجود الإلهي ، ولقد كلم موسى عليه السلام الإله تكليماٌ . إما إذا كنتم تقصدون ، وهذا هو الأصل ، إن شرط الوجود الإلهي هو أن يحس به ، فإن إلهي يحس به وسوف يرى يوم القيامة . وهكذا يرسم إبن تيمية القاعدة الجوهرية وهي إن شرط وجود الشيء هو أن يحس به ، إذن الأصل في هذه العلاقة هو الحس ، وهنا يمكن أن نكون إزاء خمسة إحتمالات ، إما أن نحس بالوجود الإلهي من حس هو خارج الحس البشري ، إما أن ندرك الوجود الإلهي عقلياٌ من حس هو خارج الحس البشري ، إما أن نحس بالوجود الإلهي من خلال الحس الباطني والمكاشفة ، إما أن نحس بوجوده من خلال الحس بالأثر ، إما أن نحس بالوجود الإلهي من خلال حسنا المرتبط بأعضاء الحواس . في الحالتين الأولى والثانية من المستحيل أن يتطابق حسنا وإدراكنا مع حس لانعرفه أصلاٌ ، لاندرك طبيعته ، لانعلم وجوده ، هو كالعدم العادم والمعدوم معاٌ . وفي الحالة الثالثة يختزل الأمر في النهاية إلى الطاقة الدماغية التي أشرنا إليها في حلقة سابقة ، وهنا تحديداٌ لايمكن أن يرتقي الحس الباطني إلى مستوى الحالة الإنطولوجية بمفهوم الوجود المستقل عن وعينا ، سيما وإن تصوراتنا مرهونة بهذا الوجود المستقل حسب إبن تيمية نفسه . وفي الحالة الرابعة يختزل الأمر إلى موضوع الخبر ، السمع في الآية الكريمة ، والخبر هو ليس علماٌ ولا معرفة . وفي الحالة الخامسة ثمة ثلاثة أوجه مختلفة ، الأول هو أن يرتهن إله الوجود في وجوده للحس البشري ، الثاني هو أن يخضع إله الوجود في كينونته للشروط الموضوعية للحس البشري ، ثالثاٌ هو أن يكون الحس البشري مقياساٌ كونياٌ ووجودياٌ معاٌ .
ثالثاٌ : لنرجع إلى الآية الكريمة ، والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئاٌ وجعل لكم السمع والإبصار والإفئدة لعلكم تشكرون ، إن موضوع لاتعلمون شيئاٌ لايتطابق مع قصة إبليس والملائكة مع آدم ، وعلم آدم الأسماء كلها ، وكذلك قول الملائكة ، لاعلم لنا إلا ما علمتنا ، والعلم هنا هي المعرفة القبلية ، هي المعرفة السابقة لأخرجكم من بطون أمهاتكم ، وإلا لتحولت تلك القصة إلى حالة غير معرفية ، إلى حالة مؤقتة ، إلى حالة إحتجاجية مقصودة .
رابعاٌ : رغم إن إبن تيمية قد أبدع في مفهوم الحس ، وأبدع في موضوع الدماغ ، وأبدع في إدراكه لحقيقة المعتقد ، إلا موضوع الخبر ، السمع في الآية الكريمة ، والله أخرجكم من بطون إمهاتكم لاتعلمون شيئاٌ وجعل السمع والإبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ، أضر مفهومه المعرفي لدرجة عميقة . فالخبر في جذوره وتأصيله نوعان ، نوع بشري ، نوع إلهي . والنوع البشري لايفيد إلا الإستئناس ، لإنه خارج سياق المنظومة المعرفية . والنوع الإلهي أي الخبر الإلهي وهو المرام هنا لدى إبن تيمية ، يخلق حالة ذات إشكاليات متفرقة ، من إن إله الكون هو الذي يشهد لنفسه إنه موجود ، من إن إله الكون يزعم إن هناك جنة ونار ، من إنه يقص علينا قصصاٌ مرتبكة ، وسنكتفي بسرد قصة الملك سليمان حسب النص الإلهي لنبين إن الخبر ، وهو هنا الخبر الإلهي ، هو خارج السياق المعرفي : يتفقد الملك سليمان الطيور والحيوانات ، ويلاحظ إن الهدهد غائب ، فيقول لأعذبنه ، وأذبحنه ، أو أن يأتيني بأمرعظيم ، فيأتي الهدهد ويقول لقد أحطت بأمر لم تحط به علماٌ ، إذ رأيت ملكة تحكم قوماٌ ، يسجدون للشمس دون إله الكون ، فيرسل الملك سليمان معه رسالة مضمونها ، ألا تعلون علي وأتوني مسلمين . لن نسرد كل القصة ، إنما نكتفي بالملاحظات التالية : الأولى كيف عرف الهدهد إنهم يسجدون للشمس ، هل يفقه لغة البشر . الثانية هل يفقه الهدهد كل اللهجات في المنطقة ، فلهجة أهل اليمن تختلف عن لهجة الملك سليمان . الثالثة كيف أدرك الهدهد إنهم أغنياء . الرابعة هل من المعقول ان يحرر الملك سليمان ، وهو الحكيم الرزين ، رسالة بجملة واحدة فقط ، ألا تعلون علي وأتوني مسلمين . الخامسة أما الملكة بلقيس ، فإنها تشاور مجلس الحكماء وترسل هدايا إلى الملك سليمان الذي يرفضها ، فهل هذا يناسب عظمة الملك سليمان ورجاحة عقله . السادسة أمن المعقول ان يأمر الملك سليمان بسرقة عرش الملكة بلقيس . السابعة أمن المعقول أن ينوي الزواج منها بهذه السرعة . والثامنة ، والتاسعة ، والعاشرة وأما القصة الحقيقية فهي موجود في إحدى أسفار التكوين ، قبل نزول النص الإلهي ، وهي على الشكل التالي : إن بلقيس ملكة سبأ سمعت بحكمة وعظمة ورجاحة عقل الملك سليمان ، فحبذت أن تزوره لتشاهد حقيقة هذه الأوصاف فيه بنفسها ، وجلبت معها هدايا تناسب مكانته ومكانتها ، فإنبهرت بكل ما رأت ، ورجعت إلى اليمن . وإلى اللقاء في الحلقة الواحدة بعد المائة .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول