في القسم رقم 21

عبد الغني سهاد
2020 / 11 / 10

في القسم 21..
_______
(وما الناس الا ما رأوا وتحدثوا
وما العجز الا ان يضاموا فيجلسوا
الم تر ان الجوان قد اصبح سيدا
تهيم به الايام ما يتأيس..
الجوان=طرفة حشيش ..لها لون التراب.من القنب الهندي وهي من سبل الولوج الى جنان النعيم الذاتي .ما يتأسس اي الذي لا يوثر فيه الدهر..يقول الشاعر..فليس الانسان كالجوان كالحشيشة او القش..حتى لا تؤثر فيه الايام ولكنه وان كان مغيبا حتى و لو كان في جنة عدن يبقى عرضة للحوادث والاحداث ولا ينبغي له ان يرضى ضيما العيش لفي الحياة..وقد يوجد تفسير اخر لما يقول الشاعر ولما لم يقله…)
_____
من صولات المعلم المسمى قيد حياته (ص) والذي يعد بلاجدال اضحوكة مؤسسة التربية ومسخرة نظام التعليم الفاشل في حقبة اجمع الكل على تسميتها بالحقبة الوطنية الزاهرة في التعليم والتكوين..في السبعينات من القرن المنصرم 20..لم اكن ادري ولازلت لاادري الى غاية هذه اللحظة كيف اصبح امثال المعلم (ص)يشغل هذا المنصب في التنشئة الاجتماعية ويتقاضى عليه اجره من خزينة الدولة التي هي من جيوب المواطنين وهو بدون تاهيل او تكوين..وفي مدينة كبيرة كانت لفترات طويلة عاصمة للممالك المتعاقبة على حكم البلاد .لا داعي لذكر الاسماء والمواقع..تلك الدول...والغالب ان تكوينه لم يتعدى الحضار او المسيد اوانه ولج المدرسة لن يكون قد تجاوز عتبة الشهادة الابتدائية..على اكثر تقدير..ففي دروسة سرعان ما يجد وسيلة لارباك الدرس واغراقه في الفوضى والجلبة..وبدون معرفة الاسباب..؟
الغالب كذلك ان تكوينه كان بئيسا في مادة اللغة العربية وهو يدرسها لتلاميذ الاعدادي والثانوي في مؤسسة تعليمية تحت اشراف الدولة الوطنية هذه الكلمة الاخيرة اضعها ما بين قوسين..او هلالين..وفي بداية السبعينات..من القرن المنصرم قد لا يفوق مستواه التعليمي الشهادة الابتدائية..مع حفظ بعض المتون من كتاب الاغاني لابي الفرج للاصبهاني ..اوشذرات من كتاب الزمخشري وعنوانه لا يعنيني في كل حال وكان فيما يكون في بداية كل حصصه يضرب اخماس باسداس..يخلط مابين مدخل الحصة ومخرجها..واحيانا يبدأ..من العرض اي وسط الموضوع..سنعود الى وصف المعلم الصفدي فيما هو ات..لكن الان نوضع ان معارفه قليلة لذلك كان يفتعل الازمات والمشكلات داخل حصته..وكثيرا ما كان يدعي انه يقرأ الناس من نظرة واحدة الى وجوههم..او من خلال متابعة قصيرة جدا جدا لحديثهم..
فالى جانب المامه المشكوك فيه باللغة يتباهى بمعرفته العميقة بعلم نفس الاعماق..واننا نحن تلاميذه لسنا سوى قطيع من الاغبياء..
جاء ليستفزنا..ويكدر عنا اوقاتنا..لا لشيء فقك لاظهار علمه وشطارته في الادب واللغو..ومهارته في تدريس الاجيال التي ليست من جيله والتي هي موسومة بالغباء والكسل والقصور العقلي..جيل الكلخ..جيل الجهلاء..لا يدرك حاصل ضرب 5 في 5..فهو يجد الحصيلة انها 5...وليست 25..يردد معادلته الاستعلائية وهو يضحك منا ...5×5=5..
وهو يتمادى في السخرية من الفصل والتلذذ بنعته بكل الصفات السيئة ..جيل البلادة والغباء والكسل..!!
المعلم ص في جسمه قصيرا أصلع الراس عيونه عمشاء وضيقة..ومن جسده المكوم كالقش تنبعث روائح عطن الحمير..كان قوته اليومي ينحصر على خبز الشعير..غالبا ما يرتدي لباسا أوروبيا أنيقا ..اي بدلة عصرية نسميها كوستيم..من لون أسود غامق.بربطة عنق بخطوط حمراء وكنزة بيضاء ناصعة الا من العنق حيث تظهر فوقها الاذران السوداء.وكان لا يتوقف عن حك عنقه..القصير..المهتوك على الدوام..وشكل صلعته شديد الغرابة و لا علاقة له بصلعة أبقراط..ولا سنطيحة سقراط..لا هذا ولا ذاك..احدنا من تلاميذه تخيل انه اي المعلم الصفدي حين سقط من رحم أمه..غفلت عنه حينها بعض الوقت..لحست بقرتها الوحيدة الجائعة.. قنة رأس الصبي.،لحسة قوية ..فنكست شعره ينمو في جهات وينعدم في اخرى…..واخر من التلاميذ تخيل انه اي المعلم الصفدي قد تعرض في صغره إلى عملية توطين خرائطي خاطئ على قنة رأسه..ومن قام بهذه العملية على راسه لم يكن خبيرا بعلم التوطين ..فظهر راسه بهذه الفظاعة في الهندسة والشكل..
المعلم الصفدي يقضي جدول حصصه في القاعة رقم 21.،وهو لا يدخل المؤسسة من بابها الرسمي..ولكنه يفضل التسرب اليها من الباب الخلفي،،محشرامع التلاميذ..ممتطيا على دراجته الحمراء الرياضية..الكورس،.التي تشبه دراجات المسابقات الكبرى..مقودها اعوج الى الأسفل..وعجلاتها نحيفة وصغيرة.. يدحرجها أسفل نافذة قسمه رقم 21.،ومن النافذة يدخل الى القسم 21..من عادته ان لا يسجل الغياب في ديوانه لخاص وان لايحضر معه جدادات الدروس او ورقات تحضيرها..كل دروسه حلقية وارتجالية ،،و لا يتصل بتاتا بموظفي الادارة التي لا يعرف عنها شيئا..…
عندما تراه يدخل ويخرج من القسم 21 تعتقه هو طان طان..لا يتقصه سوى الكلب الابيض الكي وخيوط مغامرة البحث عن الكنز….!..
كنا في خصصه نكاد لا نشبع من الانحشار في المغامرات اللا متناهية والتي لا هدف لها..كان يصنع المغامرة ولا يعرف طريق التحكم فيها..وبذلك تتناسل المغامرات الصغيرة من المغامرة الام..
مثلا كان التلميذ خاني وهو اسمه الحقيد فقيرا معدما لايفارقه لباس جلباب بني عليه بقع اوساخ من زيت وفحم وسخام..وكان ذكيا في حفظ اشعار ديوان الحماسة..لصاحبه الشاعر المعروف..وعيبه الوحيد في قراءاته لعذا الشاعر هو التمتمة..كان خاني يخاف من ردات فعل المعلم غير المتوقعة..كلما تمتم التلميذ صاحب الجلباب الوسخ كان الفصل يضج بالضحك..تتبعه ضربات عنيفة بكلتا يدي المعلم على طاولته..امرا بالسكوت والمتابع...واصل...واصل يابني…!..ويواصل خاني القراءة..كان المعلم لايسمع استظهاره..بل يراقب حركاته كل حركاته ويتامل بدقة في ملابسه اي اسماله..وبغثة وقف وراء منضدته وتناول غراف الشرب بالقرب منه وقذفه في وجه خاني..تدفق الماء وتكسر الغراف..على جدار القسم..وساد الصمت بعد ضربة الغراف على الجدار..طيعا لا احد حينها عرف السبب..ولن يكون خطا في الاستظهار..اوارتباك فيك..دب الخوف والذعر في القسم..تحول التلاميذ كلهم الى اذان لاقطة لاي صوت...لكن لاصوت غير صوت المعلم…
الذي صاح في خاني...اسمع ايها الحشرة...غدا تشتري غرافا جديدا وتاتيني به..لكي اكسره على وجهك مرة اخرى...؟..طأطأ خاني راسه مواقفا...وزاد المعلم المنيوك..معلم الادب واللغة العربية...ولا تعد حين تستظهر شعرا...الى الاستمناء...ظن المعلم ان التلميذ خاني كان يلهو بقضيبه من اسفل الجلباب...النهاية ارتباك كبير في الحصة..وحين رن جرس الاستراحة...خرج خاني مهرولا..ومن ذلك اليوم ..يوم الغراف..لم نعد نرى خاني...في المؤسسة…
عندما كان المعلم يحكي بطريقة مقززة..ومتقطعة بعد طرائف هارون الرشيد مع جواريه..وكانت تلك الطرايف تجلب الانتباه لما فيها من فحش وقلة حياء..وحتى مروق عن الدين..واستهتار بالحكم والسياسة عند العرب...تململ التلميذ البهلة قليلا في مقعده الذي كان مقابلا للمعلم الغارق في الحكي..اقترب المعلم من مثعد البهلة وكانت عيونه حمراء نائمة يتابع الحكي ويبتسم في وجه معلمه.لعله كان يعطي الدليل على اهتمامه واستغراقه في متاهة الحكاية.،.لم يفق منها سوى بصفعة قوية من المعلم على خده الايمن...وصاح فيه.
محشش ثاني..يا ابن ...؟..
قفز التلميذ البهلة من مقعده..تسمر واقفا يستعد للعراك ..
ومال ربك….عاود ثاني..؟..
و ربما قال ..لدين امك..جاك حماقك ثاني ..؟
اووربما قال كلاما اخر شبيه في تطرفه وقسوته لهذا الاسلوب الغضوب..مادام الجميع صمكته اصداء الصفعةالقوية في ارجاء القسم رقم 21..وراى قوة الصفعة في احمرارها على خد البهلة التلميذ الكتوم.المدمن على شرب الحشيشة..امام باب المؤسسة وبين اجنحة الاقسام..لكنه لم يكن يعرف سبب الصفعة ولا نحن كنا نعرف..دواعيها..!..هكذا ادمجها المعلم ف حكايته عن فجور الحكم وصبياية الحكام عندنا..التلاميذ اصدقاء البهلة واعداءه..اكدوا على انه بريء..وانه قدظلم...ولم يكن يقصد ..حين قال للمعلمه ..لربك..انه يطعن في الخالق..وانه لا صلة له بالعدمية والالحاد..وهو يكره الضيم والاحتقار….كيف له ان ينعت بالكفر..وهو يداوم على الصلاة..وعيبه الوحيد في فتل الجوان..وشرب الحشيشة..وهو ابن تاجر كبير للبن في سوق المدينة المركزي...غادر البهلة القسم 21..وهو يشتم ويلعن كل شيء.بكلام غيرمقهوم..وكان المعلم ص..يركن صامتا في مقعده..يتابع ما صنعت حكايته بالفصل..الذي تحول الى امواج عاتية من زهيق..ونهيق..وصفير..وضرب على الطاولات..وركل لارجلها...واخر ما قاله..البهلة وهو يصفق باب القاعة 21..
والله لا بقات فيك.. على برا نتلاقاو..؟..
اوا الحماق هذا واحد كان تيسمع انتباه..وكان جزاؤه صفعة قوية على خده..اوا الحماق هذا..احدهم خلص الى هذا التعليق ..وكان كل التلاميذ يعلقون بتعليقاتهم القريبة من هذا المضمون..بمعنى ليست هناك اسباب ما تبرر حماقة هذا المعلم…!..
في برهة غير متوقعة من الجميع..يتحول الى شيطان اثم ومسيطر..كان البهلة يهدده وهو بارد ثابت وراء مكتبه ينظر الى النافذة..لعله كان يفكر في الفرار..منها الى خارج القسم 21..فهو لا يغادر القسم من بابه الرئيسي .كما يفعل كل المعلمين..بل يقفز من اقرب نافذة الى الخارج..ليجد دراجته..الحمراء تنتظره..ليمتطيها..ويختفي عن الانظار..!،،
وعندما دق جرس انتهاء الحصة..قام كعادته بالقفز من النافذة..لكنه ظل متسمرا ينظر الى كل الجهات..لعله يعثر على دراجته الرياضية الحمراء…
فلم يجدها..قيل ان البهلة سرقها منه..وقيل ان الادارة حجزتها ووضعتها في مستودع الدرجات والسيارات..وقيل انه نسيها ذلك اليوم في بهو منزله...لكن هذه الاقاويل كلها لا تتوفر على ادلة لاثباتها..
.….

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير