هل الديمقراطية حتمية تاريخية؟

رابح لونيسي
2020 / 11 / 9

ظهرت فكرة الحتميات التاريخية في القرن19 نتيجة لفلسفة التاريخ التي حاولت معرفة الحركية التاريخية وإستخراج قوانينها وأين تسير؟، ويعد أول من أستخدمها هو الفيلسوف الألماني هيغل الذي يرى أن الحرية هي روح التاريخ، وأن مصير الإنسان يتجه إلى تحقيق الحد الأقصى للحرية، ولهذا رحب بدخول نابليون بونابرت إلى ألمانيا معتقدا انه يحمل معه فكرة الحرية التي سعت الثورة الفرنسية لتجسيدها في 1789.
ومن هيغل أخذ الأمريكي ذو الأصل الياباني فرانسيس فوكوياما الذي قال بعد سقوط الإتحاد السوفياتي وإنهيار الشيوعية في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" بأن الليبيرالية بشقيها السياسي المتمثل في الديمقراطية والإقتصادي المتمثل في الرأسمالية وإقتصاد السوق هو حتمية تاريخية، وأن تاريخ الأفكار قد أنتهي بهذا الإنتصار، وأن كل شعوب العالم تسير إلى تحقيق ذلك، ويستند في ذلك على هيغل الذي يرى أن الحرية هي الهدف الأسمى الذي يصبو إليه الإنسان والمجتمعات، وبأنها ستنتصر في الأخير، لكن يرى فوكوياما أن الليبرالية بشقيها(الديمقراطية والرأسمالية) ستجد مقاومات من بعض الأيديولوجيات التي يعتبرها فاشية وشمولية، ويذكر من ضمنها الأيديولوجية الإسلاموية، لكن تخلى فوكوياما تدريجيا عن بعض هذه الأفكار فيما بعد، وتراجع عنها لما لاحظه من عدم تطور الإنتشار الديمقراطي كما كان يعتقد، فمثلا الروس تذمروا من ديمقراطية إيلتسين التي أنتجت فوضى ورجال مال فاسدين يتحكمون في كل دواليب الدولة، فتراجعت بذلك الديمقراطية في هذا البلد بشكل كبير، وفضلوا صرامة فلاديمير بوتين على فوضى يلتسين وغيرهم من الديمقراطيين الروس، ولاحظ نفس الأمر في الصين الشعبية التي بدل ما تتجه إلى نظام ديمقراطي، فأنها حققت نموا إقتصاديا كبيرا جعلها من ضمن الدول الإقتصادية الكبرى في العالم، لكن بنظام أحادي وغير ديمقراطي، فقد جمعت بين الليبرالية الإقتصادية أو إقتصاد السوق دون ديمقراطية، فكاد أن يصبح النموذج الصيني نموذجا ناجحا تسعى الكثير من الدول للإحتذاء به، لكن علينا أن نشير ان الصين بقدر ما هي قوة إقتصادية كبيرة إلا أنها لاتسودها العدالة الإجتماعية كما يعتقد البعض، فهناك تفاوت إقتصادي كبير جدا بين الأفراد والمنطق داخل الصين، وهو ما يمكن أن يفجرها من الداخل مستقبلا، مما يطرح أمامنا كما سنتطرق إلى ذلك فيما بعد أولوية العدالة الإجتماعية في نجاح أي مشروع ديمقراطي أو تنموي، والذي نراه شرطا ضروريا لنجاحه، فمنذئذ اهتم فوكوياما بتتبع تطور الأنظمة السياسية وجذورها في كتاب من عدة أجزاء حول ذلك عنوانه "جذور النظم السياسية"، فأصبح يأخذ الخصوصيات الحضارية والثقافية بعين الإعتبار في أي عملية بناء للنظام السياسي، فأصبح يرى أن نشأة الأنظمة والقوانين وتطورها ليست بنفس الطريقة بسبب إختلاف جذور نشأتها، ولهذا فلايمكن القيام ببناء ديمقراطي بنفس الأسلوب والطريقة في كل الدول التي تختلف ثقافيا وحضاريا.
ويذهب صموئيل هنتنغتون نفس منحى فوكوياما تقريبا بحديثه عن موجات الديمقراطية منذ الديمقراطيات الأولى في أمريكا وفرنسا وبريطانيا مرورا بموجات أخرى وصولا إلى إسبانيا والبرتغال ثم أمريكا اللآتينية وأوروبا الشرقية، كما تتبع كل عمليات الإنتقال الديمقراطي في مختلف هذه الموجات، وحللها بشكل مستفيض، فهو يرى بأن هذه الموجة، ستصل إلى كل شعوب العالم بما فيها العالم الإسلامي، بالرغم من أن هنتنغتون يتتبع بدقة وحذر منذ فترة بعيدة تطور الأنظمة السياسية والتي لخصها بشكل أكاديمي رائع في كتابه "النظم السياسية في مجتمعات متغيرة"، لكن السؤال المطروح هو لماذا لازالت عدة بلدان في أفريقيا والعالم الإسلامي، وكذلك آسيا الوسطى غير قادرة على أي إنتقال ديمقراطي وكل المحاولات لتحقيق ذلك فشلت في هذه الدول؟.
نعتقد ان هذه الدول هي الدول التي يسودها العصبيات القبلية والدينية والطائفية واللسانية والجهوية وغيرها بشكل كبير، وكلما حاوات تحقيق إنتقال ديمقراطي صعدت كل هذه العصبيات لتقضي عليه في المهد، وتحول كل عملية إنتقال إلى حروب أهلية دموية تضيع فيها الدولة بشكل أو بآخر، فهذا ما عشناه مع ما يسمى ب"الربيع العربي" في 2011، وعاشته الجزائر قبلهم بعد 1988، فللعلم، فأن الجزائر قد سبقت أوروبا الشرقية وغورباتشيف ذاته في محاولات إنتقال ديمقراطي تدريجي، وكذلك الإنتقال إلى إقتصاد السوق بقيادة الإصلاحيين، وعلى رأسهم مولود حمروش واضع مشروع الإصلاحات التي دعمها الرئيس الشاذلي بن جديد، بل بدأ حتى التفكير آنذاك في تعددية حزبية بإبراز ثلاث أحزاب من داخل رحم الحزب الواحد حزب جبهة التحرير الوطني، أحدها يميني وآخر يساري وثالث وسطي، أي أحزاب مبنية على أساس توجهات إجتماعية وإقتصادية، فلو سارت الأمور بشكل طبيعي، لكانت الجزائر قد قطعت اليوم خطوات عملاقة في المجال الديمقراطي، ولتجنبت عشرية دموية سببها إسلامويون متعطشون للسلطة، وتم توظيفهم من أعداء الإصلاحات آنذاك للإطاحة بحمروش وإصلاحاته التدريجية، فكانت الخطوة الأولى هي تفجير المحافظون الرافضون لتلك الإصلاحات أحداث أكتوبر1988، مما جعل عملية الإنتقال الديمقراطي تتم بسرعة آنذاك بدل التطور التدريجي والمدروس، فرافقتها إنزلاقات أدت إلى ما أدت إليه، ومنها إعتماد أحزاب مبنية على العصبيات الدينية آنذاك طمعا في إحتوائها، ولا تتحول إلى العنف، لكن رغم ذلك لم ينج خطابها من العنف، بل تم إستخدام الفيس من المحافظين للإطاحة بحمروش فيا بعد قبل أن ينقض هؤلاء على الفيس ذاته، أنها مفارقة غريبة، ونعتقد أن الحراك الشعبي في الجزائر يتكرر معه نفس المناورة والعملية، فهو يدفع دفعا ذكيا من أعداء أي إصلاح ديمقراطي في الجزائر للإطاحة بكل من يسعى تدريجيا لإدخال إصلاحات ديمقراطية تدريجية ومدروسة في الجزائر، فكم صعب جدا عندما يتحول أناس لايفهمون الرهانات القائمة ومختلف الصراعات، وتحركهم العاطفة، فيتحولون إلى أداة في يد خصومهم، ليقضوا بهم على من هم حلفائهم داخل النظام ذاته.
فلاداعي لتكرار نظريتي المعروفة التي تستهدف ضرورة تحضير أرضية صلبة للديمقراطية في مجتمعاتنا التي يغلب عليها العصبيات المختلفة المعرقلة لكل إنتقال ديمقراطي، ومنها ضرورة القيام بثورة ثقافية وتعليمية جذرية، وكذلك ثورة صناعية تغير البنية التحتية المتمثلة في قوى الإنتاج التي بدورها تغير البنية الفوقية المتمثلة في شكل الدولة والذهنيات والثقافات، وذلك وفق نظرية ماركس للتغيير المبنية على تغيير البنية التحتية التي ستغير بدورها البنية الفوقية، وبذلك فقط ندخل مرحلة رأسمالية وطنية تدور حول الذات، وليست تابعة للمراكز الراسمالية، مما سيؤدي حتما إلى إنتشار قيم الديمقراطية والمواطنة بقوة في المجتمع كما حدث في أوروبا القرن19 بعد قيام ثورتها الصناعية (أنظر في ذلك مثلا مقالتنا: شروط الثورة الديمقراطية بين ماركس وبن خلدون" في الحوار المتمدن عدد5888 بتاريخ 30ماي2018).
وفي الأخير نقول أنه لعل قد غاب عن الكثير بأن بعض بلدان منطقتنا عرفت ديمقراطية نسبية قبل الخمسينيات، ومنها مصر الملك فاروق أين سادها نظام تعددي نيابي، وسادت الحريات وكذلك في عراق العائلة الملكية لفيصل أول ملك للعراق الحديث، ونجد نفس الأمر في سوريا بعد الإنسحاب الفرنسي، وكذلك لبنان بحكم التأثير الفرنسي أيضا، وكانت توصف بسويسرا العرب، لكن أنتهت كل هذه التجارب الديمقراطية لسبب رئيسي أنها لم تكن مرفوقة بعدالة إجتماعية وتوزيع عادل للثورة، وهو ما سمح لأعداء الديمقراطية والأيديولوجيين الشموليين الإنقضاض عليها شيئا فشيئا بواسطة إنقلابات عسكرية رحبت بها الشعوب، لأنها حملت شعار تحقيق العدالة الإجتماعية، فهذا يجرنا إلى القول أنه لايمكن نجاح أي بناء ديمقراطي دون ربطها بالتنمية وتحقيق العدالة الإجتماعية، ونعتقد أن تونس التي يفتخر بتجربتها البعض اليوم ستعرف نفس مصير الفشل الديمقراطي في السنوات القادمة لأن المستفيدون الوحيدون من نظامها هم جزء قليل جدا من النخب المهمشة في الماضي التي صعدت إلى السلطة، ومس الكثير منها الفساد، لكن أغلبية الشعب يعيش في فقر وراءه فقر، ومل من النقاشات السياسية التي لاتعطيها الخبز، وهو ماجعل الكثير منهم يحنون إلى نظام بن علي.
أن نجاح أي عملية ديمقراطية يشترط فيها بناء أرضية صلبة لها في المجتمع يدافع عنها، ويحميها وضرورة القضاء أو على الأقل إضعاف مختلف العصبيات التي تحول أي محاولة إنتقال ديمقراطي إلى حروب أهلية، بل حتى الإنتخاب لايتم في ظل هذه العصبيات على الكفاءات والبرامج، بل على أساس هوياتي وطائفي وديني وجهوي وقبلي، كما يعد ربط الديمقراطية بتوزيع عادل للثورة شرط أساسي لنجاحها وتطورها في المجتمع، ويشترط قبل هذا كله دولة قوية تضرب بيد من حديد كل من يتجاوز القانون، ويزرع الفوضى، فلو كانت الدولة قوية في جزائر ما بعد1988 لما سمح للفيس أن يتأسس، ولا أن يتحول إلى غول مخيف يريد فرض مفاهيمه الخاصة للدين على الجزائريين، وما أنجر عن ذلك من تكفير للمجتمع دفع به الجزائريون ثمنا باهظا، وهو ما يسعى لإخفائه اليوم على جيل الشباب الذي لم يعش تلك الفترة، بل هناك حتى بعض "الديمقراطيين" يعملون على تبييضه للأسف الشديد طمعا في تحالف ظرفي يسقطون به النظام مع الهروب من مواجهة أنفسهم بالسؤال الرهيب: ماذا بعد ذلك؟.