تعديل القوانين بين مزاج المشرع وضرورة التشريع

سالم روضان الموسوي
2020 / 11 / 8

المشرع العراقي الممثل الآن بمجلس النواب، طالما عودنا على سرعة تعديل القوانين التي يشرعها، وأصبحت تشكل ظاهرة تشريعية ، حيث شرع مجلس النواب عدة قوانين ثم عدلها بتشريعات لاحقة في فترة زمنية لا تتعدى الشهر الواحد ، وهذا يؤشر لنا عدة أمور منها الآتي :
1. إن المشرع العراقي لا يملك إستراتيجية تشريعية تبنى في أول انعقاد لمجلس النواب على أساس الأهداف الانتخابية التي كانت سبب اختيار الأعضاء فيه عند خوض الانتخاب، لذلك ترى إن المجلس يحاول أن يكون رد فعل للأحداث التي تصادف فترة انعقاده ، ومثال ذلك تعديل قانون انتخابات مجلس النواب العراق رقم 45 لسنة 2013 حيث تم تعديله ثلاث مرات في سنة واحدة التعديل الأول كان بموجب القانون رقم 1 لسنة 2018 في 22/1/2018 والثاني رقم 2 لسنة 2018 في 11/2/2018 ونشر في الوقائع العراقية بتاريخ 12/3/2018 والثالث برقم 15 لسنة 2018 في 17/9/2015 والآن تم تشريع قانون جديد بديل عن القانون السابق، ومعظم أسباب التعديل كانت تتعلق بمزاج المشرع العراقي وليس لأسباب تدعوا لها الحاجة، حيث لاحظنا إن تلك التعديلات كانت لغرض معالجة خسارة بعض النواب لمقاعدهم تحت عنوان تامين اكبر قدر من النزاهة الانتخابية التي ثبت فشل معالجة الفساد فيها بموجب تلك التشريعات، لأنها كانت لأغراض شخصية وفئوية وحزبية ضيقة، وهذا من نتائج انعدام الإستراتيجية التشريعية التي يقصد بها خطة الجهة المختصة بالتشريع نحو تطبيق السياسة العامة العليا بمجالاتها المتنوعة كالسياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال التشريعات التي تضعها.
2. القوانين التي تصدر لمنافع ومزايا خاصة وليس عامة حصلت إجماع بحضور جميع الأعضاء وبوقت قياسي بينما في القوانين التي تتعلق بتقليص هذه المزايا أو إلغائها وضعت العراقيل وعطلت أو صدرت بتعمية لا تمثل حقيقة مطلب الجماهير ويستدل بذلك على غلبة السلوك النفعي الشخصي والغاية المغنمية في ولوج عالم السياسة على غاية النفع العام وشرف التكليف القانوني والشرعي ويطلق عليه أهل الفقه الديني (الرياء) ويحضرني قول علي بن أبي طالب عليه السلام (إن يسير الرياء شرك).
3. المجاملات في الاستجابة لطلبات السلطات الأخرى، عندما تستجيب لطلباتها التي تخالف النصوص الدستورية، إلا أن المشرع يعمد إلى ارتكاب المخالفة الدستورية بالاستجابة إلى طلبات سلطة ما أو جهة معينة من اجل ضمان تمرير المنافع عبر هذه الجهات.
4. وأسباب أخرى يمكن للمراقب ان يلحظها ومنها ان المشرع يعمد إلى احتواء السخط الشعبي من جراء حالة معينة، ومثال ذلك العملية الانتخابية والاحتجاجات التي ظهرت في العراق من اجل تغيير الآليات التشريعية، فكان المشرع العراقي يبحث عن حل يقلل من الضغط الشعبي، والتشريع وسيلته في ذلك دونما الالتفات إلى الثوابت الدستورية، وإنما كان الغرض واضح للاحتواء من اجل البقاء لمدة أطول في الموقع التشريعي أو المنصب الوظيفي.
وهذه الأسباب تمنح المراقب فرصة الاعتقاد بان سياسة التشريع في العراق تعتمد المزاج التشريعي في تشريع القوانين وليس عبر البرنامج التشريعي أو السياسة التشريعية التي يعبر عنها بالإستراتيجية التشريعية، وهذه المزاجية التشريعية تتسبب في وقوع المخالفة الدستورية، ومثال ذلك ما يسعى إليه مجلس النواب في هذه الايام لتعديل قانون الإشراف القضائي رقم 19 لسنة 2016 وكذلك قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017، وان مسودة المقترحات التشريعية للتعديل التي اطلعت عليها من خلال بعض الأفاضل في المنظومة التشريعية، تشير إلى سعي مجلس النواب لتشريع تعديلات على هذه القوانين وفي مواد قانونية تتعلق بهيكلية هيئة الإشراف القضائي ورئاسة الادعاء العام، ومن بينها جعل الادعاء العام جزء من مكونات مجلس القضاء الأعلى وكذلك هيئة الإشراف دون الالتفات إلى أن ذلك يتقاطع مع النصوص الدستورية النافذة، لان الدستور جعل من هيئة الإشراف القضائي ورئاسة الادعاء العام من مكونات السلطة القضائية وليس من مكونات مجلس القضاء، وإنها تتساوى معه في المركز الذي حدده الدستور، وهيئة الإشراف القضائي توازي مجلس القضاء الأعلى في التشكيل والمركز القانوني، وكذلك بالنسبة للادعاء العام، وعلى وفق نص المادة (89) من الدستور التي جاء فيها الآتي (تتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الاشراف القضائي، والمحاكم الاتحادية الأخرى التي تنظم وفقا للقانون)، كما إن مجلس النواب الموقر لربما لم يلتفت إلى أمر آخر مهم يتعلق بالمواد في القوانين المراد تعديلها، حيث قضت المحكمة الاتحادية العليا بان هيئة الإشراف القضائي ورئاسة الادعاء العام هما جزء من مكونات السلطة القضائية وليس جزء من مكونات مجلس القضاء الأعلى وان وجود رؤساء هيئة الإشراف ورئاسة الادعاء العام في مجلس القضاء الأعلى، فأنهم يمثلون للهيئة في المجلس وليس لأنهم جزء من المجلس، وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 136 وموحداتها 137/اتحادية/2017 في 5/2/2018 ، وبموجب هذا الحكم القضائي الملزم والواجب الإتباع على وفق أحكام المادة (94) من الدستور، فان أي تعديل للنص الحالي يمثل مخالفة دستورية من حيث الموضوع لان المادة (89) من الدستور اعتبرتهما جزء من السلطة القضائية وليس جزء من مكونات مجلس القضاء، كذلك من الناحية الإجرائية فان التعديل إن تم تمريره فان فيه مخالفة لنص قرار المحكمة الاتحادية العليا المشار إليه آنفاً ، كما ان مجلس النواب كان عليه ان يستمزج رأي الجهة القضائية المختصة الممثلة بمجلس القضاء الأعلى وهيئة الاشراف القضائي ورئاسة الادعاء العام للوقوف على ما لديها من أفكار تجاه ذلك لا أن يعتمد على ما يراه هو وان كان يملك الخيار التشريعي، لكن المقتضى الدستوري يشترط إشراك الجهة المعنية بما يتعلق بقوانينها.
و أرى إن أي تعديل لابد وان يكون لأسباب موضوعية تمثل الضرورة التي دعت الى تشريع القانون وهو ما يسمى بالضرورة التشريعية ومنها الآتي :
1. أن تكون غاية التعديل سد فراغ تشريعي، بينما في موضوع هيئة الإشراف القضائي يوجد نص نافذ وفاعل وينسجم وحكم الدستور والدليل على ذلك إن مقترح التعديل هو لتعديل نص وليس لإنشاء نص قانوني.
2. أن تكون غاية التعديل تلافي مخالفة دستورية في نص قانوني يتقاطع مع نص دستوري، وفي القوانين محل البحث نجد إن النصين المستهدفين بالتعديل هما على وفق مقتضى الدستور وان المحكمة الاتحادية العليا قضت بدستوريتهما، وبذلك ينتفي الغرض من موائمة النص مع الدستور لأنه أصلاً يتفق وصحيح القول تجاه النصوص الدستورية.
3. أن تكون غاية التعديل هو إنشاء نص قانوني ينسجم وخيار المشرع في تعديل القانون، وهذا صحيح، لكن خيار المشرع في ذلك محدد بوجود السبب الدافع للتعديل، فإذا كانت النصوص القانونية تنسجم وحكم الدستور ولا تؤثر على مسيرة المؤسسة التي تنظم أعمالها ، ولا توجد مشكلة يتعرض لها المواطن من وجود هذا النص لأنه أصلاً يتعلق بهيكلية المؤسسة وليس بحقوق المواطن، فان المبرر للتعديل في ضوء الخيار التشريعي غير متوفر، وإنما يثير الشك نحو انحراف المشرع عن غاية الدستور تجاه تحقيق منافع شخصية وغايات سياسية، وهذا ما يسمى بالانحراف التشريعي الذي يكون من أسباب الحكم بعدم دستورية النص القانوني.
لذلك أرى أن يعمل المشرع العراقي على الاستعانة بذوي الاختصاص وان يشرك السلطة القضائية بأي نص يتعلق بالقوانين التي تنظم عمل مكوناتها وان لا يتفرد بذلك ، وإنما استمزاج رأي تلك السلطة سيوفر الكثير على المشرع من اجل إصدار نص تشريعي ينسجم وحكم الدستور، وان يبعد عنه شبهة المزاجية في التشريع وان تكون الضرورة التشريعية هي الحاكمة في عملية التشريع.
قاضٍ متقاعد