معركة بنزرت: ملحمة وطنية؟ أم مؤامرة داخلية؟

عزالدين بوغانمي
2020 / 11 / 8

لا أتّهم الناس جزافا. ولكني أوصّف واقع الحال للأسف.
أحيانا أدخل صفحة أحد الأصدقاء المهمين من جهة مشاركتهم في صناعة الرّأي العام. وأقرأ ما يكتبون حول قضايا وطنية خطيرة، لها علاقة بوحدة التّوانسة، أو بمصيرهم، أو بتاريخهم المشترك، فأجزّ على أسناني من الغيظ؛ والمرارة والشعور بالخيبة أمام استسهال تكرار المغالطات والأكاذيب دون بحث دقيق في حقائق الأمور..
إن هذا الكسل الفكري، وتشويه التاريخ الذي أصبح رياضة شعبية في تونس، خلق سياسيين يعانون قصورا سياسيا وأخلاقيا في نفس الوقت. وأصل الدّاء هو التعطّش للمناصب، واللهث وراء المكاسب الصغيرة. وهذا أدّى إلى عملية إعدام متعمّدة لإمكانية قيام استراتيجية جامعة ومشروع وطني عقلاني، قائم على الشراكة والتفاهم والتعاون من أجل تغليب مصلحة البلاد ومصلحة التوانسة على أي مصالح ضيقة ذاتية أو فئوية.
مرّة أخرى نقول بشكل قطعي ويقيني، لا توجد إمكانية للتحرك خطوة واحدة إلى الأمام دون حوار وطني ينتهي بإجماع النخبة حول المشترك. وهذا يتطلب كثيرا من النزاهة الأخلاقية تساعدنا على معالجة قضايانا الكبرى خارج مربع الانفعالات والأحقاد. ولكن مع الأسف الشديد، تستمرّ المأساة، بحيث كلّ فريق متمسك بسردية التآمر وتخوين الآخرين أو تكفيرهم وتشويه التاريخ والوقائع.
ليس هنالك إجماع تونسي حتى على رفض الغرق الجماعي، فما بالك على قراءة التاريخ بشيء من الموضوعية وإنصاف الموتى. من الإسلاميين، إلى القوميين، إلى البعثيين، إلى اليسار، إلى الدساترة. الكلّ يسعى لتصنيع تاريخ على قياسِهِ وهواه.
الإسلاميون عاجزون عن تجاوز محنتهم، ويفتقدون لأي نظرة وطنية، وإيمانهم بالجمهورية منعدم، وولاؤهم للخارج فظيع ومزعج. والدّساترة عندهم عجز عن مراجعة الذات لا يتوقّعه عقل. وهم مصرّون على الغطرسة والعنجهية التي أوصلتهم وأوصلتنا إلى الكارثة. وبقية الطيف متقاعسين ومتهرّبين من المسؤولية، ويعانون من عاهة التقوقع التي حرمتهم من العمل الجبهوي على أساس الأدنى المشترك. بل ومنغمسين في الأقاويل السطحية والشتائم معتقدين أن تلك الذهنية المريضة هي الفكر والعقيدة الثورية. وبالمناسبة، ليس صحيحا أن النخبة الحداثية أكثر ديموقراطية ولا أوسع خيالا ولا أكثر وطنية وحبّا للشّعب من خصومها. بل إنها أكثر صبيانية وأشد إقصائية وأكثر غرورا وجُبنا وعجزا عن فهم الناس ومخاطبتهم.

تابعت من هذه المواقف القائمة على الاتهامات الجاهزة، قراءة بعض السياسيين والإعلاميبن لمعركة بنزرت جويلية 1961. والنتيجة، هنالك رأيان:
رأي تمجيدي بائس ينقل أساطير ربّانية وقدرات خارقة للرئيس بورقيبة.
ورأي ترذيلي يُردّد أكاذيب ويرمي الرجل باتهامات هي عار على تونس وشعبها. من ذلك أن معركة الجلاء هي مجرد خطة خبيثة رسمها بورقيبة للتخلص من خصومه !
يعني تفكير شبيه بحديث صعاليك مقاهي لا أساس له ولا قرائن ولا معنى.

اعتراضا على هذه القراءات، رأيت من واجبي وضع المعركة في سياقاتها التاريخية والسياسبة والعسكرية، في محاولة لرصد أسبابها ودوافعها، ريثما أشارك ولو قليلا في تصويب الفهم لدى ضحايا سرديات التخوين والاتهامات الباطلة.

بنزرت مدينة ساحلية، تحتل موقعا استراتيجيا في البحر الابيض المتوسط ، وهذا ما جعلها محلّ أطماع الغُزاة عبر التاريخ، ومنهم الفرنسيس خاصة منذ احتلال الجزائر سنة 1830.
والحقيقة أنّ بنزرت ظلت دائما ضمن الأهداف الاستراتيجية للعقل العسكري الفرنسي طيلة الخمسين سنة التي تلت سقوط الجزائر، فهي رأس البحر الأبيض المتوسط للضفة الجنوبية، وهي كلّ غرب صقلية. ولأنّ التاريخ والسياسة أبناء الجغرافيا، كانت لبنزرت علاقة هامة بالجزائر في الاحتلال وفي التحرير على حدّ السّواء. وقد تجذّرت تلك العلاقة، خلال الثورة التحررية (1954-1962) ، وعرفت تطورات على كافة المستويات والمجالات.
ففيما تمثّلت هذه العلاقة؟
وما هي أسباب معركة بنزرت؟
وهل كانت غاية فرنسا مطار سيدي أحمد؟ أم الصحراء الجزائرية؟

1/ الجالية الجزائرية في بنزرت.

بعد 1830 اندلعت انتفاضات وثورات في المدن والقرى والأرياف الجزائرية. الا أن المستعمر واجهها بسياسات الإبادة والأرض المحروقة التي كانت سببا في هجرة ألاف العائلات الجزائرّية إلى البلاد التونسية، ومنها مدينة بنزرت، بحيث تشير الإحصاءات التي قامت بها الإقامة العامّة الفرنسية عام 1936 إلى أن الجالية الجزائرية تمثل 13% من سكان مدينة بنزرت(1)

2- بنزرت في الاستراتيجية الفرنسية قبل 1954.

بُحكم موقعها، أصبحت بنزرت تحتل موقعا هامّا في الاستراتيجية العسكرية الفرنسية؛ بل لعلّها كانت أحد أسباب احتلال تونس سنة1881، وقد قال "جول فيري" "Jules Ferry "، وهو يتفسّح على ضفاف بحيرة بنزرت يوم 23 أفريل 1887، «إن هذه البحيرة تساوي بمفردها تونس برُمّتها، إن أردت أن تُحكِم قبضتك على تونس؛ عليك أن تظفر ببنزرت أولا »(2).

موقع المدينة ومكانتها الخاصة ازدادت أهميتها، خاصة بعد الدور الهام الذي لعبته خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وهو ما حفّز الإقامة العامة الفرنسية على عقد اتفاقية مع الباي، يوم 21 مارس 1942، تقضي باعتبار بنزرت، ومنشآتها، وتحصيناتها، ومياهها الإقليمية وشبكة اتصالاتها الإستراتيجية، منطقة خارجة عن التراب التونسي، اعتمادا على مبدأ {L’esctraterritorialite} بحيث صار الفرنسيون يعتبرونها ولاية بحرية فرنسية. وشملت المنطقة الممتدة من المتلين إلى الناظور إلى الخروبة، ومن سيدي أحمد إلى الجبل الكبير إلى منزل بورقيبة، وتغطى أكثر من 600 كلم2 (3).

وفي هذا السياق، نجد أيضا مقالا، نشره قائد أركان الجيوش الفرنسية في مجلة الدفاع الوطني، يقول فيه، أن البلاد التونسية صارت تحتل موقعا استراتيجيا في الخريطة الجيو-العسكرية الفرنسية منذ 1942 (يقصد منذ تحويل بنزرت إلى ولاية عسكرية وفق الاتفاقية المذكورة) (4).

ومّما سبق ذكره نتبّين أهمية بنزرت. وهي أهمية ملموسة في محتوى الاتفاقيات وفي التصريحات والمقالات الفرنسية، وهذه المكانة ستزداد، خاصة بعد اندلاع الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954، لمّا أصبحت قاعدة بنزرت، تلعب دورا أساسيا لوجستيا وعسكريا في العمليات الحربية التي تجري في البلدين طيلة سنوات الحرب الثمانية، انطلاقا من قاعدة سيدي أحمد.

3- بنزرت والثورة الجزائرية (1954-1962):

كما هو معلوم كان موقف التوانسة من الثورة الجزائرية، التأييد والمساندة والتضامن والدعم في كافة المجالات وفي كل الظروف (5).
فعلى سبيل المثال، من خلال إحياء الذّكرى السنوية لاندلاع الثورة الجزائرّية كانت بنزرت تقيم المهرجانات والاجتماعات الشعبية التّحسيسية والمظاهرات لمؤازرة الثورة واللاجئين؛ وتقديم الدّعم المعنوي والمادي، بجمع المساعدات الغذائية والملابس وبما توفّر لدى الناس رغم ضيق اليد. وكان الاتحاد الجهوي للشغل يدعو العمال للتبرع بيوم عمل بمناسبة الفاتح من نوفمبر من كل عام (6).
وتواصلت مؤازرة الشعب الجزائري، طيلة سنوات الحرب، فكانت المنظمات الوطنية (اتحاد الشغل، واتحاد الصناعة والتجارة، واتحاد الفلاحين، والاتحاد النسائي، واتحاد الطلبة) تُنظم المسابقات والمباريات الرياضية في بنزرت، ويتم التبرع بمداخيلها لفائدة اللاجئين الجزائريين (7)

أما في المجال الصحي، فقد فتحت المدينة كما في المدن الشمالية، مستشفياتها لمداواة الجرحى والمرضى من الثوار، واللاجئين الجزائريين(8). واستقبلت فروع جامع الزيتونة والمدراس الابتدائية والاعدادية والثانوية التلامذة الجزائريين(9) ...
ومن كل هذا يتبّين لنا، أنّ بنزرت ساندت، ودعمتْ الثورة الجزائرية بشكل فعّال وبإصرار وثبات، وهذا ما سيغيض الفرنسيين، ويدفعهم لاتخاذ تدابير إجرامية ضد المدينة.

4- موقف الحكومة الفرنسية من بنزرت بعد 1954:

لقد دفعت بنزرت ثمنا باهضا مقابل التحامها بالثورة الجزائرية. فبعد عدوان 8 فيفري 1958 على الساقية، تعرضت بنزرت إلى سلسلة من الأعمال الانتقامية، منها القتل والاختطاف والحصار وقطع المياه وتدمير المنازل. وقد بلغت تلك الأعمال الإرهابية ذروتها حين أقدم عسكر فرنسا على طرد مرضى توانسة من مستشفى البحرّية الفرنسية بسيدي عبدالله بمنزل بورقيبة، حيث كان هنالك اتفاق مع كتابة الدولة للصحة التونسية، يقضي بلتزام الجانب الفرنسي بالتكفل بعلاج مرضى ولاية بنزرت مجانا. حيث رفض المستشفى مداواة صحايا غارة الساقية، وفي نفس اليوم تم طرد أربعين مريضا من أهالي بنزرت. ثم بدأ الموقف في التصعيد من الجانبين (10)

يتّضح من حادثة طرد المرضى أن حقدًا دفينًا للفرنسيين على مدينة لم تعد مدينتهم، وبلاد صار ممنوع تجول الجندي الفرنسي في شوارعها الّا بإذن من الوالي. ويتضح أن الفرنسيين، لا يفرقون بين الهدف المدني والعسكري. ومن خلال الرسائل المتبادلة بين المسؤولين الفرنسيين آنذاك وقيادتهم السياسية في باريس، يتّضح تمسّكم بقاعدة بنزرت، ويبدو جليًّا أنّ تعهّدهم للدولة التونسية بتحديد 8 فيفري 1960 تاريخ بدء الإجلاء، إنما كان تعهدا تكتيكيا لتخفيض الضغوط الدولية لا غير. والدليل هو أنه لما تكوّنت اللجنة الفرنسية التي اجتمعت للنظر في قضية بنزرت وتقديم الحلول، لم يكن فيها ولو مدنيّ واحد. بل ضمّت قادة الجيوش الفرنسية الثلاثة (البرية والجوبة والبحرية)؛ وهذا يعني بكل بساطة أنّ الجريمة التي ستُرتكب صيف 1961 إنما عندها علاقة بالحسابات العسكرية الفرنسية في علاقة بتحسين شروط التفاوض مع جبهة التحرير حول احتفاظ الدولة الفرنسية بالسيادة على الموانئ والغاز والصحراء لمواصلة تجاربها النووية. وليست جريمة من تدبير بورقيبة مثلما يُردّد أصحاب العقول الصغيرة، ومحترفو الاتّهامات في غير محلّ ولا صواب.

إنّ قرارات اللّجنة العسكرية تُبيّن بوضوح تمسك الفرنسيين بقاعدة بنزرت باعتبارها "Zone Forte" بالتّوصيف الحربي ، وقد ساندها الحلف الأطلسي الذي عبّر عن استعداده لإنفاق مبلغ قدره عشرة مليارات فرنك فرنسي قصد إحداث مشاريع عسكرية، تعزز، مكانة القاعدة. ولكّن بورقيبة أقنع الوسيط الأمريكي باشتراط انطلاق الأشغال بالاّتفاق مع التوانسة على تاريخ الخروج من بنزرت قبل غرة جوان 1959. وهكذا قبل الفرنسيون بالجلوس للتفاوض بعد أن رفضوه سابقا. غير أنّهم جلسوا واتّبعوا أساليب ملتوية. حيث خرجوا عن إطار التفاهم الأصلي، واقترحوا كراء قاعدة سيدي أحمد بمبلغ قدره أربعة عشرة مليار فرنك، بالإضافة إلى امتيازات أخرى مُغرية على المستويين الاجتماعي والاقتصادي (11).
في البداية رفض الجانب التونسي مجرّد الحديث في موضوع الكراء. وأمام إصرار الحكومة الفرنسية على موقفها. وأمام شروعها في حشدها للتأييد الدولي وخصوصا الولايات المتحدة. التجأ بورقيبة كعادته إلى أسلوب توريط خصومه ووضعهم في مأزق. فهو يعلم أنّ غاية الجنرال ديغول هي التوصّل لاتفاق مع جبهة التحرير يحفظ له ماء الوجه ويضمن مصالح فرنسا في الجزائر المستقلة، ويحدّ من ضغوط المعارصة الفرنسية المنفجرة في وجهه، والتي قادت إلى محاولة انقلاب عسكري هدّد كيان الدولة نفسها. وهو يعلم أيضا (أقصد بورقيبة) أن بنزرت هي ورقة ضغط أساسية بيد فرنسا. ويعلم أن الجولة الأولى من المفاوضات فشلت بسبب رفض وفد جبهة التحرير لمطالب ديغول الاربعة الكبرى (المواني، الأملاك الفرنسية، الغاز، والصحراء). فاقترح مشروعه لحّل قضيتي (بنزرت والجزائر) معا، وتمثل ذلك في تنازل تونس عن بنزرت على وجه الكراء، مقابل اعتراف الحكومة الفرنسية باستقلال الجزائر فورا ودون شروط تستنقص من سيادتها.
المقترح أيده حلفاء فرنسا وأيدته جبهة التحرير، وأيّدته النخبة التونسية بما في ذلك معارضي الرّئيس. وانقسمت حوله الحكومة الفرنسية.
وهكذا، بين عشية وضُحاها، وجدت الحكومة الفرنسية نفسها في مأزق. فيما ألقى الرئيس بورقيبة خطاًبا، قدّم فيه مقترحه، قائلا: "نحن نعتبر اليوم إيجاد حل لقضية بنزرت، يكون تنازلا منّا لفائدة فرنسا، بشرط أن تقبل الحكومة الفرنسية بحل قضية الجزائر على أساس الاستقلال التّام، فإذا كنّا نستطيع إعانة إخواننا الجزائريين بفضل بنزرت، فنحن مستعدون لقبول الحّل الوسط الذي يكون من نتائجه وْضع حدّ للحرب من جهة، والتعجيل بتحقيق وحدة شمال إفريقيا..."، ولكنّه أضاف: وليشهد العالم أجمع على حسن نوايانا، وإن هذا العرض يبقى قائما حتى يوم 17جوان 1959". (12).

طبعا بنزرت تحتل موقعا استراتيجيا وتحظى بمكانة واهتمام كبيرين لدى الفرنسيين كما أسلفنا الشّرح، لكن المقابل والمهر هو خسارة المعركة التي بسببها هم يحتفضون بقاعدة سيدي أحمد. ومثلما كان بورقيبة على يقين، رفضت الحكومة الفرنسية مقترحه المسموم شكلا ومضمونا.

5- العدوان على بنزرت.

أصبحت القوات الفرنسية المتواجدة في تونس تمثل مشكلة كبرى في هذه المرحلة الحساسة سواء في علاقة بصورة بورقيبة وسمعة الاستقلال في تونس، أو بما يواجهه وفد جبهة التحرير من تعنّت فرنسي على طاولة المفاوضات، فيما كان الطيران ينطلق من بنزرت لتنفيذ الغارات في الاوراس وفي الشمال القسنطيني وحتى في ذراع الميزان، مسقط رأس كريم بلقاسم وزير خارجية الحكومة الجزائرية المؤقتة، ورئيس وفد التفاوض. كما كانت الغارات تستهدف قرى تونسية بذريعة ملاحقة الثوار.
لهذا كله، طالبت الحكومة التونسية من القوات الفرنسية بالجلاء عن بنزرت. قابلت الحكومة الفرنسية هذه الدعوة بتعزيز قواتها العسكرية في بنزرت بستمائة جندي من جنود المظلات والكومندوس الذين سحبتهم من الحدود
المغربية، وبإرسال ثماني عشرة
طائرة إلى بنزرت محملة بما يلزم من العتاد والرجال. وأرسى جز ٌء من الأسطول الفرنسي في عرض البحر المتوسط، وحاملة الطائرات "أورمانس" في عنابة، يعني على بُعد مرمى حجر من المياه التونسية. كما تم إنزال الف وستمائة (1600) مظليا، وإرسال ثلاث الالف وستمائة (3600) جنديا، قدموا من الجزائر، استعدادا لتنفيذ الجريمة.(13)
وبالتوازي مع ذلك تمادت الحكومة الفرنسية في الغطرسة وعدم الاكتراث بمطتلبة تونس بفرض سيادتها على أراضيها بإرسال المزيد من التعزيزات والحشود العسكرية، استعدادا للعدوان، وإرضاء للمؤسسة العسكرية التي انقلبت على ديغول قبل أشهر، وتناست أن الوجود الفرنسي على الأراضي التونسية غير شرعي.
وفي سياق الغطرسة الاستعمارية الغاشمة، نفذت الطائرات الفرنسية غارة على بنزرت، فأمطرتها ِبوابل قنابلها المدمرة، والحارقة ضد المدنيين الأبرياء، وقصفت البواخر الحربية بمدفعيتها السواحل التونسية، وتقدمت قوات من فيلق المظلات تحت حماية الدبابات، والمصفحات ُيصوّبون نار أسلحتهم الفتاكة نحو المتظاهرين العُزّل الذين قدموا من كل جهات البلاد بغاية الاحتجاج السلمي، وليس بغاية القتال. فتطوّعوا ورابطوا في السدود والحواجز، لإجبار فرنسا على تنفيذ تعهّداتها بإجلاء المدينة. غير أن القوات الفرنسية واجهتهم باستعمال كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك تلك المحرمة دوليا (14)

6- شهداء مجزرة بنزرت:

سقط آلاف الشهداء المدنيين العُزّل. حيث سلمت القوات العسكرية الفرنسية بعد ظهر يوم 21 جويلية1961 إلى السلطات التونسية بمنزل بورقيبة مائة وخمسين جثة، أغلبهم من المدنيين الذين أُسروا ليلة 20 جويلية1961، ثم ُأعدموا صباح اليوم الموالي (15).
ويؤكد الدكتور رشيد تراس، رئيس بلدية بنزرت السابق، والذي كان متواجدا على أرض المعركة، "أن هنالك ما بين خمسة ألاف، وستة ألاف شهيد تونسي، قد أبادهم الجيش الفرنس (16).

7- موقف الحكومة الجزائرية المؤقتة من مذبحة بنزرت:

تضامنت الحكومة المؤقتة الجزائرية والشعب الجزائري مع الشعب التونسي، حيث جاء في برقية تأييد ومساندة، أرسلها فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية من مقرّها في باردو إلى الرئيس الحبيب بورقيبة: "أمام الاعتداء السافر الذي كان ضحيته الشعب التونسي ببنزرت، نؤكد لكم تضامننا معكم، وإننا نستنكر مرة أخرى هذه الجريمة الاستعمارية الجديدة، كما أننا متيقنون من أن الشعب التونسي الشقيق، سيخرج من هذه المحنة منتصرا". ونشرت الحكومة المؤقتة الجزائرية بلاغا تاريخيا يعبّر بقوة عن وحدة مصير الشعبين. وفيه عرفان للشعب التونسي بدوره، وإعلان وضع كل إمكانيات الثورة الجزائرية على ذمّة الدولة التونسية في أي معارك محتملة في المستقبل. كما أصدرت تعليمات للجزائريين المقيمين في البلاد التونسية، لترسيم أسمائهم في قوائم المتطوعين، للقيام بالأعمال المقررة من طرف الحكومة التونسية (17).

ووصلت الى الاتحاد العام التونسي للشغل رسالة تضامن من الاتحاد العام للعمال الجزائريين الكائن مقرّه في ساحة محمد علي بتونس العاصمة، تقول: "في هذا اليوم الذي تعم فيه حملة تضامن مع الشعب التونسي والمغرب العربي كله، وفي هذا اليوم الذي يعبر فيه الشغالون والشعب التونسي مرة أخرى عن عزمهم الراسخ على مواصلة المعركة؛ لتحقيق الجلاء عن بنزرت، وتصفية رواسب الاستعمار، يؤكد لكم الاتحادّ العام للعمال الجزائريين تضامنه الكامل في المعركة التي تخوضون غمارها والتي هي معركة المغرب كله، إنّ العمال الجزائريين الذين يكافحون الإستعمار منذ سبع سنوات كفاحا بطوليا الذي يخوضه إخوانهم بتونس، وهم ينحنون بتأثر، وخشوع أمام الشهداء، وينددون بكل شدة بجرائم العصابات الاستعمارية التي تقتل، وتقذف، وتسلب أهالينا في بنزرت" (18).

ختاما، معركة الجلاء جذورها أبعد من الخلاف اليوسفي البورقيبي. والشباب الذي استشهدوا جاؤوا بنية التظاهر السلمي، لا بنية القتال. والمستعمر هو المجرم المُدان وليس بورقيبة الذي نعرف أن له من العيوب ما يكفي ليُدان بموضوعية. ولسنا بحاجة إلى الكذب عليه لتبرير خلافنا معه.
أما جبهة التحرير فليس صحيحا كما يدعي المُدّعون بأنها كانت مناصرة لبن يوسف ضد بورقيبة. بل هذه أوهام وأكاذيب لا تليق بأُناس يحترمون بلادهم وشعبهم.
--------------------------------------------
المراجع:
-----------
(1) أنظر كتاب عبد الكريم الماجري، هجرة الجزائريين والطرابلسية والمغاربة والجواونة إلى تونس (1831-1937) ص 139 و140.

(2) أنظر الشايبي محمد لطفي، مجلة ليدرز، 30 سبتمبر 2015، في حتمية اندلاع معركة بنزرت ورمزّيتها. وانظر كذلك اللولب حبيب حسن، التونسيون والثورةالجزائرية (1954-1962). وكذلك اللولب حبيب حسن، أبحاث ودراسات في تاريخ المغرب العربي المعاصر.

(3) نورالدين الدقي، معركة الجالاء، الندوة التاريخية لمدينة بنزرت، بنزرت عبرالتاريخ، الدورتين 1995 و 1996 جمعية صيانة بنزرت.

(4) Abies Sébastien, décrypté L’affaire de Bizerte dans contexte global,

(5) Bizerte., Bizerte a travers l’histoire, Actes du colloque annuel de l’histoire de Bizerte, 2003-2004-2005, Association de sauvegarde, Tunis, 2008

(6) جريدة العمل، 08 جوان 1957
ولاية بنزرت والثورة الجزائري.

(7) جريدة العمل ،17 جوان 1957 ،ولاية بنزرت واللاجئين الجزائريين.

(8) جريدة الصباح مقابلة رياضية لفائذة اللاجئين الجزارّيين، 17 جوان 1957.

(9) اللولب حبيب حسن، الطلبة الجزائريون بالبلاد التونسية (1876–1962 )، ص 180
- المجاهد ، عدد101، 5 نوفمبر 1961، العدوان الفرنسي على بنزرت، ص3.
- العمل 17 أوت 1961، الحكومة الجزائرية تقدم مساعدة لجرحي و لاية بنزرت.

(10)- جريدة العمل 21جويلية1961، تصرحات الرئيس بورقيبة، ص 6 .

(11) LA BATAILLE DE BIZERTE (TUNISIE) - 19 au 23 juillet 1961 , Patrick-Charles Renaud

(12)- جريدة العمل ،19 جويلية 1961 جرحي بنزرت ومنزل بورقية، ص2

(13)- نفس المصدر، 22 جويلية 1961،

(14)-نفس المصدر 24 جويلية 1961، احصائية للعدوان الفرنسي، ص3 .

(15) شهادة الدكتور رشيد تراس 05 ماي 2006 .

(16) العمل 19 فيفري 1958، مستشفى البحرية الفرنسية يطرد أربعين مريضا ،ص1.

(17) -اليزيدي البشير، بنزرت والعالقات الفرنسية التونسية الرهانات والمصالح (1958-1961)
- الطليعة، عدد خاص، 23 جويلية 1961 اعتداءات فرنسية على بنزرت، ص1.

(18) العمل، ع 1786 ، 21 جويلية 1961، فرحات عباس يبرق الى الرئيس الحبيب بورقيبة، ص5.
--------------------------------------

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا