هل هنالك فريق بين ترمب وبايدن؟

عزالدين بوغانمي
2020 / 11 / 8

أبسط الأمور، هو القول "لا فرق بين ترمب وبايدن".
الحقيقة أنّ مثل هذه الأحكام قد نقبلها من أشخاص عاديين غير معنيين بما يجري خارج تونس أصلا. أما حين تصدر عن مسؤول سياسي يعتبر نفسه أحد أقطاب الحكم أو أقطاب المعارضة، يُصبح الأمر مثير للسّخرية.

أوّلا، لا شكّ أنّ الأهداف الأساسية بين ترمب، وبايدن كالحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها عسكريا، والسيطرة على أهم مصادر الطاقة، والتحكم في شرايين التجارة العالمية، والسعي حدود الإمكان لاستمرار أمريكا في السيادة على العالم ؛ لا تتبّدل بتغير الرؤساء ولكن أساليب الوصول لهذه الاهداف تتغيّر كثيرا. وفي هامش ذلك التغيّر تولد سياسات وقرارات وتحالفات مختلفة ومؤثرة على عديد القضايا في العالم .

ثانيًا، هنالك مسألة استقرار مؤسسات الدولة الأمريكية وتواصل سياساتها الإجماعية. يعني لا يمكن القياس على ما يجري في بلدان العالم الثالث، حيث لا توجد مؤسسات راسخة، ولا توجد سياسات استراتيجية للدولة تفرض على الرئيس وعلى الحكومة السّير في خطها العام. وإنما عادة ما يحدث انقلاب شامل في كل شيء بمجرد وصول رئيس جديد للحكم. وهذا ما يفسر التطاحن على السلطة وتزوير الانتخابات والقرارات الغريبة غير الخاضعة لقوانين ولا لأعراف. ففي الغرب حين يتغير الرئيس، ويتغير الحزب الحاكم، تتغير العلاقة مع العالم تغيرا طفيفا، لأنّ قضايا الإجماع الدّاخلي محسومة ومتفق عليها وصارت جزءً من ثقافة الأمّة. أما في بلداننا فالخصوم، حين يصعد رئيس جديد، لا يخشون على أنفسهم من التصفية فقط، بل يخشون أن يحدث انقلاب في العلاقة مع العالم. فبسبب غياب الإجماع الداخلي، وضعف المؤسّسات، وثقافة التحيّل على القانون، وغياب البوصلة، يمكن مثلا أن نتخلّى فجأة عن العلاقة بدول الخليج ونستبدلها بعلاقة مع تركيا، دون إقامة الاعتبار للانخرام والأضرار التي قد تلحق بالبلد. وبعد خمسة سنوات، ما أن يصعد رئيس آخر، حتّى ننسف كلّ ما بُني مع تركيا، ونتّجه إلى الاتحاد الأوروبي لنضع بين يديه رقابنا وأضلعنا الهشّة دُفعة واحدة .. وهكذا...

ثالثا، جو بايدن سياسي ومحامي وأستاذ جامعي وله دكتوراه في القانون ودكتوراه في علم التاريخ ودكتوراه في العلوم السياسية، وباكلوريوس في الفن. وعضو مجلس الشيوخ لمدة أربعين سنة كممثل لولاية ديلاوير من عام 1970 إلى غاية 2009 حين دخل البيت الأبيض كنائب للرئيس أوباما، وطيلة فترة حكم هذا الأخير، كان بايدن أحد أهم صنّاع القرار الأمريكي في مختلف القضايا.
أما ترمب فقد جاء من خارج المؤسسات والنخب السياسية الأميركية التقليدية، إذ كان رجل أعمال ومُقامر. ولم يعمل في السياسة بالمطلق. .

هذه الفوارق الكبيرة في مستوى الشخصية والتجربة والتكوين والمعرفة بين الرجلين، سوف تفرض فوارق في السياسات. فمن المتوقع أن يتراجع جوزيف بايدن على الحروب التجارية التي شنّها ترمب على الجميع، خصوصا الشركاء التجاريين الكبار مثل الصين والاتحاد الأوروبي، مخالفا بذلك قوانين منظمة التجارة العالمية، ومستخدما القوانين المحلية لمعاقبة الشركات الأجنبية. وعلى الأرجع أن الرئيس الجديد، بحكم تبنّيه لسياسات إدارة أوباما التي كان هو أحد أركانها، سيعيد الولايات المتحدة الى التعاون ضمن معاهدة باريس للمناخ، وألى اتفاقية نافتا للتجارة الحرة مع المكسيك وكندا. وقد يتخلى عن مطالبة الاوروبيين بدفع 2% من ناتجهم القومي على الإنفاق العسكري المخصص لحلف الناتو، وعن مُطالبتهم بشراء الغاز الصخري الأمريكي، وعن الاستغناء عن الغاز الروسي .. وفي عدة قضايا دولية أخرى ستكون السياسة الأمريكية مختلفة عن سياسات ترمب الشعبوية الفجّة، كالمواقف المعادية للمهاجرين، مثل منعه اصدار تأشيرات دخول لمواطني سوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا. وستعود للعرف السياسي المتبع بخصوص الهجرة منذ عقود.

بخصوص إيران أيضا، هنالك احتمال عودة خيار الحوار معها، وايجاد صيغة مقبولة لإعادة تثبيت الاتفاق النووي ووقف العقوبات.

وحتى بخصوص القضية الفلسطينية، وبالرغم من أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تكاد تكون واحدة بخصوص الحفاظ على علاقة متميزة بالكيان الصهيوتي كهدف أمريكي دائم، فإن سياسة ترامب المعادية للفلسطينيين بشكل سافر وغير مسبوق، لن تستمر على نفس النحو. ولن يبقى غاريد كوشنار في منصبه، ولا السفير الأمريكي في القدس ديفيد فريدمان المتحمّس لسياسة الضمّ وتصفيّة القضيّة بشكل نهائيّ.
صحيح أنّ بايدن داعم لإسرائيل ولكنه أعلن أنه سيعيد استئناف المساعدات للفلسطينيين، وسيعمل على إعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات، لأنه مؤمن بحل الدولتين. وسيعيد فتح مكتب تمثيل منظمة التحرير في واشنطن الذي أغلقه ترامب. وهذا سيؤدّي حتما إلى تعطيل صفقة القرن. وسيفتح باب الأمل من جديد في وخدة وطنية فلسطينية، وربما نشأ في السنوات القادمة وضع عربي مناهض للتطبيع يُشكّل سندا سياسيا ومعنويا للمفاوض الفلسطيني وحافزا على الصمود على الأقل قبل الخطوط الوطنية التي ثبّتها القانون الدّولي.

والحقيقة أنّ كلّ هذه الأمور لها تأثير كبير على العلاقات الدولية، وعلى قضية السلم في العالم، ولو بشكل غير جذري. وبكلّ الأحوال، ومهما كان الأمر، يتعيّن على الدّولة التونسية -خصوصًا في ظلّ الأزمة الخطيرة التي تمرّ بها البلاد- أن تُعدّل بوصلتها، وتُعيد صياغة مطالبها وخطابها، وتُغيّر من رجالها في واشنطن، على أساس أن هنالك تغيّر في البيت الأبيض، حيث أصبح لهذه الدّولة رئيس حقيقيّ، وليس مهرّجا جاهلا. ومن هذا المنطلق، حسب رأيي، لا يجوز للسّياسيين، الذين يُفترض أن يكونوا متابعين بدقة لشؤون سياسات أكبر دولة في العالم، استسهال القول بانعدام الفارق بين هذا وذاك، وترديد حديث المقاهي. ومثال ذلك، السيّاسي الكسول الذي لا يقرأ، ويُغطّي جهله بحسم الموضوع بجرّة قلم، والقول لا فرق بين هذا وذاك، دون تقديم أيّ تحليل ولا حجّة مُقنعة.

نحمد الله على ما سلّط علينا، ولكننا نشكره لأنه من ألطافه أنّ في بلادنا سياسيون آخرون، وهم كُثّر، لهم عقول، ولا يطلقون الكلام هكذا على عواهنه، كما يفعل طُلّاب المدارس مزهوّين بحماسة المُراهقين، حريصين على استخدام عبارات قويّة من المعجم الماركسي لإرضاء أصدقائهم وصديقاتهم ..

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا