النبوة وفهاهة المتنطعين؟/2

عبدالامير الركابي
2020 / 11 / 7

مايزال العقل بالرغم من طرقه أبواب المجتمعية في محاولة لفك اسرارها، عاجزا عن مغادرة الأحادية باتجاه الازدواج الناظم للظاهرة المذكورة، ومن ثم الدال على مابلغه العقل من قدرة على الاحاطة، مع مايواكب ذلك من قصورية "مادون مجتمعية"، اول واهم مظاهرها الحية الشاملة الحضور، نكران ونفي التفارقية على مستوى شكلي التعبير التنظيمي في مجال الكيانيه و"الدولة" بشكليها وصياغتيها المفهوميين، ومسارت تشكلهما التاريخاني، واصطراعهما، مع مايغلب عليه موضوعيا والى الوقت الراهن من طغيان للظاهرة الأحادية المجتمعية التعبيرية، وبالذات على مستوى الكيانيه وشكل التنظيم المطابق لها، ماكان من شانه طمس اهم اشكال التجلي المجتمعي المفهومي على الصعد المشار اليها.
من ذلك وفي مقدمته ماقد رسخ بالاخص في القرون المتاخرة من تكريس للكيانيه ومعناها، ومن ثم من نمط تعبيريتها عن ذاتها "ذاتيتها الوطنيه"، كما تتمثل في النموذج الأوربي الحديث وشكل الدولة فيه ( الدولة / الامه)، ماقد نجم عنه الغاء لاهم نوع كيانيه تاريخيه عالية الفعاليّة على مستوى الظاهرة المجتمعية، مع الإصرار على تجاوز حضورها التاسيسي، وماقد لحق به وتولد عنه على مستوى تفاعليه التاريخ التصيري المجتمعي، ومساراته والاليات المتصلة به، وما من شانه الإفصاح عن"القانون" الناظم للحركة المجتمعية بجسب ماهو مقترن ومرهون بغاياتها، وماهي مهياة وميسرة له.
في حال كهذا، يستحيل مقاربة او تخيل شكل تعبيرية عن الذاتيه هي أصلا خارج البحث، يحول دون الاقتراب من نطاقها المعرفي قبلا، شرط العبور خطوة ماتزال غير متحققه في مجال التعرف على الأصناف النمطية المجتمعية: الازدواجية ابتداء، ثم الاحادية بنوعيها، كشرط لتخيل احتمالية قبول"وطنية" من نوع "الشرق متوسطية" بما هي ككيانيه موحدة، تعبيرا وفعالية، منطوية على الأنماط المجتمعية الثلاثة المتلازمة الفعل، مايجوزان نطلق عليه حالة "احتشاد النمطيات المجتمعية"، بما في ذلك الرابع المختلط، كما هو ماثل في الساحل الشامي، مع مايفترضه ذلك من آليات تشكل وفعل تاريخي، مع تبلور ونضج أسباب التعبيرية الذاتيه، وحضور ممثليها، ونوع فعاليتهم المطابق لكيانيتهم، مايعين اشكال وسياقات فعلهم، بالتناغم والتطابق مع الادوار المنوطة بكل نمط من تلك التي يتشكل منها الكيان متعدد الأنماط وفقا لما يصادفه، ومايمر به من اشتراطات وظروف.
كل هذا يعني ان مايسمى ب "علم الاجتماع" الغربي، مازال الى اليوم دون مستوى الادراكية العقلية المطلوبة، وان القفزة الكبرى المعرفية البشرية الضرورية، والخافية في الوقت نفسه على العقل، والمانعه من ثم للكائن البشري من ادراك ذاتيته الوجودية المجتمعية الحقة، لم تتحقق بعد، مايلغي من الاعتبار والممكن اية احتمالية "تغييرية"، من نوع تلك التي عبرت عنها صيغة الازدواج الطبقي الماركسية، حيث قمة ومنتهى مايمكن ان تنتجه الأحادية في اعلى وذروة تجليها التاريخي التصيّري، بانتظار الكشف عن التحولية الازدواجية المجتمعية، وما يتصل بها وبالقوانين التي تسفر عنها، والمآلات التي تعد بها.
تبدا المجتمعات وتكتمل صياغة بصفتها ظاهرة بنيوية ازدواجية تحولّية، ممتنعه على التحقق الآني برغم كينونتها البنيوية الازدواجية التحولية، فتعيش بما متعذر وغير ممكن، وصولا الى ما يمكن ان نطلق عليه "زمن التحقق"، بمعنى ان الظاهرة المجتمعية محطة نشوئية تصيرية ارتقائية أخيرة، قبل انتقال الكائن الحي من الجسدية الارضوية، الى العقلية المتصلة بالاكوان العليا، مع اعتبارها سكنه الثاني المقصود، قبل التمهيدي التصيري الأرضي، وبحسب مسار تلك هي نهاياته ومالات وجهته، من البديهي توقع طغيان الرؤية والمنظور الارضويين، بما يكرس الاعتقاد التابيدي الارضوي، ويحصر الوجود بنظر الكائن البشري بداية، داخل الجسدية التي هي ارضوية كينونة، ناهيك عن الأرض كمستقر وسكن.
ومع هذا لاتكون المجتمعية التحولية الازدواجية مقصاة كليا، او هي ممنوعة من التعبير عن حقيقتها البنيوية التكوينيه، ومضمرها الذي يفترض حتما توفر أسباب حضوره بصفته الأصل والحقيقة الفعالة المنطوية الكامنة في الظاهرة المستجدة، لابل المتحكمة بمسارها تفاعليتها واليات تصيّرها التاريخي، بما في ذلك تعبيريتها المطموسة، فتتمكن ابان فترة غيابها وتعذرها من الإعلان عن حضورها وذاتها المتعذرة التحقق آنيا وراهنا، متخذه صيغه وجود انيه، النبوة هي شكلها واداتها الدالة عليها فعلا ومفهوما بصفتها عبقرية مافوق أرضية، متحققة في النقص وضعف الأسباب المباشرة الملموسة، والعلية السببية، مايؤدي الى اكتشاف العقل ةوفعاليته العظمى المتناسقة، بالحدس المتطابق مع العلة غير المدركةعيانا ووضعيا.
تصير النبوة في الكيانية المتعددة الأنماط تبلورا أساس، في البؤرة الأولى الازدواجية الرافدينيه حيث الصراعية الثنائية مانعه للتبلور الانتظاري، مع انتفاء أسبابه الضرورية لبناء "مملكة السماء على الأرض" الامر الذي تصير ارض الفرعونية مسرحة التاسيسي، حيث تتاجج الذاتيه في كنف مايضادها من نمط دولة احادي مطمئن لاسباب وجوده المعزز بنيويا، مايجعله غير مضطر للاجهاز على، ومحاولة محو مايضادها من "جيتو" منفي مرتحل وطاريء، وصولا الى اللحظة التي يصير فيها وجود المطرودين غير ممكن، مايبرر ظهور الموسوية الدالة على تكريس الذاتيه المطرودة السماوية ضمن الاشتراطات الفرعونيه، الامر الذي سيجعل من هذه المرحلة بمثابة الطور "النظري" التاسيسي، في الوقت الذي يكون فيه شعار "سنبني مدينه على جبل" أي خارج المجتمعية الارضوية الأحادية، محورا عمليا وايحائيا، مابين ارض النيل والموضع الذي لايتبلور وطنيا وكيانيا موحدا في ارض الشام، حيث التشققات بين مدن الدول يمكن ان تتيح فرصة للهاربين بقيادة النبي موسى، ممارسة حلم بناء "دولة السماء على الأرض" ويكون لله بيته الأول على الأرض في اورشليم القدس.
يحتل موسى ودلالات دوره مكان القائد الأول المميز في السياق التاسيسي لدولة السماء على الأرض المفارقة، الدالة على الازدواج في المنفى (1) قبل الاحتلال الأجنبي وحضور الامبراطوريات الغربية الرومانيه، والشرقية الفارسية، عندما تتغير الاليات التعبيرية "الوطنية الكيانيه" وتنتقل من التعبير عن الذاتيه الازدواجية، الى الذاتيه الكيانيه المهددة من الاحتلال الأجنبي الذي سيصلب النبي القائد الكبير، "الوطني" الثاني، عيسى بن مريم، وحركته الكبرى التحريرية مفهوميا، قبل ان يظهر النبي الخائم والاعظم التحرري بحكم البيئة والموقع، ونوع المجتمعية الاحترابية الاستثنائية الجزيرية، ويكتمل الدور المنوط بالنيوه وقادة الكيانيه المجتمعية غير القابلة للتجسيد الارضوي، ابان وفي زمن اللاتحقق، وغلبة الأحادية نموذجا وتفكرا.
ثلاثة قادة تاريخيين كبار لدولة اللادولة السماوية، هم حقيقة ملموسة وارضوية، بقدر ماهي لاارضوية، دلالتهم تتجاوز النطاق الذي انجبهم وظهروا فيه، الى الشرق وصولا الى الصين والهند، والغرب برمته، انتقالا الى القارة الجديدة التي بنيت على شعار "سنبني مدينة على جبل" الشعار الذي كان رفعه البيوريتانيون وهم على سواحل أمريكا، ومازالوا يحلمون بتحقيقة وبعتاشون عليه تميزا كيانيا. مايثبت ان الموضع الشرق متوسطي هو الموضع الأعلى فعالية من حيث مدى تطابقة البنيوي التكويني مع غايات الوجود المجتمعي، وظاهرة المجتمعية ومآلاتها والمقصود منها، ومن ثم الأكثر والاعمق حضورا في المجتمعية على مستوى المعمورة، حتى ابان غلبة وتسيد الأحادية الارضوية.
كل هذا حري بان ينقلنا خارج المنطق الايمانوي المبسط كما يتصوره الاحاديون باصرارهم على جعل المنطق والمنهجية واشكال التجلي واحدة قسرا، في الوقت الذي تكون هي ازدواجية على طول الخط، من البداية الى اليوم، طرفها الاخر شاخص وحاضر بقوة اكبر من تلك القائمة والموجودة والغالبة لاسباب بدهوية ووضعيه، بما ان مانشير له ممكن الحضور في غير زمنه، وخارج إمكانات تحققه، في الوقت الذي يتباهى بعض صغار "العلمويين" بالاحادية العقلية وعلمويتها المنتقصه التي تجعل مايخالفها خارج المنطق والعلم، فقط لان العقل كما هو الى اليوم مايزال يسبح ضمن عالم الأحادية طفلا يحبو، املا ببلوغ منتهاه ومقصد وجوده وتصيّرة المنتهي الى الثنائية التحولية الازدواجية، يوم ينتقل الكائن البشري من لحظته ك"انسايوان" الى الكائن "الانسان/ العقل".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تطابق قصة موسى القصة المعروفة رافدينيا عن "سرجون الاكدي"، او ل امبراطور في التاريخ، والحاكم الأول ل "زوايا الدنيا الاربعه"، فهو من القت به امه في النهر الى ان اصبح امبراطورا بعد ان جرى إنقاذه، مايجعل القول باحتمالية عدم وجود شخصية اسمها موسى تتردد لدى الكثيرين من الباحثين، الامر الذي لن يغير من الواقعه التي نحن بصددها شيئا من زاوية ووفقا ل"علم المجتمعية غير القابلة للتجسيد ارضويا".