طلاق الزوجة لنفسها (التفويض) هل يكون بائن أم رجعي في ضوء تطبيقات القضاء العراقي

سالم روضان الموسوي
2020 / 11 / 3

طلاق الزوجة لنفسها (التفويض) هل يكون بائن أم رجعي
في ضوء تطبيقات القضاء العراقي
إن أحكام الطلاق تطبقها محكمة الأحوال الشخصية حصراً بالنسبة للمسلمين على وفق أحكام المادة (300) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل، ويلعب قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل الدور الفاعل في هذه القضايا، إلا أن مجمل أحكامهُ تحيل القاضي إلى فقه الشريعة الإسلامية الذي استمد منها اغلب الأحكام القانونية، وعند الذهاب إلى هذا الأفق الشرعي الواسع يكون على القاضي البحث في الأحكام الشرعية وفتاوى فقهاء المسلمين منذ صدر الرسالة الإسلامية قبل ألف وأربعمائة عام وحتى الوقت الراهن، مما يجعل من الأمر صعباً وإن لم يكن مستحيلاً، لان هذه الأحكام والفتاوى لم تقنن أو تجمع بتشريع واحد وإنما مبعثرة في كتب الفقه والكتب الإسلامية الأخرى، ولابد للقاضي أن يكون متوفراً على المعرفة التي تؤهله للوصول إلى هذه الأحكام والفتاوى، حتى يكون حكمه على وفق الوجهة الشرعية، لان أثار هذا الحكم لا يمكن إزالتها إن أخطئت وصدرت على خلاف الحكم الشرعي، وقد يكون الحكم أخطئ بطلاق غير شرعي وتتزوج المرأة المطلقة، فان زواجها زنا وحملها سفاح وهذه الآثار ستبقى مؤثرة في نفس الابن الذي كان ثمرة هذا الزواج الباطل، ولا يمكن إزالتها، لذلك لابد وان يتوفر العامل في قضاء الأحوال الشخصية على معرفة وافرة بالأحكام الشرعية، ومناسبة هذا القول هو قرار لمحكمة الأحوال الشخصية في الأعظمية صدقته محكمة التمييز الاتحادية الموقرة بموجب قرارها العدد 9827/هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية/2019 في 1/9/2019 ، وجاء في ديباجة القرار التمييزي (إن محكمة الأحوال الشخصية قد قضت بصحة الطلاق الذي أوقعته الزوجة أمام المحكمة لأنها مفوضة بحق تطليق نفسها على وفق ما مثبت في عقد الزواج) ، واعتبرت محكمة الأحوال الشخصية الموقرة (إن الطلاق بائن بينونة صغرى واقعاً للمرة الأولى وبعد الدخول) وألزمت الزوجة المطلقة بالعدة الشرعية البالغة ثلاثة قروء اعتباراً من تاريخ الطلاق ولا يحق للزوجين استئناف الحياة الزوجية إلا بعقد ومهر جديدين وليس لها الزواج برجل آخر إلا بعد انتهاء العدة الشرعية واكتساب القرار الدرجة القطعية، وهذا ما ورد في ديباجة القرار التمييزي ، ثم قررت محكمة التمييز الاتحادية الموقرة تصديق ذلك القرار واعتباره صحيح وموافق للشرع والقانون، وعللت محكمة التمييز صحة الحكم المطعون فيه بسبب ثبوت تفويض الزوج لزوجته بإيقاع الطلاق، كما أردفت ذلك بقولها ( وحيث أن الزوج قد فوض الزوجة ومنحها حق تطليق نفسها وبالتالي تملك ما يملكه الزوج بإيقاع الطلاق ولتوفر الشروط الشرعية والقانونية في إيقاع الطلاق وكونه منسجماً مع ما نصت عليه المادة الرابعة والثلاثون فقرة (أولا) من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل فيكون الحكم الذي قضى بصحة الطلاق الواقع أمام المحكمة صحيحاً وموافقاً للشرع والقانون لذا قرر تصديقه). وفي هذا القرار التفاته إلى موضوع تفويض الزوجة بطلاق نفسها من زوجها ويسمى بالمفهوم الشائعة (إن العصمة بيدها) ، لكن محكمة الموضوع ومحكمة التمييز لم توضح الأسباب التي دعتها إلى اعتبار ذلك الطلاق بائن بينونة صغرى وليس رجعياً ، لان هذا الأمر ما زال محل جدل واختلاف فقهي بين المذاهب وكذلك بين فقها المذهب الواحد حيث يرى البعض انه يقع رجعياً بينما آخرون يرون انه يقع بائناً بينونة صغرى، والتوضيح في القرار عن أسباب اعتناقها لهذا الرأي دون الرأي المخالف ، سيوفر الاطمئنان لأطراف الدعوى وعلى وجه الخصوص الزوج الذي لم يكن مقتنع بقرار محكمة الموضوع مما دعاه إلى الطعن به تمييزاً.
ولغرض الوقوف على الرأي الشرعي وتوجه الفقه الإسلامي تجاه هذا النوع من الطلاق هل يقع رجعياً أم بائناً سأعرض للموضوع على وفق الآتي :
1. موقف التشريع: إن قانون الأحوال الشخصية العراقي قد أشار إلى التفويض بشكل صريح في المادة (34/1) وعلى وفق النص الآتي (الطلاق رفع قيد الزواج بإيقاع من الزوج أو من الزوجة وإن وكلت به أو فوضت أو من القاضي. ولا يقع الطلاق إلا بالصيغة المخصصة له شرعاً) إلا انه لم يحدد ما المقصود بالتفويض، وإنما ترك ذلك إلى أحكام الشريعة الإسلامية ويقول احد شراح قانون الأحوال الشخصية على القاضي الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية ، كذلك في التشريعات العربية، ومنها القانون السوري حيث أشار إلى التفويض في الطلاق في المادة (87/2) من قانون الأحوال الشخصية السوري رقم 59 لسنة 1953والتي جاء فيه الآتي (للزوج أن يوكل غيره بالتطليق وان يفوض المرأة بتطليق نفسها) والقانون المصري، لكن هناك بعض التشريعات لم تتطرق إليه مثل القانون الكويتي واليمني ، والملاحظ على هذه التشريعات لم تفصل أثار ذلك الطلاق أو نوعه هل هو رجعي أم بائن وإنما ترك الحال إلى فقه الشريعة الإسلامية.
2. موقف الشريعة الإسلامية: إن الشريعة لم تجمع على مفهوم محدد لنوع الطلاق هل هو رجعي أم بائن وإنما افترق الفقهاء إلى فريقين الأول يعتبره طلاق رجعي وآخرون يعتبرونه طلاق بائن وسأعرض لهما فقط ولا أتوسع في مدى مشروعيته التي اختلف عليها الفقهاء وعلى صيغته، ومن يريد المزيد الرجوع إلى كتب الفقه ، وعلى وفق الآتي :
‌أ. طلاق الزوجة لنفسها يقع طلاقاً بائنا : يرى عدد من فقهاء المذاهب الاسلامية إلى اعتبار ذلك الطلاق هو طلاق بائن، إذا كان التفويض بلفظ أمرك بيدك أو بلفظ اختاري نفسك وأجابت الزوجة بما يدل على الطلاق فيكون طلاقاً بائناً بطلقة واحدة لان هذين اللفظين من ألفاظ الكناية التي يقع بها الطلاق بائناً ولأنها لا تملك نفسها بالبينونة ، ويشير احد الفقهاء إلى أن معنى اختيار نفسها في هذه الحالة تخليصها من قيد الزوجية والذي يخلصها من قيد الزوجية هي البينونة ، لذلك فان المعيار عند هذا البعض من الفقهاء هو صيغة التفويض، فإذا لم تكن بصيغة صريحة تتضمن لفظ الطلاق فان هؤلاء الفقهاء يرون إن الطلاق هو بائن على وفق ما تقدم ذكره.
‌ب. طلاق الزوجة لنفسها إذا كان التفويض مقرونا بلفظ الطلاق: فان هذا الطلاق لن يكون بائناً وإنما يكون رجعياً ويملك الزوج حق مراجعتها لان اللفظ يخرج من كونها كناية إلى كونه صريح، ويدل على انه ملكها حق التطليق لمرة واحدة وانه رجعي ، وانه لا يختلف عن الطلاق الذي يوقعه الزوج لأنها ملكت بالتفويض ما يملك الزوج من الطلقات فيكون تطليقها رجعياً ما لم يكن قبل الدخول فيكون بائن بينونة صغرى أو واقع للمرة الثالثة فيكون بائن بينونة كبرى ، وهذا ما ذهب إليه بعض الفقه ومنهم فقهاء الشافعية والحنابلة ، بأن الطلاق الواقع عند اختيارها نفسها طلقة واحده رجعية، واحتجوا على ذلك بقولهم إن قول الزوج لزوجته اختاري هو تفويض مطلق، فيتناول اقل ما يقع عليه الاسم وذلك طلقة واحدة ولا تكون بائنة لأنها طلقة بغير عوض لم يكمل بها العدد بعد الدخول فأشبه ما لو طلقها واحدة ولا تكون بائنة لأنها طلقة ، وكذلك عند الجعفرية فان الطلاق يعتبر طلاق رجعي لأنهم أصلا لا يعتدون بالتفويض لأسباب يرونها كافية لعدم الأخذ به .
‌ج. موقف القضاء العراقي : إن القرار الذي أشرت إليه الصادر عن محكمة الأحوال الشخصية في الأعظمية وقرار محكمة التمييز الاتحادية العدد 9827/هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية/2019 في 1/9/2019 قد تبنى رأياً يفهم منه إن طلاق الزوجة لنفسها يعد بائناً دون أن يكون له دعم من أي مذهب من مذاهب المسلمين أو من أي فقيه، وكما أسلفت إن من يعتبر الطلاق بائن يشترط فيه أن يكون التفويض الذي استندت إليه الزوجة بإيقاع الطلاق يجب ان يكون بلفظ غير مقرون بكلمة الطلاق، بينما من خلال ما تم عرضه في القرار التمييزي أعلاه إن التفويض كان مقرون بلفظ الطلاق بشكل صريح وعلى وفق الآتي (إن محكمة الأحوال الشخصية قد قضت بصحة الطلاق الذي أوقعته الزوجة أمام المحكمة لأنها مفوضة بحق تطليق نفسها على وفق ما مثبت في عقد الزواج) فان المحكمة أكدت إن التفويض مقترن بلفظ الطلاق بشكل صريح، وهذا ما اجمع عليه الفقه بان الطلاق يكون رجعياً وليس بائن كما ورد في القرار، كما جاء في القرار إن الطلاق واقع للمرة الأولى أي بمعنى لم يكن بائن بينونة كبرى، كذلك انه كان بعد الدخول وعلى وفق ما ورد في نص ديباجة القرار أعلاه، وليس قبل الدخول حتى نعتبره بائن بينونة صغرى، وما يؤيد ذلك هو الحكم بإلزام الزوجة المطلقة بالعدة الشرعية التي لا تلزم بها الزوجة إذا كان قبل الدخول، لذلك أرى بان هذا التوصيف للطلاق الوارد في القرار التمييزي وقرار محكمة الأحوال الشخصية قد خالف مبادئ الشريعة الإسلامية ، وان الآثار الناجمة عن ذلك الحال ستكون على وفق الآتي:
1. إذا ما قام الزوج وتلفظ بصيغة مراجعة الزوجة وإرجاعها إلى عصمته فعلاً أو قولاً أثناء فترة العدة فان العلاقة الزوجية بينهم ستكون قائمة شرعاً وبالنتيجة يحرم على الزوجة الزواج برجل آخر لأنها على ذمة الزوج الأول ، وإذا ما تزوجت فان زواجها زنا وحملها سفاح.
2. ان الزوج عند اعتراضه بالطعن التمييزي على تصديق الطلاق فانه يكون قد أعلن ضمنا بأنه يرجع بزوجته وانها متمسك بها لان الرجعة تثبت بأي وسيلة صريحة أو ضمنية.
3. إن هذا الاتجاه يؤسس لمبدأ قد يكون سنداً تستند إليه المحاكم في دعاوى مماثلة مما يشيع أمر المخالفة الشرعية.
ومما تقدم أرى إن القرار فيه مخالفة شرعية وإذا كان الاعتقاد لدى السادة القضاة الذين نظروا في الدعوى غير ذلك كان عليهم إن يبينوا أسباب اعتناقهم لهذا الاتجاه وبيان السند الشرعي لان السند القانوني تجاه توصيف الطلاق بأنه بائن غير متوفر في القانون النافذ.
قاضي متقاعد