بذور الفكر الصهيوني في العراق

نبيل عبد الأمير الربيعي
2020 / 11 / 3

إن المسألة اليهودية نشأت أولاً في مناطق الإمبراطورية الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, لكنها تعود أساساً إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي راحت تدق الأبواب في روسيا القيصرية, نتج عن ذلك ما أطلق عليه في ذلك الوقت المسألة اليهودية, وذلك بسبب الشروع في مضايقة اليهود ومعاداتهم من قبل الروس, نتيجة مشاكل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الروسي, التي جعلت من الصعب على اليهود بتركيبتهم الثقافية الاستمرار فيه, وهو ما قد يحدث من دون وعي من أفراد المجتمع الروسي الذي يعيش فيه اليهود في ذلك الوقت, لكن اليهود هناك بدلاً من إدراك تعدد الظروف الاجتماعية وتطورها, لم يغيروا من طبيعتهم ولم يساهموا في ركب تطور المجتمع الذي كان يسعى إلى خدمة أفراده, وهو ما أدى إلى خلق مشكلة بين اليهود والأكثرية الأخرى, رأى فيها اليهود أن الآخرين يكرهونهم أو بما صار يطلق عليه باختصار معاداة السامية, مما جعل المشكلة اليهودية تصبح أكثر عمقاً في المجتمع الروسي, هو أن اليهود كأقلية لم يحاولوا أن ينظروا حولهم لكي يعرفوا الأسباب, فيعدّلون مسارهم بما يتوافق مع المجتمع الذي يعيشون فيه. من هذا يمكن القول أن البذور الأولى للصهيونية قد نشأت بين يهود روسيا حينما أصبح اليهود في روسيا ثلاثة تيارات, التيار الأول رأى أن الحل هو الهجرة إلى دول أوروبا الغربية والعيش هناك, وتيار ثاني هو الأقلية المثقفة من الثوريين التي رأت بأن علاج المسألة اليهودية هو أن يناضل هؤلاء الثوريين مع الروس لأجل تغيير المجتمع الروسي إلى الأفضل بحيث يكون لليهود مكان مقبول فيه, لكن هؤلاء كما ذكرنا كانوا أقلية بين الجالية اليهودية, أما التيار الثالث فقد رأى أن يهاجروا إلى فلسطين فهي مهد اليهودية حيث عاد إليها اليهود في سابق الأزمان قبل أن يطردوا منها أكثر من مرة, ومن أصحاب التيار الثالث العيزر بن يهوذا الذي دعى إلى الهجرة إلى فلسطين وقد ذكر هذا في كتاب الباحث كونور كروز أبريان.
أما الصهيونية (Zionizm) بمدلولها السياسي كفكرة تنطوي في جوهرها على دعوة العودة إلى صهيون, أي مناشدة اليهود في العالم للعودة إلى (أرض إسرائيل) بحدودها التي وردت في الكتاب المقدس (التوراة). بينما الصهيونية بمفهومها السياسي وطابعها القومي اليهودي كناية عن حركة سياسية عالمية منظمة تستند إلى مفاهيم شتى, انطلاقاً من المفاهيم الدينية إلى المزاعم التاريخية والنيات الاستعمارية.
أسس فريق من اليهود الروس بعد سنة 1870م جمعية تدعى (حب صهيون), وقد عرفت فيما بعد بأسم (أحباء صهيون), التي كانت بمثابة حلقة وصل بين طلائع الاتجاهات الصهيونية في أواسط القرن التاسع عشر وبداية الصهيونية السياسية التي تبلورت على يد هرتزل في أواخر القرن. ودعت هذه الجمعية إلى حل المسألة اليهودية في روسيا وشرق أوروبا عن طريق (عودة اليهود إلى أرض الميعاد). إلى جانب هذا النشاط الصهيوني السياسي العملي, كان هناك نشاط يهودي أخر اتخذ طابع العمل الخيري الديني العام, وتوجه إلى الاهتمام بأوضاع اليهود الاجتماعية والاقتصادية وبالهجرة, وفي إطار هذا النشاط أسست جمعية الإتحاد الإسرائيلي العالمي (الأليانس) سنة 1860م في باريس وحدد أهدافها بالعمل من أجل مساعدة وتحرير اليهود وتقدمهم الفكري.
والصهيونية ظهرت لأول مرة كفكرة موثقة في العصر الحديث في الكتاب الذي أصدره المفكر الصهيوني الألماني ناتان بيرنباوم ونشره عام 1893م تحت عنوان (البعث الثقافي للشعب اليهودي في أرضه كوسيلة لحل المشكلة اليهودية), وقد استعمل بيرنباوم لفظة الصهيونية بدلاً من عبارة القومية اليهودية التي كانت سائدة آنذاك في كتابات المفكرين والكتاب الصهاينة الأوائل, دعاة تأسيس الدولة اليهودية, وفي هذا الكتاب كما في صحيفة (التحرر الذاتي), أعاد بيرنباوم طرح الأفكار التي سبقه إليها عدد من دعاة الصهيونية.
والصهيونية كفكرة تنطوي في جوهرها على مناشدة اليهود في العالم للعودة إلى (أرض إسرائيل) بحدودها التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس(التوراة). وهي بالتالي حركة أوروبية الجذور نشأت وترعرعت وسط القومية الأوروربية في القرن التاسع عشر, وتأثرت إلى حد كبير بجو عصر القوميات الذي ساد أوروبا آنذاك, فجاءت وليدة العقد الأخير من القرن الماضي عندما بلغ التوسع ذروته.
يؤكد الدكتور أحمد سوسة:«إن إدعاءات الصهيونية في أن اليهود المعاصرين هم أنسال بني إسرائيل القدماء يحاولون بذلك الربط بين حركتهم السياسية وتاريخ بني إسرائيل, الدين القديم في فلسطين لتبرير ما يهدفون إليه من إقامة دولة وكيان قومي لهم في فلسطين إدعاءات باطلة زائفة لا تستند إلى أساس علمي أو واقع تاريخي ولا يقرها المنطق, لأن اليهود المعاصرين هم أبعد ما يكونون من بقايا يهود الشرق. والدليل على ذلك أن إسرائيل الصهيونية تنظر إلى يهود البلاد العربية نظرة بها تمييز وتفرقة».
لهذا نعتبر أساس المشكلة اليهودية قد نبعت بسبب الهجرة اليهودية من الشرق, من روسيا وغيرها أى أوروبا الغربية, وبسبب بروز التناقضات بين الجاليات اليهودية وبين الناس في المجتمعات الأوروبية التي أصبح يعيش فيها المهاجرون اليهود, مما أدى إلى تعرض الجاليات اليهودية في دول مثل بريطانيا وفرنسا واسبانيا وإيطاليا وألمانيا وغيرها إلى عملية اضطهاد منظم, وهكذا وقع اليهود في الشرق وفي الغرب بين نارين, نار المذابح التي كانت تتم لهم في روسيا وفي بولندا وغيرهما, ونار الاضطهاد العنصري في دول أوروبا الغربية, من هنا نشأت المشكلة اليهودية, وارتبطت في القرن التاسع عشر بمشكلة أخرى اسمها المسألة الشرقية, حيث أن المسألة الشرقية كانت تطلق على دولة الخلافة العثمانية التي كانت في ذلك الحين تسمى رجل أوروبا المريض, المسألة الشرقية بالنسبة للغرب الاستعماري كان المقصود منها كيف يمكن تقسيم تركة دولة الخلافة العثمانية, لهذا تصدرت المشكلة اليهودية مع المسألة الشرقية اهتمام الدول العظمى في ذلك الزمان.
من هذا فقد بدأ يتواصل مبعوثون كثيرون من فلسطين إلى العراق, وهؤلاء لم يبيعوا الصكوك فقط, وإنما جمعوا التبرعات للمؤسسات الخيرية في المدن المقدسة الأربع : القدس, الخليل, طبريا وصفد, لقد حظي المبعوثون بتكريم عظيم بفضل مجيئهم من فلسطين. واستمر المبعوثون بالتوافد على العراق وبالتجول بين مدنها وقراها حتى العشرينات من القرن الماضي, وقد أورث بعض اليهود العراقيين ممتلكاتهم ليهود فلسطينيين, مثل يعقوب تسيمح الذي توفي في بغداد في أوائل الأربعينات من القرن التاسع عشر.
وفي عام 1854م هاجرت من العراق مجموعة من تلاميذ مدرسة اليشيفاة وعائلاتهم لإيمانهم بأن الاستيطان في فلسطين يدني ساعة الخلاص, من بينهم كانت عائلات مني, يهودا, اغا بابا وغيرها.
يذهب المفكر محمد عزة دروزة إلى اعتبار نشأة الحركة الصهيونية في أواسط القرن التاسع عشر, جاء نتيجة لما وقع على اليهود في أوروبا من اضطهاد. فمنذ شتات اليهود في القرن الأول الميلادي تشير المصادر التاريخية إلى أنهم قد عاشوا في أحياء خاصة معزولين عن غيرهم من الملل الأخرى.
لهذا استغل زعماء اليهود واقع حال الدولة العثمانية وانهيارها وتوجهوا أولاً إلى بريطانيا فطالبوها بحل مشكلة اليهود, وتحدثوا بالدعاوي الإنجيلية والكتب المقدسة, فلم يستمع إليهم أحد, فوجد اليهود أن أفضل وسيلة هي محاكاة الإمبراطورية البريطانية عن طريق المصالح المشتركة, وأمام إغراءات زعماء اليهود المقدمة إلى بريطانيا, جعلوا مصالحهم اليهودية تلتقي مع مصالح الإمبراطورية في مسألة المشكلة اليهودية, فكان ذلك مقابل ثمن يقدمه زعماء اليهود, وتم إنشاء بعض المستعمرات اليهودية في فلسطين, وتم تهجير بضعة آلاف من اليهود إلى تلك المستوطنات في تلك الأيام, فضلاً عن ذلك كان هناك عدة قرارات اتخذت كمستوطنات لتوطين اليهود منها في مصر وليبيا وأوغندا والعراق, لكن كان قرارهم الأخير أرض فلسطين حسب مفهوم الحدود الإنجيلية.
عام 1878م تم إنشاء أول مستوطنة يهودية في فلسطين تدعى (بتاح تكفا), وبعد فترة من الزمن كانت هناك مساعي حثيثة لنشر كتاب هرتزل (دولة اليهود) عام 1896م, ثم تم عقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م, في بازل بسويسرا, حيث تم تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية, والقرار بتشجيع الاستيطان الصهيوني في فلسطين, وتيودور هرتزل(1860م-1904م) كان يرأس المنظمة حتى وفاته, وفي عام 1901م عقد المؤتمر الخامس في بازل من 26 ولغاية 30 كانون الأول 1901م وصدر قرار بالإجماع على إقامة (الكيرن كييمث) الصندوق القومي اليهودي وهو يهتم بمصالح اليهود في دولة إسرائيل.
حسب تقديرات الكثير من الخبراء أن الهجرة اليهودية تمت من خلال ثلاث موجودات رئيسية, وآخرون يذهبون في التوضيح أكثر فيقولون كانت هناك خمس موجات للهجرة اليهودية, الموجة الأولى من سنة 1882م إلى 1903م بتعداد 25000 نسمة, والموجة الثانية كانت من سنة 1904م لغاية 1918م بحوالي 35000 نسمة, وأما الموجة الثالثة عام 1919م ولغاية 1923م بحوالي 35000 نسمة, والموجة الرابعة من عام 1924 ولغاية 1931م بحوالي 85000 نسمة, والهجرة الخامسة عام 1932م ولغاية عام 1944م بحوالي 265000 نسمة, وكانت المنطقة العربية مفتوحة أمام اليهود إذا ما أتيحت الفرصة فيما بعد لتوسع في المنطقة الممتدة ما بين النيل والفرات وهذا كان شعارهم في كتابي التلمود والتوراة.
بعد الحرب العالمية الثانية, كان هناك نقطتين محوريتين فيما يخص الصراع العربي الصهيوني, الأولى الإمبراطورية البريطانية المنتصرة في الحرب بقيادة ونستون تشرشل, والثانية كانت حكومته متعاطفة جداً مع أماني اليهود, وكان تعاطف تشرشل مع اليهود ليس له حدود, بل وكان تشرشل صهيوني غير يهودي إلى أبعد الحدود.
لقد استمد الفكر الصهيوني المعاصر جذوره من ثلاثة مفاهيم رئيسية هي : (صهيون وإسرائيل والتوراة), أي أرض الميعاد في فلسطين والشعب المختار والرسالة, وقد نجحت الحركة الصهيونية من الناحية الواقعية في تحقيق اثنين من هذه المفاهيم وهما : العودة إلى صهيون بعد اغتصاب فلسطين, وتمثل بقيام الدولة اليهودية والعمل على استمرار الهجرة اليهودية لإعادة تجميع (شعب إسرائيل).
أما ما يخص بوضع دولة إسرائيل الحالية فيحاول الصهاينة أن ينفوا عن كون حكومة إسرائيل حكومة دينية, في حين أن جميع الظواهر الاجتماعية والثقافية وحتى القضائية منها قائمة على الدين, ففي ذلك تقول الكاتبة الفرنسية مارتين مونو : «إن دولة إسرائيل تنفي عن نفسها أنها حكومة دينية, ومع ذلك فإن حياة المواطنة فيها مدفوعة بالدين. فإعلان الاستقلال متشرب بالديانة كما أن مؤسساتها الدينية وعاداتها وقوانينها الدينية تفرض نفسها على كل شيء بل ولا يوجد سواها في أغلب الأحوال. فدراسة التوراة إجبارية في المدارس اليهودية لست ساعات في الأسبوع بالنسبة لتلاميذ السنة الثامنة, أي الذين يتراوح سنّهم بين الثالثة عشرة والرابعة عشرة مقابل أربع ساعات للرياضيات وأربع ساعات للغة العبرية. ويلتزم مدرسوهم بتقديم عرض أسبوعي يستغرق ساعة كاملة حول الموضوعات التالية : الحركة الصهيونية منذ سبعين عاماً, الروح اليهودية وحرب الأيام الستة والنصر, تاريخ القدس, المدينة اليهودية منذ ثلاثة آلاف سنة».
يمكننا القول بإن الصهيونية منظمة أسست بهدف تشجيع الهجرة الصهيونية نحو فلسطين وهي كحركة دينية تهدف إلى تمكين العنصر اليهودي من تملك أرض فلسطين وقهر جيرانها الأعداء, وتركيز لسلطة العالم الروحية والحضارية في صهيون.
الحقيقة أن الحركة الصهيونية هي استثمار للتراث اليهودي الثقافي والديني, وإن مشكلة اليهودية نشأت داخل المجال الأوربي تحديداً, وإن الدولة الصهيونية المُقامة في فلسطين دولة عنصرية وإنها ارتكزت في قيامها على جدلية الإجلاء والتوطين, فإن هذا القول هو استجماع وإيضاح لحقائق عديدة تسعى الحركة الصهيونية إلى إخفائها.

المصادر:
1- عبد الكريم الحسني. الصهيونية, الغرب والمقدس والسياسة. دار شمس للنشر والتوزيع . القاهرة. ط1. 2010. ص70.
2- سعد سلمان عبد الله. النشاط الدعائي لليهود في العراق. مكتبة مدبولي.ط1. 1999. ص22/23.
3- أحمد سوسة. أبحاث حول الصهيونية. الأردن.ط1. 2003. ص95.
4- حاييم كوهين. النشاط الصهيوني في العراق. منشورات الرضا, بيروت. ط1 .2013 . ص33.
5- بنيامين هنشي.(الثاني) ـسفار إسرائيل, لايك 1959.1858م. ص53.
6- دافيد اييشر. أوائل المهاجرين للبلاد. في (معرخاه), آب 1963م. 5-8 أيلول 1963.ص10/11.
7- محمد عزة دروزة. مختارات قومية لمحمد عزة دروزة, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, 1988. ط1. ص539.
8- د. محمد ربيع. أزمة الفكر الصهيوني, بيروت, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, 1979, الطبعة الثانية. ص59.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول