التفسير النفسي لزيارات مسؤولي النظام الى ساحة التحرير

جلال الصباغ
2020 / 11 / 1

بقيت ساحة التحرير وسط بغداد تشكل كابوسا مرعبا لسلطة الاسلام السياسي طوال عام كامل من عمر انتفاضة أكتوبر، وجميع المسؤولين في دولة الطوائف والمحاصصة والنهب والقتل كانت احلامهم عبارة عن رغبات مكبوتة بالانتصار على الجماهير وإزالة اي معلم او مظهر يذكرهم بمحاصرتهم في منطقتهم الخضراء من قبل الجماهير التي لا يفصلها سوى نهر دجلة عنهم.

بعد ما حققته الانتفاضة منذ انطلاقها ولغاية الخامس والعشرين من أكتوبر ذكرى انطلاق الموجة الكبرى من التظاهرات في عموم مدن وأحياء محافظات الوسط والجنوب وبغداد، عملت السلطة على استخدام شتى الوسائل والطرق لضرب الانتفاضة وتشويه صورتها عن طريق القمع والقتل والاختطاف ودس أفراد المليشيات وأجهزة الأمن داخل المنتفضين وضربهم من الداخل، بالإضافة الى بث الأكاذيب والتشويه عبر الإعلام الحكومي الرسمي وإعلام أحزاب السلطة ومليشياتها وعبر مواقع التواصل الاجتماعي عن طريق الجيوش الإلكترونية.

استطاعت اجهزة السلطة في صباح الحادي والثلاثين من أكتوبر من اقتحام الساحة وفتح جسر الجمهورية وإزالة خيم المنتفضين المتبقية داخلها، في منظر أصاب الكثير من المنتفضين بالحزن على تاريخ سنة كاملة من المواجهة مع السلطة، أعطت خلالها ساحة التحرير العشرات من الضحايا والآلاف من الجرحى، حيث سجل نصب جواد سليم مرور الملايين من المنتفضين تحته ليصبح رمزا حقيقيا للحرية وليجسد رغبة جماهيرية في نضال العمال والمعطلين والطلبة والنساء والكادحين وجميع شرائح المجتمع، رغبة في التحرر من استبداد وهيمنة قوى المحاصصة والنهب والعمالة.

بعد مجيء الشفلات وتجريف ما تبقى من الخيم والتي رافقها قائد عمليات بغداد قاسم المحمدي وأخذ يشرح لمن حوله أهمية هذه الساحة ويلتقط الصور ببدلته ورتبته العسكرية وكأنه حقق انتصارا كبيرا، لما لا وهم يعيشون حالة من الرعب الحقيقي خلقتها عندهم انتفاضة اكتوبر؟

من بعد المحمدي جاء كل من وزير الداخلية عثمان الغانمي ومن بعده رئيس جهاز الأمن الوطني يرافقهم القادة العسكريين وقادة المليشيات، وهم يتجولون في الساحة ومقترباتها، ويرددون بينهم وبين أنفسهم، ها قد انتصرنا!! ويلتقطون الصور فرحين لأنهم في قرارة أنفسهم كانوا يعتقدون أنهم لن يستطيعوا زيارة هذه الساحة مرة أخرى.

شكلت ساحة التحرير بنصبها الشامخ أزمة نفسية وواقعية لجميع أقطاب النظام، ولا نستبعد ان اكثرهم خوفا من السقوط قد زارها مع من زارها من المسؤولين دون أن يلتقط الصور خوفا من التهكم والسخرية او لأسباب أخرى تخصه، بعد نصرهم المبين هذا!! لان شبح هذه الساحة يطاردهم، ولا بد من الانقضاض عليه وإعلان النصر من تحت نصب الحرية، الذي يكرهونه بشكل لا يصدق فهو يذكرهم بنهايتهم جميعا.

ان الكثير من مسؤولي النظام الحالي يفكرون بينهم وبين أنفسهم بل قد يتناولون ذلك في أحاديثهم الخاصة بهدم معالم الساحة ونصبها، لأنهم لا يريدون تذكر ايام وساعات الرعب التي عاشوها وحناجر المنتفضين تهتف ضدهم وتطالب بمحاكمتهم وإنهاء نظامهم البائس الذي جلب الويلات على رؤوس الناس.

الصور التي التقطها مسؤولي النظام امام نصب جواد سليم، انما هي تعبير ان انتصار وهمي ومزعوم على الجماهير، فحكومة الكاظمي لم ولن تقدم للجماهير اي شيء سوى المزيد من الخراب والبؤس والبطالة والحروب، وفي مرحلة ما لن تكون بعيدة، ستدرك ان العراق بجميع مدنه ومحافظاته وجامعاته ومصانعه ومؤسساته سيتحول إلى ساحة تحرير، وعند ذلك ستتحقق الكوابيس التي يعيشها أقطاب النظام من قدرة الجماهير على فعل كل شيء.

شتان ما بين ساحة التحرير وهي تحتضن المنتفضين المطالبين بالحرية، وبين القطعات العسكرية وقادتها المدافعين عن النظام وهم يحاولون تجريف حلم العراقيين بالتغيير.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار