ثلاثة انهار وصحراء وشرفه؟/8

عبدالامير الركابي
2020 / 10 / 31

عبدالاميرالركابي
تعمد القصورية العقلية الانسايوانيه، الى تكريس الأحادية في النظر الى الحياة والوجود، وبالاساس المجتمعية وطابعها البنيوي التاسيسي، وعلى وجه الخصوص اشكال تعبيريتها، وهي تتبنى الحكم الاحادي الفاصل بين "المجتمعية" و "الدين"، نافيه بالأساس وكمنطلق، كون ما تتحدث عنه هو مظهر مجتمعي بدئي، دال على الكينونه الازدواجية للظاهرة المجتمعية، وان ماتطلق عليه الدين هو حقيقة مجتمعية موازية، مخالفة تتجلى سماويا بما يتناسب واساسها ومنطلق تشكلها الاصطراعي، بمواجهة المجتمعية الأخرى الارضوية.
يمكن والحال كذلك ان نتخيل مايولده تكريس هذا النمط من النظر الى التاريخ التصيري والمجتمعي من اثر انتقاصي وقصوري، خال من الحد الأدنى الضروري اللازم لوصف الظاهرة المجتمعية بكليتها، هذا غير ماتصر الأحادية على تكريسه كواقع نهائي، وقدر مسلط على الظاهرة "الدينيه" يمكنها من التطور، ومن شمولها بالقانون الساري على المجتمعات وماتخضع له من آليات، وهو مايظهر بالدرجة الأولى في الحكم المستعمل والجاري اسقاطه على الظاهرة المجتمعية اللارضوية بصيغتها التي وصلتها واستقرت عليه،ا بالاخص في موضع توليدها، ومسارات تشكلها المطابقة لنوع الكيانيه الشرق متوسطية التي افرزتها، بينما تعتبر الظاهرة المنوه عنها "منتهية" بمهنة التوقف، وسار عليها "الختام" بعد ثلاث قراءات نبوية كبرى معروفة، تنتهي بالإسلام المحمدي، مع نفي بداهي لاية احتمالية مابعد نبوية، لابد ان تكون باية حال دالة على سريان قانون التغير الطبيعيى التاريخي على الظاهرة المذكورة كما على سواها.
وتتظافر هنا عوامل أخرى لتساعد على تكريس هذا الإيقاف الاعتباطي لمسارات الطرف الثاني من الازدواج المجتمعي، من ىينها وفي الأساس حالة المجتمعية اللاارضوية نفسها، ومايطرا عليها ويصير غالبا خلال الدورة التارخية الثانيه وافتتاحها المدوي بالثورة الابراهيمه التحريرية المحمدية الجزيرية، ومانجم عنها وتبعها، والت اليه من انقطاع، يقابله صعود على الطرف الاخر المتوسطي الأوربي، حيث التكريس الأقصى للاحادية المجتمعية ومفاهيمها ونموذجها، وغلبته الفائقة والمعممه على المعمورة.
ولم يكن النبي محمد ليعرف تعبيرا استثنائيا يصف به موقعه ضمن المسار البراهيمي، ابلغ من "الختام"(1) تاركا للعقل اللاارضوي في ارضه ان يتكفل مهمة التمييز الأخطر واللازم بين ( الابراهيمية / النبوة) والابراهيمه بفصلين نبوي ابتداء ومابعد نبوي تحققي، النبوه ابانه طور أساسي ولازم، له اشتراطاته ومحددات شكله، ونوع تجليه وحضوره، والدوافع الناظمه لالياته ابان مرحلة الهيمنه الأحادية، وغلبة القصور العقلي المجتمعي، قبل بلوغ العقل زمن ادراك الظاهرة المجتمعية، وتبين حقيقتها الازدواجيه، مع مترتبات خاصياتها الأساس، وبالذات التحولية منها، الامر الذي كان لينسحب على النظرة المعتمدة لمجمل المجتمعية وتاريخها ومساراته.
ترى هل ثمة مايمكن ان يلاحظ، او يلتفت اليه من دالات واحتمالات استمرار و نمو " الابراهيمه" انتقالا من "النبوة"، الى "التحقق"؟. يجري الحديث هنا عن مايقارب الالف وخمسمائة عام، هو الزمن الفاصل بين الطورين الابراهيميينن، أدى ابانهما الفصل النبوي العبقري الأعلى اللاارضوي، ماهو مطابق لاشتراطات وجوده كطور اول اضطراري انتظاري من التعبير"الوطني / القومي"، المطابق للكينونة بحسب التعابير المستعارة من الغرب الحالي، بمعنى سريان قانون المرحلتين والطورين على التجلي الوطني الازدواجي، المميز لمنطقة كيانية الأنماط المتعددة، انطلاقا من البؤرة الازدواجية الرافدينيه، بانتظار الطور الثاني اللاحق على النبوي، والمترافق مع "فك الازدواج" مجتمعيا.
يحتل الزمن الفاصل بين القرن السابع والقرن الواحد والعشرين، موقع المرحلة الفاصلة بين الابراهيميتين، حيث تظل النبوة هي السائدة والطاغية رغم فقدها لاسباب استمرارها وفعاليتها الحيوية بانتظار المتغير البنيوي الفاصل. فاذا كانت النبوة كطور قد تهيا لها ان تستمر بعد انتهاء الدورة الثانيه، كاستعادة سلفية مستحيله في غير زمنها، وكمكون شخصية مجتمعية، فانها انما تظل تعتاش وقتها على الواقع وعمل البنية الأساس الشرق متوسطية، او متبقياتها ووبعض اثارها المطردة التازم. فالنبوه ليست كما يتصور احاديا وتابيدا، منفصلة عن الواقع، او عن البنية المجتمعية التي هيات الأسباب المادية لسيادتها كمعبر مطابق لنوع كيانيه هي تلك المتعددة الأنماط، مع خاصية رئيسية ميزتها ومنحتها خصوصيتها العبقيرية، اهم سماتها وارأسها القدرة الحدسية الفائقةعلى التطابق مع واقع بنيوي غير قابل في حينه للادراك، هو بالاصل واقع الازدواج التحولي الرافديني، والاحادية النيلية، والصحراء الاحترابية المحكومة لاقتصاد الغزو واحادية اللادولة، والمجال المطل على البحر المفتوح بلا تبلور كياني.
لاتعود العبقرية الحدسية حاضر، او قابلة للحضور والحياة، بعد ان تكون أدت مهمتها والمطلوب منها مع اطلاقها للدورة التاريخيه الثانيه في القرن السابع الميلادي، بينما يحل من وقتها طور الادراكية "العلية" كلزوم تاريخي متجدد ولاحق على النبوي الحدسي، الامر الذي لن يتحول الى زمن متبلور وغالب، قبل قرابة الف وخمسمائة عام، هي المدى الفاصل بين رؤيتين وروايتين، أولى تاسيسية تفارقية دالة على الازدواج المجتمعي، تتجلى توراتيا، وانجيليا، وقرآنيا، والثانيه الحالية الراهنه، هي رؤية وقراءة الكشف، واماطة اللثام عن المنطوى الملموس، الكامن المودع في الظاهرة المجتمعية.
ولن يكون مثل هذا الانقلاب ممكنا الا بشرط "اختفاء الأنهار الثلاثة والصحراء والشرفة" الامر الذي يكون من مستهدفات الانقلابية الاوربية، وانعكاسات الانتقال الأوربي من الإنتاج اليدوي الى الالي، مع كل مابتصل بالمفاهيم والنموذج الحياتي المواكب والمتحقق بحكم الانقلابيه الاوربية الحديثة، وكنتيجه لها، بينما تكون قد اتخذت موقعا كوكبيا غامرا ومهيمنا، يعجز عن ان يتوطن في منطقة الأنماط المتعددة، مع انه وفي الوقت نفسه، بسهم في توليد أسباب ومفاعيل متغيرات استثنائية، ليست بالضرورة، ولا هي من طبيعة من شانها تكريس مقتضيات الانتقال الالي، ان لم تكن تعاكسه في الجوهر، في مقدمتها وعلى راسها " النفط" واثره كقوة انقلاب تاريخي غير مسبوق .
ولم يسبق لابناء الشرق المتوسطي اطلاقا، ان ذهبوا وهو يدبجون الاقوال والكتب عن " الاقتصاد" كما ينقلونه من الغرب الحديث، ان تساءلوا عن الدلالة الغامضة الموحاة من التاريخ وراء وجود النفط الفعال، في كل من الجزيرة العربية والعراق بالذات، أي في مو ضعي تجسد القمة وانطلاق الدورة الثانيه، وليس في الشرفة المطلة على البحر، ولا في مصر، التي تظل تحت وطاة وغمار التفاعل التاريخي التقليدي مع البنيه النيلية، والنيل الموافق للعملية الإنتاجية، واحادية الدولة والكيانية البكورية السابقة بما لايقاس زمنيا، على النموذج "الوطني"، ونمطية ( الدولة / الامه) الغربي، الامر المناسب كليا لتاجيج الاعتقادات الوهمية عن "حداثة مصرية" على النمط الغربي، ضمن كيانيه وبنية نهرية، فاقدة للديناميات الاصطراعية الذاتيه، تكرارية لحد الاجترار، وسكونية، تختلط ايهاما بالنموذجية الغربية، بينما واقع الحال يرتكز الى الأسس الكيانيه التقليدية القريبة بنيويا من الناحية الشكلية، للمفاهيم والنموذج الغربي الحداثي، الى ان تبدا هذه بالتآكل، وتكف مصر عن ان تكون "هبة النيل"، مع تعاظم عدد السكان وتعدية لقدرة النيل على إضفاء ايقاعه البيئوي على البنية المجتمعية، مايفضي لحال قصوى من التازم التاريخي البنيوي، في الوقت الذي تكون الجزيرة العربية فيه قد انقلبت من واقع اقتصاد الغزو واحادية الدولة التي هي طابعها وميزتها، الى القبلية الريعية المعيلة للمجتمع، والنتائج المترتبه على هذا الانقلاب بعد حوالي قرن من توطد هذا النوع من النظام، في الوقت الذي تشارف الاليات النهرية الازدواجية المجتمعية التحولية الرافيدينيه على التوقف، وحلول زمن "ارض مابعد الرافدين" بعد ان ظلت ابتداء والى اللحظة، "ارض مابين النهرين".
وقتها تدخل منطقة الأنماط المتعددة زمن التعبيرية الثانيه، مابعد النبوية، ويصير المعول من حينه على انبثاق الرؤية الابراهيمه العلية السببية، ومن النبوية التوراتية الانجيليه القرانية والقراءات الكبرى الثلاث التي تقابل الأنهار الثلاثة عددا، والتي هي شكل التعبير الكياني المطابق للكيانيه الشرق متوسطية، يلوح زمن مابعدها لاعلى المستوى الشرق متوسطي وحسب، بل وكما هو الحال من قبل، على المعمورة برمتها، كما كان الحال على مر التاريخ، ذلك مع إضافة جديدة أخرى تستكمل بموجبها المواضع التي لم تشملها الابراهيمة الأولى، وتحديدا الصين، وبعض الهند، لتصبح مع انبجاسها مذهبا بشريا شاملا للمعمورة، وسط احتدام دينامي وحال انتقال زمني، تعم الكرة الأرضية، وتاخذها الى مابعد مجتمعية ومابعد "انسايوان".
ـ يتبع ـ جزء ختامي
زمن اختفاء الأنهار الثلاثة والصحراء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ليس مفهوم "الختام" محمدي حصرا، فلقد سبق للنبي العراقي البابلي الميساني "ماني" ان قال في القرن الثالث للميلاد ب "الختام" النبوي، وقرر اربع صلوات بدل الخمسة المحمدية باعتبارها اجراءا عمليا عبقريا لتكريس العقيدية المجتمعية بدل القبلية الجزيرية وهو مابعد اخطر ماقد افلح النبي محمد، ولأول واخر مرة في تاريخ الجزيرة العربية، في تحقيقة استنادا للارث الابراهيمي لا العربي الجزيري الصرف.