الاختيار والاضطرار

ساطع هاشم
2020 / 10 / 30

يروى ان جوليان ابن اخت قسطنطين الامبراطور الروماني، كان قد تمرد على المسيحية التي جاء بها خاله، وحاول استرجاع الديانات اليونانية القديمة في أثينا التي رحل اليها لهذا الغرض، لكنه حورب هناك من قبل المؤمنين وقتل بعد سنتين على حكمه عندما أصيب بسهم في صدره، وقبل موته قال كلمته التي غالباً ما يستشهد بها الكتاب: لقد انتصرت أيها الجليلي - والمقصود هو المسيح.
وبعد مقتله انتهت اخر الثورات ضد الديانة المسيحية وانتهت عمليا الوثنية في اوربا ودمرت اثارهم ومعابدهم وفنونهم، والغيت جامعات ومدارس الحكمة في الاسكندرية والغيت ودمرت أثينا وانتهت مهرجاناتهم والتي اشهرها الألعاب الأولمبية، وفر حكمائها وعقلائها الى كسرى بالعراق، ومنحهم اللجوء وقضى قسم منهم بقية حياته في تطوير لعبة الشطرنج، وعمت السفالات والتعصب وبدأت العصور الاوربية المظلمة.
وهذا ما يحدث لنا الان بالضبط في الشرق الأوسط، من تهديد وجودي على يد الديانات الخمينية والوهابية وشعوذات الاخوان الشياطين بالعالم، وعموم الإسلاميين وقتلتهم وميليشياتهم، وذلك بتدمير كل ما بنته الأجيال الحديثة في تأسيس وبناء الدولة المدنية بالمئة سنة الأخيرة

في زماننا هذا تداخلت الأفكار والعقائد والايديوجيات وصارت الأفكار الخاصة بهذا المبدأ اوذاك تدخل الى الأخرى بدون رقيب مع وجود هذا الكم الهائل من وسائل الاتصال والتأثير، والكتب العلمية والسياسية والاجتماعية والمقدسة والمئات من الأنواع الأخرى، التي تعج بها صفحات الانترنيت والمكتبات والشوارع والساحات في كل مكان، وهذا عكس ما جرى بالعالم في الفترة بين الحربين، عندما كان الاصطفاف الطبقي والأيديولوجي واضحاً بين الأنظمة السياسية والفكرية الأساسية الثلاثة النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي الليبرالي والنظام النازي والفاشي، وقد فرض هذا التقسيم على الفرد او الجماعات بالعالم الاختيار القسري او الطوعي للانتماء الى واحدة من هذه الأنظمة، وكان من الصعب إن لم يكن من المستحيل عدم الاختيار او عدم الانتماء لاحداها، وكان هذا اصعب امتحان عرفته البشرية حتى ذلك الوقت، بمعنى العيش بين الاختيار والاضطرار.

والغريب اننا نشهد في عالم اليوم الكثير من هذه الأفكار والعقائد المتداخلة التي لانستطيع وضعها في خانة او تقسيم مثل الماضي، لان الكثير منها تتودد للفقير وتدعو لنصرته وتجعل من الفقراء اخوة سيجتمع بني البشر ذات يوم حولهم، لانهم يشكلون ثمانية اعشار سكان العالم الان، وهذا التداخل ينعكس سياسياً وفكرياً بقبول معظم الأنظمة والايدلوجيات المختلفة المنتشرة بالعالم، بفكرة حقوق الانسان والديمقراطية والمساواة او ما تسمى بافكار عصر التنوير الأوربي للقرن الثامن عشر او الليبرالية السياسية على الأقل نظرياً، لان خطة القمع والاضطهاد التي مارستها السلطات بالعالم لم تجدي نفعاً، حيث الاستشهاد هو اخصب ارض لمضاعفة الحصاد واسرعها للمضطَهدين الضعفاء، وأولئك العازمين على انتزاع حقوقهم والتزامهم الفكري، فمقابل كل شهيد يتقدم عشرة لملأ فراغه، وهذه ظاهرة عالمية ولا تختص بدولة واحدة.

اما الكتل الكونكريتية للفكر الماضوي ومسرحها الدموي الدرامي في الشرق، الخالي من الروح، فهي مثل مجموعة من الصخور على ساحل بحر متلاطم الأمواج، مخلوق مشوه عرفناه منذ ان فتحوا علينا نيران أسلحة التخلف والخرافات والخوارق والمعجزات الدينية المبتذلة، واستعملوا جمهور الغوغاء الهائج ناقص التربية كسلاح ضد الإنسان.

نرفع غطاء هذا الفكر الهدام اليوم ولا نجد له وجهاً او محيا، ونحن نحاول الحياة والمقاومة مع هذا الارتداد الفكري الرجعي الشامل القائم على أساس الحرص على محاكاة الاقدمين وعقائدهم الميتة بهدف محو التقاليد التقدمية والانسانية بالعالم المعاصر.
ثم نبتعد رهبة منه ونقترب بحذر رغبة في رؤيته، فنكتشف انه مخيف في رقاده وثباته وجذاب أيضاً لانه ليس هامداً تحت الثرى، لكنه معنا رأس يفكر لم تهب رياح الحياة على محياه ولا نسماتها منذ قرون، ثابت ولونه مثل وسخ الأرض، خامد لا يسمع ولا يعي الالغاز الحاضرة.
وبما انه لايوجد اصطفاف واضح بين الطبقات واحزابها، وان عنصر المساومة والمصالحة بين القوى المتصارعة هو السائد الان وهو الذي تشجع عليه الأنظمة السياسية الديمقراطية بالغرب التي تمسك بالقيادة السياسية للعالم، فأن حدوث تغير جذري بالعالم كالذي عرفته البشرية قبل مئة عام عندما انتصرت ثورة أكتوبر البلشفية يكاد ان يكون معدوماً، وذلك لاستحالة وجود شكل فكري واحد، خاصة مع ضعف او غياب او تدجين الطبقة القادرة على احداث التغيير القادر على تغيير العالم والتي اعتقدنا سابقاً بأنها الطبقة العاملة.
اننا تاركين السماء للملائكة والعصافير – الشاعر الألماني هايني -