ثلاثة انهار وصحراء وشرفه؟/5

عبدالامير الركابي
2020 / 10 / 25

ثلاثة انهاروصحراء وشرفه؟/5
عبدالاميرالركابي
تصاب منطقة شرق المتوسط بحالة اختلال قصوى على مستوى العلاقة الترابطية البيئية المجتمعية، من دون ان يكون ذلك ناشئنا عن دخول وسيلة الإنتاج الالية حياة الكيانية المتعددة الأنماط، او ان تتحول الى عامل رئيسي نابع منها، او متوطن فيها، ويؤدي حضور الغرب المباشر وغير المباشر، مع ماينجم عن تحوله لنظام عالمي، إضافة لتباطؤ او تأخر عمل الاليات الذاتيه المتاتي من غلبة مفاعيل الانقطاع التاريخي المميزه لتاريخ الشرق متوسطية، لحالة غير مسبوقة، قد يجوز الذهاب لمقارنتها بالابتداء، او البدء المجتمعي الأول والمغامرة الكبرى العقلية التي خيضت هنا، فكا لالغاز الكون، ولاجل الاقتراب من "اعقاله" كضرورة لامعدى عنها وشرط للعيش فيه، هذا في حين تكون الوسائل، والعدة المتوفرة، والتي امكن عن طريقها وعي الذات في الماضي، وكانت حيه وحاضرة متجددة خلال الدورتين الأولى والثانيه، قد فقدت القدرة اليوم، وبعد الف ومايزيد على مائتي عام تقريبا، منذ ختامها النبوي الأخير،على ان تكون اطارا بالإمكان استناد اليه، ب مغادرة الانقطاع التاريخي، واختراق وطاة الغرب الالي.
ولم تكن هذه المنطقة قد تسنى لها من قبل، وعي ذاتها المفهومية والكيانية، ولا عمل اليات تاريخها كوحدة متلازمه العناصر، الامر المتوقع ابان مرحلة القصور العام بإزاء الظاهرة المجتمعية، ومع حضور الغرب مفهوما ونموذجا، جرت عملية التحاق مبتسر بماعرف بالعلمانية كما يقدمها الغرب عبر موضوعاتها المختلفة، وسواء مع ضخامه ونوع الظاهرة الحديثة الغربية، وشمولية منجزها، او مصادفة خضوع منطقة الشرق المتوسطي لزمن الانقطاع بين الدورات ابانها، فلقد كان من المتوقع ان تطفو على السطح، عقول هي بالأساس قاصرة، و غيرفعالة، عدا عن كونها غير مهياة للتعامل مع ذاتها، وقد وجدت اليوم كحالة اميل الى التطامن النقلي مادون التفكري، مما يجعل احتمال مقاربتها للمهمة الكبرى اللاحقة على الغرب وقتها، بالاتقال الى "العلية العلموية الابراهيميه"، شانا خارج البحث، ولايمكن على الاطلاق تخيل وقوعه، بالاخص حين كانت المنقولات التوهمية من الغرب، قابلة للعيش الموقت الشكلي الماخوذ بالتماهي مع نموذج اعلى متشبه به، وهو ماقد تحقق مايبرر اعتماده القصوري على مستوى "الدولة" والأفكار، وبنى الأحزاب والثقافة، وهيأ حالة استلاب استثنائي طالت لقرنين من الزمن، فقبل ان تصل هذه نقطة اللافعالية، ويعم مع القرن الواحد والعشرين زمن اخر خارج عن ممكنات المشروع المنقول والمستعار، تتوقف فيه كافة الوسائل والبنى، واشكال الاستعاره، في كافة المجالات عن العمل، او إمكانية التعديل والإصلاح، ويحل على الوضع في الكيانية متعددة الأنماط، زمن التناغم مع طور "مابعد البنى البيئية التاسيسية".
ومن البديهي بهذه المناسبة استعادة وقع الوتيرة التفاعلية التاريخية، ما قد يغري بالعودة لمتوالية البداية الشرق متوسطية النهرية السابقة على الطور الغربي الأول الاغريقي الروماني، وصولا الى الطور الشرق متوسطي الثاني الجزيري العباسي، قبل انهياره وصعود الغرب الثاني الراهن على اثره، مايجيز التساؤل عما اذا كانت منطقة وكيانيه الأنماط المتعددة سائرة منذ صعود الغرب الحالي الثاني، الالي الراسمالي، الى الدورة الثالثة الشرق متوسطية، والكوكبية من جديد، هذا بينما يكون زمن التعاقيبة والمراحلية التاريخيه قد شارف فعليا على الانتهاء مع قرب انتهاء الظاهرة المجتمعية، وبلوغها بعد دورتين تاريخيتين، زمن ماوراء الدورات.
هنا على الاغلب نقف امام "مالايمكن افتكاره"، باعتباره حالة دائمه ولازمه عقلا بإزاء الظاهرة المجتمعية من جهة، كما باعتبار قدسية التعبير الغالب "الابراهيمي النبوي" (1) المكرسة، بما هو محدد هوية المنطقة، والتصور المطابق لالياتها ضمن اشتراطات وزمن القصور العقلي الأحادي، واللاتحقق، الامر الذي يحول الى حد بعيد، دون احتمالية او إمكانية تجاوزه بصيغته الراهنه المتبقية من الدورتين السالفتين، فالنبوة وبنية "مملكة الله على الأرض" يتعذر افتراض خضوعها لقانون التبدل بحسب تغير الظروف والاشتراطات، بالذات وخصوصا بسبب بنيتها ومصدرها العلوي، ومجمل طابعها الايماني، بالمقابل لم يسبق للعقل الشرق متوسطي ان راى، او قارب قانون الدورات والانقطاعات اصلا، ومن ثم مآله وهل هو مما لانهاية له تكرارا، بمعنى الحسم بخصوص غاية الدورات التاريخيه، ومدى ارتباطها بالغاية والهدف المودع والمضمر في الظاهرة المجتمعية.
هل بالإمكان اليوم اعتماد فرضية الانتقال من زمن "اللاتحقق"، الى مابعده، ومن ثم التساؤل بخصوص التعبير الابراهيمي، ونوع تجليه في الحالتين، وبالذات اذا كان من الواجب والضروري الحديث عن "ابراهيمه تحققية لاحقة على الابراهيمه النبوية" أي مابعد نبوية، حيث نجد انفسنا بإزاء لزوم تعريف النبوة، باعتبارها "حالة التطابق مع الحقيقة المجتمعية الخافية حسيا، من دون ادراك عليّ سببي"، وهي منتهى وقمة التجلي العبقري الممكن في عقل الكائن البشري/ الانسايوان، مقارنه بمايعرف في الغرب ب "الفلسفة"، شكل التعبيرية المقابل للشرقي، والمطابق لنوع المجتمعية الانشطارية الطبقية.(2)
وكما يتوقع فان صعود الغرب وانقطاعية الشرق المتوسطي، ستنجب اليوم حالة من عدم التناغم مع الآليات النائمة والضعيفة الفعل، الا استعاديا سلفيا، مايتيح الى حد ما اضطرارا شيوع وغلبة حالة من مجاراة الغرب والتشبه به تعبيرا، بحيث تطفو على سطح الحياة ظاهرة مايعرف بالثقافة والمثقفين المنخرطين في الرؤية المنفصلة عن مجالها بنيويا وضرورة، قبل ان تنقطع الأسباب العارضة التي تبيح وجود مثل هذه الظاهرة، مع تفاقم الازمة البنيوية، وثقل حضور الغرب ووطاته، بالاضافه لضعف دور البنيه والاليات، مع تعاظم الحاجة لحضورها، بينما يتعاظم كاهم خاصية من خاصيات الانتقال الى زمن مابعد الدورات التاريخيه ( أي مايفترض انه الدورة الثالثة) دور ومكانه الرؤية والمفهوم المطابق للتحولية على المستويين الشرق متوسطي والعالمي كوسيله حاسمه في بلورة المنظور التحولي التكنولوجي، من وسط الاختلال الالي الراسمالي المتفاقم والكارثي على مستوى المعمورة.
لايتاتى الخطر الكامن في الالة، على التوافقية المجتمعية البيئية من "الالة" بذاتها كوسيلة انتاج، بقدر مايتاتى الجانب الكوارثي المرافق لحضورها، من داخل المجتمعية الطبقية تلازم ( الراسمالية/ الاله)فالوسيلة الجديده كان يمكن ان تكون بمثابة سبب أساسي في تطوير التوافقية الاجتماعو /بيئية، ونقلها نحو طور جديد اكثر صلاحية وثراء على الصعد كافة، الامر الذي ظل ومايزال يحول دونه، الراسمال وجشعه، وميله المتوحش لاستعمال كل مايقع تحت يده من وسائل لاجل تعظيم ربحه على حساب الكائنات البشرية والمجتمعات، وهو ماجعل من المهمة الفعليه التي شخصت في العصر الحديث، وصارت أساسية، متركزة على السعي لتخليص الاله من هيمنة الراسمال، الامر الذي لم يكن ممكنا، ولاتوافرت أسبابه، برغم كل اشكال رفض الهيمنيه الراسمالية ومقاومتها، وماتسببت به باسم "التقدم"، وتحت ذريعته من كوارث شاملة لحقت بقواعد توازن الحياة بكافة مناحيها.
لكن قوانين "التحولية" لاتتوقف عن العمل، هذا مع العلم ان تحورها بما يتناسب مع اللحظة الانقلابية النوعيه الاخيره، يزيد من مستوى ونوع التحدي الواقع على العقل، فيدخله لحظة لامثيل ولا سابق يشبهها، قد تقارن من بعض الوجود بتلك اللحظة البداية مع اكتمال قوام الظاهرة المجتمعية البيئية التحولية الاول، هذا في الوقت الذي يخضع فيه الغرب لفصلين من التاريخ الانقلابي، آلي مصنعي ابتداء، ثم تكنولوجي، طبقي اوربي، وومن ثم ثنائي إبراهيمي/ راسمالي امريكي، مفقس خارج رخم التاريخ، بالمقابل تخضع المنطقة الشرق متوسطية لطورين مقابلين، الأول اتباعي متماه مع المنظور والنموذج الغربي المعاصر"المصنعي"، وطور ثان تستحيل معه على الاستعارات النقليه الاستمرار في الوجود، فتأخذ بالتهاوي، بينما تلح على العقل كما لم يحدث من قبل على مدى التاريخ، ضرورة وعي الذات الخافية حتى حينه، ويعم منطقة الأنماط المتعددة نوع انقلابيه استثنائية، تكون مقدماتها خللا عاما، وتوقفا في فعل الوسائل المستعارة كما صار بائنا في الشرق الأوسط باطراد اليوم.
ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)في الشرق تأخذ اشكال التعبيرعن الذات صيغا من نوع "البوذية الهندية" و"الكونفوشيوسية الصينيه" وحتى بمعنى ما "الزرادشتيه" الفارسية كضرورة امبراطورية سلطوية، تقابلها "الابراهيمه"، الشرق متوسطيه، بحضورها المتعدي لموضع تشكلهانحو العالم، الامر الذي ينفي بعض التصورات المتاخرة المنقولة بفجاجة عن الغرب مثل "القومية العربية"، بمعنى "ثورة الجزيرة العربية الابراهيميه المحمدية الختامية" حيث العرب لايصبحون موجودين خارج ارضهم، ولايمكن لهم ذلك، الا بالابراهيمه، أي بصفتهم "ابراهيميون"، وهو طور انتقال ضمن مسارهم التشكلي التاريخي كجماعة، من العروبة لمابعدها ويتعداها الى الاندغام بالاليات "الكيانية الشرق متوسطية" حيث الابراهيمه هي الأساس التعبيري الكياني المتعدد الأنماط، والعالمي، بخلاف مايظن عفلق وغيره من المسيحيين الشوام.
(2) يكرس الغرب بالاخص في العصر الحديث، علو مكان تعبيريته الفلسفية، كارفع اشكال التعبير والفعالية العقلية، ويقسم هيغل مراحل تطور الفكر البشري الى ثلاثة متتابعه، هي : الأسطورية، ثم الدينيه، واخرها واعلاها الفلسفية. فيعتمد هذا التصنيف اعتباطا من الجميع، مع انه نوع توصيف معبر عن حالة ومناخ تعبيري احادي بذاته، وبحسب مايمكن له ان يدرك ذاته ضمن العالم. يقابله تصنيف: العقل الأسطوري، ثم الابراهيمي غير التحققي النبوي، ومن ثم الابراهيمي العلي السببي او "العلمي" التحققي، التحولي المنتظر بزوغه من هنا فصاعدا.