عبد السلام ياسين من البودشيشية إلى الياسينية

المهدي بوتمزين
2020 / 10 / 25

تكتسي العلاقة بين الإسلاميين و الأنظمة الحاكمة في الدول العربية طابعا خاصا و استثنائيا , حيث تخشى الحكومات العميقة التي تُنتخب من السفارات و أجهزة الإستخبارات الغربية , بلوغ الإسلاميين المناصب الحساسة في الدولة و على رأسها رئاسة الحكومة .
و هذا الصراع مردُّه إلى استمرار ميكانيزمات الإستعمار السابق , حيث خرج الاحتلال من الباب و عاد من النافذة . و السواد الأعظم من الحكومات العربية تقع تحت الوصاية المباشرة للبيت الأبيض و الإليزييه و البيت الإسرائلي . فالنظام العالمي الذي يقصد به الإرادة الأحادية لإعادة رسم معالم نظام جديد على قالب النموذج الغربي , يرفض قيام ثورة إسلامية واعية و سلمية أساسها الكتاب و السنة و يهدف إلى توحيد العقائد و السياسات و الأفكار و هو أمر صعب المنال . لأن المد الإسلامي لا بخضع لقوانين الفزياء التي يمكن أن تحصره في زمان أو مكان محدد , فاليوم نلمح مرحلة جديدة من العلاقة بين الغرب و الإسلام من خلال معاهدة السلام بين واشنطن و حركة طالبان هذه الأخيرة تضع ضمن شروطها الأولى إقامة إمارة إسلامية دون اللعب بالمصطلحات و التماهي في التغني بالديمقراطية و الدستور و مفاهيم القوانيين الوضعية .
تكمن أهمية معرفة محددات التدخل الغربي في شؤون الجماعات الإسلامية , في تقدير مدى المصالح المتبادلة بين الحكومات الغربية و نظيراتها العربية . حيث نشهد في هذا المضمار تقعيد أسس تخضع لمنطق المصلحة و البرغماتية المطلقة التي تجهز على كل تصور ممكن لحاضر و مستقبل هذه المجاميع . فإذا بدَت للغرب الحاجة إلى بروز حركة أو دعوة إسلامية سلفية أصولية أو صوفية مبتدعة لتنفيذ بعض عوارض مخططاته سارع إلى دعمها و ضبط تحركاتها و هياكلها بما يخدم أجنداته و هذا يتم بطرق عدة مباشرة أو بعيدة و سواء بالتنسيق مع الأنظمة العربية أو بمنأى عن إشراكها في ذلك .
الموقف الغربي و معه الحكومي الوطني فيما يرتبط بالإسلاميين في المملكة المغربية, تبرعم و انبتقت عنه ألوان و فصول من السجال الذي بلغ مستويات كبيرة من العنف و المعارضة و التجلد و الإطباق على مواقف تعد من وجهة نظر النظام المغربي رفضا مبينا للطاعة و حلا لعقد البيعة ما يقتضي الضرب بيد من حديد لكل من خرج عن قول الأمير ,كما حدث مع خلية عبد القادر بلعيرج و بعض أعضاء و قيادات حزب البديل الحضري المنحل .
يملك الإسلاميون في المغرب موقعا خاصا يجعل منهم حلقة قوية إلى جانب التيارات اليسارية الإشتراكية الثورية التي لا تداهن و لا تفرط في الثوابت . ما فرض على النظام المغربي لعب أوراق تبدو في بعض الأحيان تنازلا أو تكيفا مع الوضع القائم لكن دون منح أو تسليم الثقة , لأن هذه الأطراف يمكن أن تعود إلى المانيفست بسرعة انتشار الصوت . بمكن القول أن العلاقة بين التيار الإسلامي و الدولة منذ عهد الحسن الثاني خضعت لمحددات فرضتها ضرورة حماية الحيز الخاص بإمارة المؤمنين و محاربة التطرف كمطلب غربي , و يقصد به إقامة نظام إسلامي جديد يقبل التعامل بالربى كاَلية اقتصادية و يذعن للهيمنة و الإملاءات الغربية في كل المجالات بما فيها الموافقة على التواجد الإسرائلي في منطقة الشرق الأوسط , علاوة على الإنفتاح الذي يساوي بين الرجل و المرأة و يمنح مساحة هائلة من الحريات الفردية و الجماعية أي فصل الدين عن الدولة و المجتمع . هذا هو الإسلام النموذج أو المثالي الذي تعمل على خلقه مكاتب الظلاميين و الطابور الخامس في الدول العربية التي منعت وصول الإسلاميين للحكم في مصرو تونس و الجزائر , رغم الإنتخاب الشعبي الوطني لهم , لأن تتويجهم بالرئاسة سيقلب الطاولة على المؤامرات التي حيكت و مازالت ضد الأوطان العربية .
من بين أهم الجماعات الإسلامية في المغرب نجد جماعة العدل و الإحسان التي أسسها الشيخ عبد السلام ياسين, و التي تقف على خط المعارضة للنظام السياسي المغربي و على منحى التيارات الأصولية التي تؤمن بالحاكمية و تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية حتى يقام العدل كأساس اجتماعي سياسي لا مناص منه و الغاية ترتبط بالإحسان. و هي من الأبابيل الصوفية التي تلتزم الهدوء في الدعوة و تقبل مبدئيا الحوار كمعبر للتحكيم رغم انكفائها و انزوائها و رفضها إقامة حوار مع الدولة .
المسار الروحي و العملي الذي خاضته أسرة الجماعة بوأها مكانة متميزة و منحها قاعدة شعبية تقدر بحوالي 3 ملايين مناصر أو متعاطف معها ,و ذلك لأنها نهجت الدعوة بالَّتي هي أحسن امتثالا للرسالة النبوية المحمدية و هي تلبي بذلك الحاجة الروحية إلى إقامة الشعائر و التذكير بالدين في كل زمان و مكان دون تعصب أو غوغائية غير مقبولة مستغلة بذلك ضعف النشاط الديني بالمملكة و أحاح الناس إلى تشرب فيوضات الإسلام .
ملامح التعارض بين الجماعة و الدولة يكمن في موقفها الأصولي الذي يدعو إلى إقامة دولة الخلافة , رغم أن المملكة المغربية يحكمها أمير المؤمنين , و هي بذلك لا تعترف بهذه الشرعية الدينية للملك , كما ترفض المشاركة في الانتخابات بدعوى عبثيتها و عقمها لأن النظام في المغرب بيروقراطي يقتصر على الملك و حاشيته, الذين – أي الحاشية- اتخذوا لأنفسهم يافطة خدام الدولة, و بالتالي هما الدائرة الوحيدة للحكم و تظل الحكومة صورية فقط . و هو نفس الأمر الذي أكده عبد الإلاه بن كيران رئيس الحكومة السابق عن الحزب الإسلامي العدالة و التنمية الذي صرح أن الملك هو الذي يحكم و ليس رئيس الحكومة , و هذا التصريح جاء في سياق عام يتضمن في باطنه كل العموميات الممكنة .
إذن فالمرجعية السياسية و الدينية للياسينيين لا يمكن أن تكون محل قبول من طرف أي نظام حاكم, مهما كان مستوى الدمقرطة و حقوق الإنسان و الحريات في البلد . إنه تهديد صريح للنظام القائم أو لنقل إنه طعم ظاهره حلو و باطنه سم زعاف . فالدولة استفادت من الجماعة بغض النظر عن حقيقة تأسيسها و و جودها , فهي تحتضن كل فرد يحمل في داخله قابلية لرفض المشروع السياسي و الديني في البلد لكن دون أن يستطيع تحقيق موقفه بالقوة لأن الجماعة ترفض ذلك . فالدولة المغربية استطاعت أن تجمع كل الأشخاص المحتملين لقلب الطاولة عليها و هبَّت لجمع المعلومات و تحليل المواقف و هي تملك الوقت الكافي لذلك لأنها تعلم أن الجماعة ملتزمة بالهدوء . و هو نفس الأمر الذي تحقق إبان الربيع العربي حيث سرعان ما انسحب الياسينيون من حركة 20 فبراير بحجة عدم الموافقة على بعض النقاط المطروحة . و سبق أن صرح مصطفى العامري و هو عنصر سابق في جهاز الدرك الملكي المغربي و يتواجد اَنيا كلاجئ في الولايات المتحدة الأميركية ؛ بأن الشرطة المغربية نفسها كانت تحمي منزلين فخمين في ملكية المرشد عبد السلام ياسين .
إن تأثير المرشد و المؤسس و المرجع على المتعاطفين مع جماعته يماثل القاعدة القائلة في البودشيشية أن المريدين يمتثلون للشيخ كالمريض بالطبيب . فجماعة العدل و الإحسان تحتاج إلى مراجعة مواقفها و أوراقها لاسيما السياسية منها , و هي في حاجة إلى إقامة أواصر الحوار مع الدولة قبل الأفراد ,و هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالإنخراط الوطني في الأحزاب السياسية و ممارسة العملية الانتخابية , و الدولة لا يمكن أن تمنح أوراق الإعتماد في هذا المضمار إلا إذا تخل الياسينيون عن موقفهم المعارض للملكية و تشبتهم بالخلافة الإسلامية التي ليس هذا وقت تحققها استنادا إلا الأحاديت النبوية .
لقد كانت هناك محاولات قام بها عبد السلام ياسين رحمه الله لجمع أقطاب الحركات الإسلامية بالمغرب لإنشاء حزب سياسي إسلامي , لكن دعوته لم تجد الصدى الكافي , و اليوم تبرز الحاجة نفسها بالنسبة للجماعة حتى تجد لها موطن قدم في الساحة الوطنية التي استطاع فيها حزب العدالة و التنمية أن يزاوج بين العمل السياسي و الدعوي المتجسد في جناحه الدعوي التوحيد و الإصلاح .
لقد عرفتُ العديد من أعضاء جماعة العدل و الإحسان أثناء الدراسة الجامعية و أشهد على دماثة أخلاقهم و بعد نظرهم و حسن علمهم و عملهم , لكن اَخذ عليهم عزلتهم و رهبانيتهم المدنية , و أدعوهم إلى الإنتقال إلى أطوار جديدة من العمل الدعوي و الميداني الفعلي بعد إصلاح بعض الأخطاء التي ارتكبت اتجاه مؤسسات الدولة , لأن الخلافة الإسلامية لا تتوفر شروط تحققها و لا أركان قيامها حاليا , و أن استقرار البلد لا يقوم بمنأى عن الملكية و هذا أمر أثبتته التجارب المقارنة و المسار التاريخي للبلد . أما العملية الانتخابية أو اللعبة السياسية فنرى أنه من الصواب الدخول فيها كما حاول ذلك الإسلاميون في مصر و تونس و تركيا و نجحوا في هذه الأخيرة , و نشهد الإنتصارات تلو الأخرى التي يحققها طيب أردوغان في العالم .
أما عن مستقبل الجماعة فلا رؤية بعيدا عن ما أسلفنا ذكره , و العالم الإسلامي سيشهد تحولات عميقة خلال الخمس سنوات القادمة , و سيكون للجماعات الإسلامية الدور الكبير , لذلك يجب أن تعيد هيكلتها و تراجع فكرها و تتخلى عن الإنزواء الذي يطبع و يسم الزوايا في المغرب . أما عن الهدوء الذي يميز الجماعة فهو هدوء يسبق العاصفة و يمكن وضع كل السيناريوهات الممكنة إذا أتيحت الفرصة للمشاركة في حكم البلد بالقوة و هذا أمر طبيعي في عمر الدولة و السياقات و المراحل التاريخية , إنها طبيعة الأشياء فقط .