طريق الخنزيرة.

عبد الغني سهاد
2020 / 10 / 24

طريق الخنزيرة…
عادة ما كان يصل الى المؤسسة الموجودة في السهل الفسيح بسلام وامان وفي وقت متسع ومريح .وفي ذلك اليوم عقد العزم على الوصول اليها من الجهات الخلفية عبر منحدرات التلة الخضراء المطلة عليها كان المنظر الخلاب للطبيعة يغريه بالقيام بالمغامرة على اية حال..كانت الطبيعة مزهوة بجمالها والفصل كان فصل ربيع..الحشائش تزهو لالحياة والاعشاب متباهية تغوي بالالتفات الى كل الجهات..زرقة السماء تهيمن على الرؤيا..والازرق ازرقا طبيعيا لادخل فيه لذكاء البشر الاصطناعي ولا علاقة له بازرق الفايسبوك..والاخضر حيا ينشد الحان ارادة الحياة ساخرا من اخضر الواتساب..الذي يحنى الهامات الى العلبة..ويستديم اللعبة لعبة الثرثرات.والفراغ..وتداول الصور والفيديوهات المزيفة و التافهة..كل شيء هنا على الربوة والمنحدرات يولد منشيا من روح الطبيعة العذراء..الحشائش تميل مع الريح على الشعاب يمتزج اريجها من عطر التراب والحجارة .الاحراش يغطيها الندى والسفوح الملتوية مبللة بالحياة..وكل شيء هاديء على المسلك الذي يتخلل تلك الربى..الحالمة..ويمر الوقت ببطء ويطول الاغراء بالبقاء في هذا البهاء.ولا يوجد احد غيره في هذا المسلك..بانشراح يدفع الخطوات الى الاعلى فوق الربوة وراء المؤسسة..تكسر الصمت احيانا شقشقات عابرة لاسراب العصافير المتمايلة على الجهات كانها تتابع فصول رحلتها على مدى المسلك الغريب..لاشيء في هذا المجال كان قادرا على قهر قوة الصمت الرهيب..وفي اللحظات القليلة حيث كان على اهبة الوصول الى قمة الربوة..فجاءة وعلى غير انتظار..شاهد ثعلب يركض مذعورا في اتجاهه على نفس المسلك..وكان شديد الدهشة والفزع كانه يفر من خطر اكيد…
وبعد لحظات لحقته خنزيرة مزمجرة عظيمة تلهت وراءه..يستمر الثعلب راكضا بسرعة تطارده الخنزيرة..للتو افرغ لهما المسلك..ومن مكانه كان يتابع المطاردة..بحث عن مكان امن فلم يجد سوى صخرة وحيدة جنب المسلك..
تركن ورائها.يتامل ناعورة ارادة الحياة..
لكن الخنزيرة بجرأة غير متوقعة توقفت عن المطاردة والتفتت تنظر اليه..حينما ادرك انها رصدت وجوده في المجال وتحسست كينونته في موضعها الرحب .تشممت بخطمها المعرق بالعفن وانيابها ممدة الى الاعلى مطلية بالوحل والماء .يصدر منها صوت كخرير مياه المجاري الصحية ..خر.خر.خر.خر.انحرفت حوافرها نحوه ..في اتجاه الصخرة التي تخفيه عنها ..في تلك اللحظة كان في مرمى سهمها..تخلت عن الثعلب المذعور واصبح هو ضحيتها الجديدة...سكنه الذعر حينها لكنه تمالك نفسه ولم يركض..لم يبد اي خوف من هذه الكثلة من اللحم الملفوف بالزغب الاسود ..ظل ثابتا في مكانه وهي تتحرك نحوه ببطء ..تزاول معه نفس التكتيك..قرر ان لا يعدو..ولا يفارق الصخرة..الى اي مكان من المنحدر..كلما كاتت تقترب كان هو يستعد للمداورة..والمناورة..على الصخرة..لارباك حساباتها الحمقاء..فالخنازير عمياء الارادة تعول على الركض السريع والصدم القوي بانيابها الحادة كل من يعترض طريقها..وناذرا ما تشغل حوافرها في الدوس او الرفس..والدوران في نقطة واحدة يصيبها بالانهاك والارهاق ..دار حول الصخرة حين اقتربت الى جهته..وتبعته بصعوبة ..واستمر في اللف والدوران..الى حين ارهاقها..فتوقفت الخنزيرة عن الحركة بل ابتعدت عن الصخرة..فتسلقها هو بحذر من السقوط..فاخدا في النظر الى بعضهما من بعيد..الصياد وفريسته..!
كان يسدد نظرة الى الخنزيرة واخرى الى الطريق..وينتظر الثعلب المرعوب لعله يسترجع انفاسه ويعود..ليستكمل دوره في اللعبة الغريبة في هذا المسلك الغريب..
قضى وقتا طويلا على هذه الحال فوق الصخرة..جنب المسلك الوعر خلف المؤسسة
وحين تعبت الخنزيرة وغادرت مكان الصخرة نزل منها وسارع في الجري الى الجهة التي جاء منها..وغاب ذلك اليوم بكامله عن المؤسسة.
في صباح الغد ساله احدهم عن سبب الغياب..
فاجاب..
-اعترضتني بعض المشاكل في طريقي ؟
وكانه استوعب الحكاية بسرعة رد عليه.
-لا تسلك ابدا هذه الطريق الى المؤسسة...انها طريق الخنزيرة ....؟


2020

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير