ثلاثة انهار وصحراء وشرفه؟/4

عبدالامير الركابي
2020 / 10 / 23

عبدالاميرالركابي
تنتقل المجتمعات ( ونحن هنا نجازف باعتماد موضوعه فريدة في بابها وبلا اوليات او تأسيسات ) من التفاعل مع، والتاثر بالبيئة والمناخ، وتلك مرحلة تستمر مادام شكل الإنتاج اليدوي مستمرا، وصولا لبدايات عملية التحرر من وطاة الاشتراطات المسبقة البيئية، مع الالة ابتداء، ومن ثم مع التكنولوجيا، في الحالة الأولى البيئية لاتكون النمطية ولاالانشطار المجتمعي الطبقي او المجتمعي، نابعا من، او متاتيا من "المجتمعية بذاتها"، فهذه بالاحرى هي ( التجمع، وتوفر أسباب انتاج الغذاء) اما الخاصيات المجتمعية والإنتاجية، وانعكاسها على المجتمعية، ومنحها سماتها وخاصيات حضورها التفاعلي، فامر عائد لفعل عوامل خارجها، وسابقة عليها، فالنهرية التدميرية المجافية، وبيئىة "العيش على حافة الفناء"كمثال، تنتج نمطية اجتماع لا ارضوي، يترتب عليه لاحقا شكل مجتمعية منقسمه ارضويا / سماويا، يستمر على ماهو عليه عبر الدورات والانقطاعات، ومجتمع الديمية المطري البارد، ونوع عملية الإنتاج هناك واشتراطاتها، هي التي تولد الانشطارية الطبقية، الامر الذي لم يتمكن ماركس وانجلز من مقاربته، فقدموا مع غيرهم من متبني الطبقوية المجتمعية، الجانب الطبقي، واعتبروه ذاتا مستقلة مصنوعة مع الظاهرة المذكورة من داخلها، بخلاف ميلهم "العلمي" والانعكاسي خصوصا، كما يطبقونه على ظواهر أخرى، بينما يتوقفون دون الإقرار بان نوع المجتمعية اللاحق والمواكب لنشاة الظاهرة المجتمعية، هو نتاج البيئة وما تمارسه داخل الانتاجية والحياة، كما العلاقة بين البنية الأساس التحتية والبنية الفوقية بحسب تخريجات الماركسية.
هكذا يستمر الحضور الكوكبي الأرضي الحي ( بغض النظر عن الرؤية الجمادوية المحيدة، او المقصية للأرض ودورها الفاعل في العملية الحيوية والارتقائية النشوئية)، فلا يغيب، بل يتحور بناء على مستجدات عملية الارتقاء البشري، متخذا الشكل والصيغة الملائمه لما تكون العملية التصيرية البشرية قد بلغته من "تقدم"، بمعنى استمرار تواصل وحدة عناصر عملية النشوء والارتقاء، مع تبدل مراحلها وتغيرها، الامر الذي يعود ليحضر بقوة لاحقا كنتيجه للاختلال الطاريء على العلاقة المجتمعية البيئية، منذ دخول الالة كعنصر فعل نوعي مستجد، مع مالحق به من الانتقال الى "التكنولوجيا" كوسيلة انتاج مافوق ارضوية مجتمعية.
ثمة اذن طوران من التاريخ المجتمعيي وتشكله، وصياغة نوع حضوره التفاعلي، الأول أساسه الفاعل بيئي، والثاني مافوق بيئي يترافق مع عملية اختلال انتاجي مجتمعي، تبدا عنده ومعه حالة من بدء توقف العوامل والاليات السارية ابان الطور البيئي، ومنها وفي مقدمتها الانشطارية الطبقيةـ ومايترتب عليها وينتج عنها، كماالانشطارية المجتمعية الازدواجية، مع اختلاف شكل ودرجة ونوع الانتقال الطاريء على المجتمعات، مع تعدد اصنافها الأحادية والازدواجية، هذا في حين يظل المتاح مع الوعي ومستوى الادراك العقلي المتوفر، مرهونا ابان الطور الأول الابتدائي من الانتقال الانعطافي الالي، لوطاة القصور المزمن الملازم للعقل بإزاء الظاهرة المجتمعية ومنطوياتها، ليصير من وقتها واكثر فاكثر، حالة متزايدة الخطورة والحسم بما يتعلق بالمجتمعات وسيروراتها، بل وبصورة أساسية في درجة احتمالية استمرار الوجود البشري والمجتمعي.
وتغدو اللوحة وقتها ماخوذه بقوة وتزايد حضور عناصر الاختلال والكوارثية الحالة على العملية الإنتاجية، بفعل اختلال العلاقة المجتمعية البيئية ومايرافقها من توافقيه، الامر الذي يتاخر الانتباه له، في وقت تكون فيه الاليات المتراكمه الموروثة عقلا من الطور الأول الأحادي التابيدي، ماخوذه بما يمكن ان يطلق عليه، السعي لادماج لابل اخضاع العنصرالالي المفارق والنافي المنبثق، ضمن اشتراطات المجتمعية البيئية الموروثة، ماينشا عنه نوع من الايهامية الكبرى الاستثنائية، تتكرس مع، ومن داخل موضع انبثاق الالة، ومايرافق حضورها من اشكال متغيرات غير عادية في اوربا العصر الحديث، ليغدوا المكرس هوادعاء حالة انتقالية نوعية " تقدمية" داخل مسار المجتمعية، يظل غالبا ومهيمنا باسم مظاهر"التقدم" والحاصل منه، على الأقل في الفترة الأولى الابتدائية، عندما لاتكون الانتقالة الالية المصنعية قد بلغت من الفعل والاثر على المستويين الأوربي والعالمي، درجة من شانها لفت الانتباه الى المازق المجتمعوي الانغلاقي الكوارثي الحاصل، الامر الذي يطول لاكثر من قرنين من الزمن بعد الثورة الصناعية الاوربية.
وقتها تصير المعضلة الكبرى والأخطر،منوطنة مرة أخرى بالعقل، مع اختلاف جوهري يطرا اليوم على مكانه ومايترتب عليه، ذلك في وقت يكون هو فيه محكوما للقصور النشوئي الاول، وبالوقوف دون منطويات الظاهرة المجتمعية المحكوم عليه بالتشكل والتصير داخلها، فيحضر قصوره ابان الطور البيئي مضاعفا ومركبا اليوم، ليغدوا عاملا أساس في تكريس الاحتمالية الفنائية، ماينقل دوره وقتها الى مصاف العامل المادي، الرئيسي الحاسم، الذي به ومنه ينتظر التوفر على أسباب مغادرة الزمن المجتمعي البيئي، والارتقاء الى مصاف ومستوى مواجهة خطر الاختلال البيئي الإنتاجي، المتولد عن انبثاق الالة وحضورها في العملية الإنتاجية.
ووقتها يصير تجاوز القصور الاعقالي الموروث عن الطور البيئي، سلاحا رئيسيا عليه تتوقف استمرارية المجتمعية والحياة، ويصير ادراك السر التحولي الكامن في المجتمعية كظاهرة من اصلها، مع اجمالي مايحيط بها وبتشكلها، والخارطة البيئية الارضوية التي تحتضنها، وتعين نوع الياتها، مما لايمكن من دونه الارتقاء لمايتطلبه الوضع المستجد من انتقال مقابل الى اللابيئية الأصل، الكامنه في المجتمعية بصورة تحولية عقلية اساسا، تترافق مع انتقال من المجتمعية الانسايوانيه، الى إعادة انتاج الكائن البشري أي الى الكائن الذي يصنع ذاته بدل ذلك الذي ظل يصنع بفعل العوامل الخارجة عنه.
يتوافق الانقلاب الالي في العمق والجوهر، مع طبيعة ومكنون الظاهرة الاجتماعية التحولي، أي مابعد الجسدي، المتمثل في الإنتاج لارضاء وسد الحاجات الطبيعية الحيوية، ذهابا الى الطور الأعلى المفارق، والمؤسس على قاعدة ومهمة إعادة انتاج الكائن الحي وفق اشتراطات تنفي الاحتياجية الحيويه البيولوجي، بإعادة صناعة الكائن البشري عقليا، وفقا لما يقلص قبل ان يلغي وطاة وحضور الجسدية واضطراراتها الحيوية البيولوجيه البقائية.
وقتها تلتقي التكنولوجيا والعقل، بدل اليد والأرض، بينما يحل هدف مغادرة الأرض مكان حضورها الغالب الطاغي، بعد ان تبين انه بالأحرى مؤقت، وانه لازم بصيغته تلك ضمن مسار عبوري للكائن الحي الى ماوراء الجسدية.
لاحياة ممكنه او قابلة للاستمرار بعد اليوم، ومن هنا فصاعدا، من دون "الوعي التحولي"، فالبنى البيئية التي كانت وظلت قابلة للحياة والاستمرارية، دخلت زمن انحسار مفعولها وحضور الياتها، وكل مايفعله البشر اليوم من محاولات الإيحاء باستمرار الزمن المنقضي، هي بقايا من حالة قصور ونكوص مستمر، تصبح من هنا فصاعدا، خطرة بمستوى التسبب في فناء النوع الحي، فلا غرب ونظمه، واشكال حياتيته وتنظيمه، ولا أمريكا الإمبراطورية المفقسه خارج رحم التاريخ، ولا الشرق الناهض صناعيا متاخرا، له أي مستقبل بصيغته الحالية، الامر الذي ستؤكده من هنا فصاعدا اليات الكوارثية المتفاقمه، والمتزايدة الحضور، إيذانا واعلانا عن دخول الحياة طورا اخر، لامكان فيه لما كان متعارفا عليه من أسباب وحياة المجتمعات البيئية السالفة.
كيف يتجلى الانقلاب المشار اليه داخل كيانية الأنماط المتعدده الشرق متوسطي:
أولا: تكون المنطقة الشرق متوسطية ابان بداية حضور الاله، في حالة انقطاع تاريخي بين طورين تاريخيين منذ انتهاء الطورالثاني في القرن الثالث عشر مع سقوط بغداد العاصمة الإمبراطورية الازدواجية، ذروة تمثيل الدورة المذكورة عام 1258.
ثانيا : قد وقعت بظل توقف آلياتها النهوضية، تحت وطاة الصعود الغربي الأوربي الالي المصنعي ومثاله، فتغلبت نزعة الارادوية الالتحاقية بالغرب، بالاخص في مصر وساحل الشام. في حين يطرا على الجزيرة العربية ارض الصحراء الاحترابية الخاضعة لاقتصاد الغزو، مايقلب بنيتها التاريخيه بالريع النفطي والحكم القبلي الذي يستعمل الإسلام كايديلوجيا، تبدا استعادية مستحيلة في غير اوانها "الوهابية السلفية"، وتنتهي ريعيه نفطيه، في حين يلعب الريع النفطي في الفترة الأخيرة من فبركة الدولة في ارض الرافدين 1968/2003 ، دور الاضرار العميق والجسيم بالكينونة البنيويه الازدواجية، فاتحا الباب امام مرحلة من "فك الازدواج" غير المدرك.
ثالثا: يسهم الانتقال الالي الأوربي في تغيير الاليات الانماطية الفاعلة في الكيانيه الشرق متوسطية، ففي مصر بتجاوز عدد السكان قدرة النيل على الفعل الحاسم في تشكيل النمط واستمراره، وفي الجزيرة بالريع النفطي، وفي العراق لاسباب متداخلة تنتهي ريعية نفطية بالدرجة الأولى.
ـ يتبع ـ