كلمات من دفتر الأحوال... (23)

كاظم الموسوي
2020 / 10 / 20

بعد صمت طويل انفتح صاحبي ناقدا محرضا. الحصار يشتد على الشعب والنظام يتباهى أنه لم يتضرر به وأن مائدته مملوءة، عامرة بكلّ ما يشتهيه الإنسان، وكأنه لا يراعي وضع الناس، الشعب الذي بلغ الجوع مداه فيه، وخصوصاً العوائل الفقيرة أو تحت خطّ الفقر، التي قد لا تحصل على خبز لايام.. راتب أستاذ الجامعة أو الضابط برتبة مقدم أو عقيد لا يستطيع شراء ثلاث حاجات أساسية للعائلة فيه. مما اضطر أمثال هؤلاء للبحث عن وظيفة أخرى أو أكثر مع تشغيل أكثر من عضو في العائلة لسد حاجات البيت الأساسية. ويتفرج العالم على مآسيه، وأغرب تصريح لوزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت حين سؤالها عن ضحايا الأطفال من جراء الحصار تجاوز الثلاثمائة ألف، أنه يستحق ذلك الثمن. هل هذه إنسانة؟ ومن أي نوع بشري؟ وكيف تفسر طبيعة الرأسمالية وهي تعود لزيادة البشاعة إلى الحزب الديمقراطي الذي يعدّ إلى يسار الحزب الجمهوري، فكيف سيكون الوضع لو كان العكس؟.
- ماذا تريد أن نعمل؟ ما العمل وأنت ترى الصورة أمامك؟
- لا بُدَّ من كتابة بيان ضدّ الحصار الجائر كأضعف الأيمان، وننظم تظاهرات ونخرج بأعداد كبيرة أمام مقرات الحكومة والأمم المتحدة وسفارات الدول الإمبريالية.
- كلّ هذا قمنا به، وأنا معك بضرورة الاستمرار ومن جديد لنكتب بيانا الآن ونوزعه للتوقيع ونرى ماذا بعد.
كان قادة بعض الأحزاب السياسية مرتبطين بأجندات أجنبية ومرتهنين بها، فلا يسرهم تحرّك من هذا القبيل، وأبسط شيء عندهم هو تشويه موقعي البيان وبثّ إشاعات معروفة، باتّهام الموقعين بأنّهم من اتّباع النظام، بمجرد الاختلاف معهم وتوضيح الأمور لهم ومحاولة ابصارهم وردعهم من الانسياق وراء تخادم الإمبرياليين وخدمهم المحليين، والذي انتهى إلى ما انتهى إليه الحال. وتتحرك أبواق لهم كالضفادع، حين ينق واحد منهم يشاركونه النقيق، بلا معرفة بالسبب!
قبل الاحتلال الاستعماري للعراق عام 2003 تسابقت البيانات والنشاطات السياسية، وقامت الإدارة الأمريكية وأجهزتها المخابراتية بالتعاون مع تابعتها الحكومة البريطانية بالإعداد لغزو العراق، بعد أنْ تمّ غزو أفغانستان، تحت غطاء محاربة الإرهاب ورد فعل على ما حصل في 11 أيلول/ سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية من جرائم مدانة. وجرى تحضير ما سمي بمؤتمرات المعارضة العراقية التي وضعت خارطة الكارثة العراقية. فبينما كانت القوى الوطنية تصدر بيانات تحذر من الغزو والاحتلال وتطالب بتغيير النظام وكسر الحصار، كانت قوى معينة وأحزاب سياسية معها تصدر بيانات بتوقيع اتّباعها تدعو إلى احتلال العراق وإسقاط نظامه دون أية شروط أو مطالب عراقية.
انتبه أحرار العالم إلى مخاطر ما يخطط له زعماء واشنطن ولندن ومن تبعهم فقادوا التظاهرات في أكثر من 400 عاصمة ومدينة في أنحاء الكرة الأرضية ضدّ الغزو والحرب، وكانت لندن تسجّل أكبر تظاهرة تاريخية قادتها لجنة تحالف أوقفوا الحرب البريطانية والتي قدرت بحوالي مليوني متظاهر ضدّ غزو العراق والحرب وما يتبعها.
ذكرني صاحبي بأنَّ حكومة توني بلير سعت إلى شراء ذمم عراقيين لتأييدها بما تخدم به مصالحها وتبعيتها لسياسات واشنطن الحربية العدوانية، كيف كانت لافتات رفعت في التظاهرات وعليها صورة مجرم الحرب بوش الابن ساحبا كلبه وراءه، وصورة بلير على رأس الكلب، البوبي. وهي في الواقع صورة كلّ الكلاب الذين ربطوا رقابهم بمخططات البيت الأبيض والبنتاغون ولانغلي. وذكر لي بأنَّ وزراء بلير تجولوا على منظمات وتجمعات عراقية لتبرير مشروعهم وجس نبض الحاضرين ومعرفة الأجواء العراقية وتحضيرها لتبعية ما يرسم هناك، في بيوت الاستعمار والاستغلال والتآمر والخداع الإجرامي.
قد تنسى الذاكرة اليوم بعض الصور أو المواقف، ولكن التاريخ لا ينسى، وأرشيف الوقائع والأحداث مدوّن ولا يغفل ما يراد منه أن يحذف، حتّى لو تغير أصحابها أو تراجع أو صحا ضميرهم بعد فوات الأوان. ومهما كانت الأمور أو أصبحت فأنَّ ما جرى كما أكّد لي صاحبي لا يعفي المشتركين به، ولا يسمح لهم بركوب الموجات من جديد ونسيان ما اقترفت أيديهم وما كتبت أقلامهم وما شاركت رؤوسهم به، في غزو واحتلال وتدمير العراق، وطناً وشعباً ومستقبلا... فما حصل وما يحدث سجل واضح وكتاب مفتوح وتدوين بيّن لمن عنده بصر وبصيرة.
كتبت مقالات ونشرتها طيلة فترة التحضير للغزو والاحتلال للعراق وجمعتها ونشرتها في أربعة كتب، أصدرتها في دمشق، عناوينها: لا للحرب... خطط الغزو من أجل النفط والإمبراطورية، لا للاحتلال، إسقاط التمثال وسقوط المثال، واشنطن - لندن... احتلال بغداد، والعراق صراع الإرادات. وواضح من العناوين موقفي وادانتي للغزو والحرب والاحتلال وفرسانه وأزلامه، وقلت في كلمات أنّها رصد تاريخي لما حدث بالعراق وما حصل في وطني وما جرى لشعبي. وكتبت على غلاف الكتاب الرابع: إعادة قراءة الأحداث وتسليط الأضواء عليها أو على مجرياتها أو ما يتعلق بها مباشرة أو بشؤون العدو المحتل مهمة كبيرة وضرورية لحركة التحرر وبرامجها، وبلا شكّ تفيد في الاعتبار من تداعياتها الخطيرة والانتباه منها، وتدفع إلى العمل على تحقيق مشروع تحرري وطني تقدّمي.
وكتبت في كلمات أولى في الكتاب الأوّل: العلاقة جدلية بين الإنسان والموقف، والإنسان بجوهره موقف، حيث يكشف الموقف دور الإنسان، ويرسم حياته ومستقبله، وبه يفخر ويشعر بأنَّه لسان حاله، وتعبيره الذي يقدم كينونته في الوجود والمجتمع، وصنع التطوّر والتقدّم والحلم بالأجمل والأفضل والأسعد. والموقف في الكتابة والتعبير عن الرأي الصريح، في زمن ملتبس وظروف مرتبكة ومساحات شائكة، كما هو اليوم، كالقبض على الجمر، حيث تتصاعد أسئلة الصراع وقضايا الكفاح بين الإنسان ومنتهكي حقوقه من القوى التي تخطط بإستراتيجية للهيمنة الإمبريالية وبمختلف الوسائل وشتى الصُعد وأنواع الأسلحة وتجهز تيارات غالبة اسما وعلى السطح لديها ما تملكه وما تغش به واحدة نفسها وغيرها وتحيل الجغرافية والحاضر إلى فوضى والقيم إلى مفردات والمبادئ إلى شعارات. وتكون قوة الرأي والموقف معلومة في مصارعته وإعلانه وتصديه واستقرائه رغم التفاوت في موازين القوة وعدم التكافؤ في وسائل التحدي ويبقى الرأي لصاحبه والموقف لكاتبه، لاسيّما في استمرار الوقوف بمعناه النضالي أمام أساليب محاربته وقمعه وتوظيف إمكانيات كتمه وإغراءات حصره، رغم رفع لافتات براقة زيفا وخادعة إعلانية، بالحرية والديمقراطية والرأي الآخر والاختلاف.
قام عدد من الكتاب الذين وقفوا ضدّ الحرب والحصار والاحتلال وعرفوا بثوابتهم الوطنية بنشر مقالات تسجّل للتاريخ أسماء الذين باركوا الاحتلال أو طالبوا الإدارة الأمريكية والبريطانية بذلك من خلال البيانات التي أصدروها ووقعوا عليها، وهي منشورة في أكثر من موقع إعلامي الكتروني عربي. ورغم كلّ ذلك فثمة من يعتبر أنَّ ما حصل أمر لا بدّ منه، ناسيا البديهية المعروفة أن قوى الاحتلال لن تترك له ما خطر بباله أو ادعاه، وأنها ليست جمعية خيريّة تقدّم المال والدم لسواد عيونه، وما جرى بعده على الأرض أثبت له ولغيره ما كنا نحذر منه وندعو له في النضال من أجل التغيير الديمقراطي بإرادة الشعب وقواه الوطنية الحقيقية.
للأسف انعكاسات الأزمة الوطنية ومخططات الاحتلال لعبت دورها في استمرار التشتت والتشظي السياسي، وزيادة التفرق بدل التجمع وإعادة البناء. كما أعطت ظروف الاحتلال والانقسامات فرصا للفساد واستشرائه على مختلف الصُعد، بما فيها اتساع التفاوت الطبقي والإجتماعي وتعمق الانقسامات... اثنية وطائفية العنوان وانتشار أجواء مَرضية عقدّت الأمور أمام قوى التغيير ودفعت إلى فوز الغزاة وتحايل الطغاة وشيوع البغاة.