حكومة الكاظمي ومنطق مستشارها السياسي

اسماعيل شاكر الرفاعي
2020 / 10 / 19

كتب مشرق عباس - مستشار السيد رئيس الوزراء - ما يلي :
( التحالف الضمني بين الظلاميين وبعض ادعياء الثقافة ضد هذه الحكومة ، مفهوم جداً بالنسبة لنا )
هل تشخيص السيد المستشار الذي يقول بوجود تحالف بين فئتين اجتماعيتين : تضم الظلاميين من جانب وادعياء الثقافة من جانب ، صحيح ؟
ام ان هذا التشخيص هو نتاج وهم ، وغرور ذاتي ، وهو لا يعدو ان يكون اكثر من : بناء لفظي ، القصد منه : الإيحاء بوجود حكومة استنارة هي حكومة الكاظمي ، وان قوى الظلام والتخلف تتكالب عليها ، كما تكالبت القوى نفسها ضد الثورة الفرنسية 1789 ، والثورة الروسية 1917 ، او التكالب الذي سعى الى تطويق ومحاصرة وعزل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر : مؤسس اول أنظمة مجالس قيادة الثورات : الاستبدادية ، لكن الوطنية .
شخصياً اقول : نعم
ذلك ان نسبة الأمية في العراق عالية جداً ، وان واقع التعليم فيه سلبي جداً : حصيلة خريجيه المعرفية صفر ، كما تشير الى ذلك المنظمات الدولية المعنية بهذا المجال الحيوي من مجالات النهضة والتنوير . وذلك ما يعزز نظرية : مشرق عباس ، عن وجود تحالف بين : الأمية والظلام ضد حكومة ( التنوير والاستنارة ) التي يقودها الكاظمي .
لكن لماذا توافق حكومة ( التنوير والاستنارة ) على انهيار التعليم وهي تعرف بأن إصلاح التعليم هو الركن الاول من اركان التنوير ؟
لأن حكومة الكاظمي مشغولة بوضع اللمسات الاخيرة على نظرية في الإصلاح أطلقت عليها اسم : الورقة البيضاء . هذه النظرية ترى بان ازمة العراق نتاج لازمة مالية حدثت نتيجة هبوط أسعار النفط ، بعد انتشار فيروس كورونا وتوقف معامل العالم عن العمل ، وليس لازمة منهج في الحكم ودستور تتعايش تحت سطح كلماته الضبابية كل الأضداد . ركزت هذه النظرية على ان ازمة العراق مالية : ازمة رواتب ، ستسبب بأزمة تشغيل آليات دواليب الدولة . وما ان يتم الحصول على الأموال اللازمة لسد نفقات موظفيها حتى يدخل العراق : الجنة تحت إشراف الكاظمي ومشرق عباس ، ولهذا تم تكليف السيد وزير المالية لحمل مشعل الإصلاح والتنوير وليس الجامعات ومراكز البحوث والكتاب والفنانين ذوي النفس النقدي ، علماً ان شباب العراق قام بالثورة على حكومة عادل عبد المهدي قبل فيروس كورونا وقبل هبوط أسعار النفط ...

لا يمكن للتنوير ان يقف الى جانب حكومة : كثيرة الوعود والشعارات وقليلة التنفيذ والعمل .

لب مشكلة العراق تكمن في ازدواجية السلطة : والصراع الدائر بين سلطة الدولة ومجموعة سلطات اولها : سلطة الحشد الشعبي .
لا بد من ايجاد حل لهذه المسألة الشائكة ، وإلا تبقى قضية الأمن في العراق - كما هي منذ 17 عاماً - في وعي الناس : مهلهلة ، لا تحمي عرضاً ولا مالاً ، والجميع فيها معرضون للقتل او للخطف او للابتزاز من قوى دائماً مجهولة ، وهذه احدى علامات الدولة الآيلة الى السقوط : حين يتم تسجيل الجرائم الكبرى فيها باسم مجهول .
يطالب التنوير بمؤسسة عسكرية ذات ولاء ثابت للبلاد تقودها سلطة سياسية محترمة ، مثل باقي دول العالم . تعدد الرايات والولاءات ، يتعدى على سيادة الدولة ويهين الحكومة ، فالحشد يطلق صواريخه من غير علم الحكومة في الوقت الذي يشاء وعلى الأمكنة التي يشاء . ان سيادة الدولة المغدورة تطالب الحكومة بالثأر لها : وذلك بقطع علاقتها بايران التي تحرك الحشد الشعبي للقيام بأعمال من شأنها إهانة الحكومة العراقية وإهانة السيادة ، ومثلها تركيا ، وإعادة ترتيب العلاقة الفيدرالية بين المركز وإقليم كردستان لكي نشعر نحن المواطنون باننا نعيش في دولة واحدة وليس في دولتين حيث يتمتع الإقليم : بجيش وبمنافذ حدودية وبنسبة مالية من الوارد القومي الإجمالي للعراق ، من دون ان يسهم بدفع دينار واحد الى الحكومة الفيدرالية : وهذا ما يشير الى ان الإقليم دولة مستقلة ، الا انها الدولة الدائمة التهديد لحكومة بغداد ، ولكنها أجبن من ان تطلق طلقة واحدة على جيش الغزاة الأتراك . انها الدولة التي تفتل عضلاتها بوجه الحكومة في المناطق التي تسمى : متنازع عليها ، وهو ابشع وأقبح مصطلح أنتجته لجنة كتابة الدستور ...

يصف مشرق عباس بإيجاز خارطة القوى السياسية الفاعلة في العراق كالآتي : قوى ظلام ( دون ان يشير الى القوى الاجتماعية التي تمثلها قوى الظلام هذه ) متحالفة مع فئة أشباه المثقفين ضد حكومة ( التنوير ) بقيادة الكاظمي . اما خارطة التحالفات السياسية الجارية في العراق فتتمثل بالنسبة لنا : بجميع القوى التي تنازع الدولة سيادتها : فبالإضافة الى وجود سلطة الحشد الشعبي ، وسلطة البيشمركة في اقليم كردستان ، توجد سلطة رجال الدين من الفقهاء القادرين على يجتثوا حكومة الكاظمي في ساعات : بفتوى واحدة .
هل عملت حكومة الكاظمي على تقزيم هذه السلطات وتثبيت وجودها كسلطة سيدة في بلد واحد ، ام انها تدور كالثور المعصوب العينين حول ناعور واحد : هو ناعور الاقتراض المالي الذي نظرت اليه على انه : مفتاح حل الأزمة الدائمة في العراق ...

اصف ازمة العراق بالدائمة لأنها : مجموعة أزمات متساندة وليست أزمة واحدة . ولهذا لا يصح جدولتها ومرحلتها : بأن نبدأ هذا العام بحل الأزمة المالية ، وعام 2025 نبدأ بأصلاح التعليم ، وعام 2040 نلتفت الى معالجة الصحة . ان إصلاحها يتطلب الهجوم عليها جميعاً في آن واحد : وإلا تداعت الفروع الأخرى الى إسناد الفرع الذي تزمع الحكومة الهجوم عليه . خذ مثلاً فرع الأزمة المالية وهي ناتج من نواتج الفساد ، فستكتشف ان الفساد لم يوجد لولا حصوله على قوة ساندة متمثلة بالأحزاب الدينية التي حكمت كحزب الدعوة الشيعي والحزب الإسلامي السني ( فرع الاخوان في العراق ) وحصوله على إسناد قوي من ميليشيات الحشد ، وهذه الميليشيات وأحزابها تجد سندها في دعم دول الخارج لها .. هكذا تتكشف علاقة التلاحم والإسناد بين فروع الأزمة العراقية ، والتي تتطلب هجوماً استراتيجياً واحداً سيقف الشعب الى جانبها مؤيداً وسانداً ...

الوجه الآخر للازمة العراقية يتمثل بالوجه الأخلاقي البشع الذي ابتدأ بالمطالبة - على لسان قادة حزب الدعوة والحزب الإسلامي - بأجور ( النضال ) او ( الجهاد ) وهو الممر الواسع الذي مرت منه حشود ( المناضلين ) مطالبة بالرواتب ( النضالية ) والتي شجعت على انبعاث أسواق على شاكلة : سوق مريدي السيء الصيت أيام حكم صدام : حيث يتم تزوير جميع الوثائق المطلوبة وختمها بأختام جميع دوائر العهد السابق . ماذا فعلت حكومة ( التنوير ) الكاظمية لإصلاح هذا التردي الأخلاقي : هل بثت على الناس اسماء النواب الذين زوروا الشهادات وحرمتهم - كعقوبة - من رواتبهم التقاعدية ، وهل استعادت الرواتب من الوزراء الذين تضم وزاراتهم آلاف الفضائيين ؟

ان حكومة الكاظمي متحالفة مع قوى الظلام هذه ، توجه اقلام مستشاريها ضد التنوير الثوري الذي قام به شباب العراق : من اجل استرجاع بلاد ضائعة ، كان اسمها العراق ...